مريم أحوجيل
قراءة في الانفعال الجماعي وحدود العقلانية ووهم التفوق الأخلاقي
بعد انقضاء بضعة أيام على إسدال الستار على هذه الدورة من كأس إفريقيا للأمم، وبعد أن خفّت حدّة الانفعال الأولى التي رافقت لحظة النهاية، ربما صار بالإمكان إعادة قراءة الحدث في شموليته، لا فقط من زاوية نتيجة مباراة، بل باعتباره تجربة جماعية مكثفة، ومرآة لمرحلة كاملة، واختبارا لقدرتنا على الفصل بين اللحظة والانتماء، وبين العاطفة العابرة والوعي العميق.
منذ انطلاق هذه الدورة، وبعد انتهائها، تعالت أصوات بعض المثقفين المغاربة متسائلين: لماذا كل هذا اللغط والاهتمام بمجرد لعبة… مجرد قطعة جلد أجوف منفوخ بالهواء فقط؟
يقولون أن الأمر لا يعدو كونه لعبة، لا بد أن يكون فيها رابح وخاسر، وأن الألعاب وُجدت للترفيه، ومن المفترض أن تكون أداة لبث السعادة والبهجة وتعزيز أواصر الصداقة والتقارب بين الشعوب، لا وقودا للغضب والتعصب والمشاحنات.
فلماذا تتحول إلى مصدر عداء بين شعوب يُفترض أنها صديقة؟ ولماذا نسمح لوسيلة ترفيه أن تهدم ما بُني من رموز التعايش والتآخي؟ كيف نسمح لما يُفترض أن يُمتعنا أن يتحول إلى أداة تعذيب نفسي جماعي؟
هذا كلام جميل… كلام معقول… ولا يمكن إنكار وجاهته من حيث المبدأ. لكنه، في كثير من الأحيان، يبدو مثاليا أكثر مما يحتمل الواقع، أو أقرب إلى تصور أخلاقي مجرد، منه إلى قراءة دقيقة لتعقيدات النفس البشرية وسلوك الجماعات.
في الواقع، كثيرون لا يحبون مشاهدة مباريات كرة القدم، وقد لا يتابعون التظاهرات الرياضية عموما إلا حين يتعلق الأمر بالمنتخب الوطني. وكثيرون بطبيعتهم يصعب عليهم تقبّل فكرة معاداة إنسان لإنسان آخر بسبب لعبة، أو التعصب الأعمى لفريق ينتمي لدولة أو ربما لقارة أخرى.
قد لا نستسيغ هذا السلوك، لكن ذلك لا يعفينا من محاولة فهمه: فهم أبعاده وأسبابه وتجلياته.
لماذا نستغرب سلوكا ضاربا في عمق التاريخ الإنساني؟
السلوك الجمعي المرتبط بالمنافسة، بالانتماء، وبالانتصار الرمزي ليس طارئا ولا شذوذا. فالتاريخ، من الألعاب الأولمبية الإغريقية، إلى مصارعة الكولوسيوم الروماني، مرورا بمهرجانات القرون الوسطى، يبيّن أن المجتمعات كانت دائما في حاجة إلى مسارح رمزية لتفريغ التوتر، وإعادة ترتيب الهوية الجماعية.
كما يؤكد علم النفس التطوري وعلم الاجتماع السياسي أن الإنسان، منذ تشكّل الجماعات الأولى، احتاج إلى طقوس مشتركة لإعادة إنتاج الشعور بالتماسك والانتماء.
الفلاسفة والحكّام كانوا يعون ذلك منذ قرون، ويُحسنون توظيفه. ومن هنا المقولة الشهيرة: "الخبز والألعاب".
فليس الغريب أن تُدار السياسة أحيانا بالجماهير… الغريب أن نتظاهر بالدهشة في كل مرة.
الذكي ليس من يحارب الطواحين الهوائية، بل من يوظفها.
ولا يمكن تغيير طبيعة إنسانية راسخة بضربة أخلاقية فوقية، ولا بخطاب نخبوي متعالٍ يوبّخ الغرائز بدل فهمها.
كرة القدم، في هذا السياق، ليست سوى أفيون آخر من أفيون الشعوب.
فكل ما يخاطب الغرائز البدائية للإنسان يتحول، بطريقة أو بأخرى، إلى أفيون. هي كذلك لأنها تحفّز إفراز هرمونات المتعة والاندفاع، تماما كما تفعل المخدرات، وإن كان ذلك عبر آليات مختلفة.
الدوبامين والأدرينالين هنا ليسا استعارة، بل حقيقة بيولوجية معروفة، ولهذا لا يحتاج الإنسان إلى شرح طويل ليحب اللعبة… لأن الجسد يقرر غالبا قبل العقل.
فكيف نفسر مثلا أن صناعة الترفيه تدر أموالا طائلة؟
أليس مشاهير الرياضة والغناء والتمثيل أغنى حتى من أغلب السياسيين والعلماء والأطباء؟
وكيف نفسر أن "المؤثرين"، والدعاة، والدجالين، والمشعوذين، والمنجّمين، يحققون أرباحا تفوق ما يحققه العلماء أو المزارعون، مع أن هؤلاء هم من يُطعمون، ويعالجون، ويحسنون شروط العيش فعليا لا مجازا؟
الجواب بسيط ومعقّد في آن واحد: لأن كل هذه المجالات تخاطب الغرائز… غريزة البقاء، وغريزة التكاثر، وغريزة الانتماء، وغريزة الانتصار في صراعات، ولو كانت رمزية.
كرة القدم تقدّم كل ذلك في طبق واحد: المتعة، الانتماء، الأدرينالين، الدوبامين، نشوة الانتصار، وحتى وهم التفوق والخلود الرمزي عبر الفريق أو الوطن. وهي تفعل ذلك بكفاءة عالية… ربما أعلى من كثير من الخطب الرصينة.
ومن المؤكد أن المجتمعات كلما نضجت، تعلمت ضبط هذه الدوافع بدل إنكارها، وتهذيبها بدل شيطنتها. فالنضج لا يعني غياب الانفعال، بل القدرة على استيعابه ثم تجاوزه.
ولعل الدليل الأوضح على وجاهة هذه المقاربة، أن الخطاب الصادر عن أعلى سلطة في البلاد سار في الاتجاه نفسه، دون تهوين من مشاعر الناس أو تسفيهها. فقد اعترف، بوضوح وهدوء، بشرعية الانفعال الجماعي في لحظة كثيفة كهذه، ثم دعا، بعد انقضاء حدّته، إلى استعادة الاتزان وضبط النفس، لا من موقع الوصاية أو التأنيب، بل من موقع الفهم والتقدير.
هذا النوع من الخطاب لا يرى في المواطنين كتلة عاطفية جاهلة ينبغي تقويمها، بل فاعلين واعين، يُخطئون أحيانا، ينفعلون، ثم يستعيدون رشدهم. وهو فارق دقيق، لكنه جوهري، بين سلطة تفهم مجتمعها، ونخبة تتعالى عليه.
وعلى الأقل، فإن الانفعال المرتبط بفوز أو خسارة المنتخب الوطني يظل تعبيرا عن انتماء طبيعي، وليس لفوز أو خسارة بلدان أخرى، كما شهدنا في بعض الحالات التي كشفت ردود فعل بعيدة عن منطق المنافسة الرياضية، وتعكس، في العمق، توترات واختلالات رمزية وثقافية أوسع من مجرد حدث كروي… وهو نقاش يخرج عن نطاق هذا المقال.
أما من يقول أن الاهتمام بكرة القدم مضيعة للوقت والموارد، وأن التأثر بنتائج المباريات دليل سذاجة وضعف عقلي، وأن الأولى التركيز على الصحة والتعليم والتنمية، فهو، في الغالب، يتحدث من برج عاجي، مطلّ على الناس، لكن غير معنيّ بهم… وكأن الاهتمام بمجال يلغي أو يعيق الاهتمام بغيره.
والمفارقة أن بعض هذه الأصوات التي تتهم الناس بالسذاجة والانقياد العاطفي، تفعل ذلك بدافع لا يقل غريزية: حاجة دفينة إلى التميّز، وإلى الشعور بالتفوّق الأخلاقي أو العقلي، وكأن التعالي نفسه ليس استجابة غريزية أخرى، مقنّعة بلغة العقل.
فكما أن للمدرجات انفعالاتها، للصالونات نرجسيتها.
وكما ينسى المشجع عقله تحت ضغط الحماس، ينسى بعض المثقفين إنسانيتهم تحت ضغط الرغبة في الارتقاء الرمزي فوق "العامة".
وهنا أصل الخلاف الحقيقي بين النخبة المتعالية والنخبة المتبصّرة.
ينبغي فهم منطق النخبة، دون احتقار منطق الناس العاديين. ولا ينبغي أن تعيش النخبة معزولة عن نبض الشارع، ولا أن تتعالى على مشاعر الجمع.
المتبصّر هو من يتحرك بين العوالم، ويتميز بنوع من البرمائية الفكرية... هو من لا يشعر بتفوق على من لا يفكر مثله، ولا دونية أمام من يظن نفسه أعمق منه.
والحقيقة التي نميل إلى نسيانها، هي أننا جميعا، دون استثناء، أسرى دوافعنا البدائية بدرجات متفاوتة. لكل واحد منا كعب أخيل خاص به، تلك اللحظة التي يعلَّق فيها العقل، وتتصدر الغريزة المشهد. قد تكون كرة قدم، أو إيديولوجيا، أو فكرة، أو شخصا، أو حتى صورة مثالية عن الذات.
الفرق لا يكمن في من يملك الغرائز ومن لا يملكها، بل في من يعترف بها، ومن يتوهّم أنه تجاوزها نهائيا.
ولهذا فإن ردود الفعل العاطفية الأولى، بما فيها الغضب أو الإحباط، تبقى سلوكا إنسانيا طبيعيا في لحظات الخسارة، خاصة بعد شهر كامل من التعبئة الوجدانية الجماعية.
غير أن ما يميّز المجتمعات الراسخة هو قدرتها، بعد انحسار الانفعال، على استعادة اتزانها، ورفض الانجرار وراء الضغينة والخطابات التي تؤسس للفرقة والتشهير، وترك المزايدات لمن لا يملكون سوى الصراخ والبكائيات.
من هذا المنظور، يصبح الخطاب الذي يحترم مشاعر الناس، ثم يراهن على وعيهم اللاحق، أكثر نجاعة من أي خطاب تقريعي أو استعلائي. لأنه يفترض أن المواطن ليس طفلا دائما، ولا قاصرا أخلاقيا، بل إنسانا يمر بدورات طبيعية من الانفعال ثم التبصّر.
وسط كل هذا، استوقفني مقطع لطفل مغربي لا يتجاوز السادسة، يبكي بحرقة بعد خسارة المنتخب المغربي نهائي كأس إفريقيا.
المشهد مؤثر، لا لبكاء الطفل فحسب، بل لما يكشفه.
بكاء هذا الطفل لا يقدم صورة للهزيمة، بل على العكس.
إنه يعني أن جيلا جديدا اعتاد الانتصار، ويرى الخسارة استثناء لا قاعدة... جيل تربى على أن النجاح ممكن، وأن الفشل ليس قدرا.
تأثرت، لا لبكائه، بل لجيلنا نحن… جيل نشأ على تعثرات متراكمة، وتربى على أن الخسارة طبيعية، وأن النجاح هو الاستثناء. هذه العقلية هي التي أنتجت إنسانا مستسلما، فاقدا للشغف، رغم ذكائه وقدراته وطاقاته.
وهنا يولد الأمل: أمل في أجيال ترى نفسها قادرة، فخورة، تستوعب هويتها، وغير مهزومة داخليا.
هذه واحدة من أجمل نتائج تلك "القطعة من الجلد المنفوخ".
ولا داعي للتذكير بأن لكرة القدم أبعادا تتجاوز اللعبة ذاتها: قوة ناعمة، أداة دبلوماسية، رافعة اقتصادية وسياحية، ومنظومة متكاملة تشمل التنظيم، التكوين، الترويج، وصناعة الصورة.
شاء من شاء وأبى من أبى، فقد شكّلت هذه الدورة، باعتراف دولي واسع، لحظة إشعاع حقيقي للقارة الإفريقية ككل، وليس للمغرب وحده، ورسخت صورة بلد قادر على الجمع بين الفرح الشعبي، والانضباط التنظيمي، والالتزام بروح الأخوة الإفريقية، بعيدا عن عقد التفوق ودون حاجة إلى دروس أخلاقية من أحد.
إن ما ميّز هذه الدورة بالذات، ليس فقط الحماس الرياضي، بل كونها شكلت لحظة قياس حقيقية لمسار طويل من السياسات العمومية، سواء على مستوى البنيات التحتية، أو التنظيم، أو الاستثمار في الرأسمال البشري الرياضي.
فبلوغ المنتخب الوطني مراتب متقدمة عالميا لم يكن صدفة، بل نتيجة خيارات استراتيجية، وجرأة في استقطاب كفاءات من مغاربة العالم، انطلاقا من انتماء واعٍ، لا من منطق الريع أو الاستعراض.
وطبعا، هذا لا يعني أن دولة عريقة وعاقلة تبني سياساتها على كرة القدم وحدها. المغرب ليس بهذه السذاجة. كرة القدم ليست إلا واجهة لمسار بنيوي أعمق وأشمل.
لكن إنكار هذه الأبعاد، أو السخرية من مشاعر الناس باسم العقلانية، ليس عقلانية، بل تعالٍ مقنّع، وسوء تقدير لوعي شعب يعرف كيف يميّز بين النقد المشروع، والتشهير المغرض، وبين الانفعال العابر، والمواقف التي تبني ولا تهدم.
مريم أحوجيل،
حاصلة على ماستر في الترجمة وإجازة في اللغة الإنجليزية وآدابها.
راكمت تجربة مهنية طويلة في مناصب مسؤولية بمجال العلاقات الدولية، شملت العلاقات التجارية مع البلدان العربية والإسلامية والعلاقات التجارية متعددة الأطراف، بوزارة الصناعة والتجارة والاقتصاد الأخضر والرقمي.
تشتغل حاليا بوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة.
إلى جانب مسارها المهني، تهتم بالكتابة النثرية والشعرية، ودراسات الترجمة، وبقضايا المجتمع والثقافة والعلاقات الدولية.