لحسن العسبي (يسارا) والدكتور جلول سلامة المعتقل بالجزائر
شرعت الجزائر في وضع اللوجستيك لاستغلال حديد غار جبيلات بولاية تيندوف (قريبا من مدينة بشار) بشكل فردي ضاربة عرض الحائط باتفاقيتها الدولية مع المغرب للإستغلال المشترك لهذا المنجم الغني جدا (يعتبر من أكبر مناجم الحديد بالعالم وليس فقط بإفريقيا) الموقعة سنة 1972. رغم الخسارة المالية التي تحيط بقرار إنتاجها الفردي بسبب الفرق الكبير بين كلفة الإنتاج ومداخيل البيع دوليا للحديد المستخرج. مما يعتبر مغامرة فاشلة ستكلف الإقتصاد الجزائري ملايين الدولارات من الخسائر.
مهم التذكير هنا بالتحليل الذي قدمه خبير اقتصادي جزائري، حجة في مجاله، هو الدكتور جلول سلامة في إحدى القنوات التلفزية الجزائرية الخاصة منذ أيام. التحليل الرصين الذي قدم بالأدلة والحجج عدم ربحية استغلال مناجم الحديد هذه بالنسبة للإقتصاد الجزائري وأن الأمر قرار تدبيري خاطئ، موجها نقدا ضمنيا لما وصفه ب "مافيات الشركات التركية" التي ورطت الحكومة الجزائرية في مشروع غير مربح بصيغته الحالية. وأنه رغم شق خط سكة حديد على مسافة تقارب الألف كلمتر من الجنوب نحو الشمال، وتدشينه هذا الأسبوع، فإن كلفة الإنتاج عالية جدا بالمقارنة مع المنتظر من مداخيل بيع ذلك الحديد الذي ليس من النوع الرفيع ضمن السوق العالمية.
لقد كَلَّفَ هذا التحليل العلمي الجريئ صاحبه الدكتور جلول سلامة الإختطاف من منزله واقتياده إلى مكان مجهول منذ أسبوع، قبل أن تعترف السلطات الجزائرية البارحة أنها قررت متابعته قضائيا بسبب ما اعتبرته "تشكيكا منه في مشروع وطني اقتصادي استراتيجي" في قناة تلفزية. وهي تهمة ثقيلة تكاد تقارب تهمة "الخيانة العظمى" في عرف السلطة الجزائرية.
المغرب وحديد غار جبيلات
لكن لنطرح السؤال المركزي التالي:
ما قصة حديد غار جبيلات؟ وما قصة اتفاقية الإستغلال المشترك الجزائري المغربي له استنادا على اتفاقية 1972 بين البلدين؟.
تعود القصة إلى المطالب المغربية المشروعة منذ سنة 1956 بمجرد حصوله على استقلاله في أجزاء من أراضيه التي احتلتها فرنسا وإسبانيا، لاستعادة "صحرائه الشرقية" التي اقتطعها الإستعمار الفرنسي المحتل للجزائر منذ 1830 (الذي كان يعتبر الجزائر أرضا فرنسية وولاية فرنسية) في الفترة ما بين 1901 و 1934. وهي صحراء ممتدة على مساحة جغرافية كبيرة من بشار والقنادسة شمالا حتى تيندوف جنوبا وصولا حتى عروق صحراء رقان وأدرار شرقا.
إن مما تؤكده مذكرات أول رئيس لموريتانيا المرحوم المختار ولد دادة (الذي أطيح به في انقلاب عسكري اتهمت جهات عدة أن المخابرات العسكرية الجزائرية كانت وراءه سنة 1978)، أن رئيس فرنسا الجنرال دوغول سنة 1958 سيتقدم بعرض رسمي إلى الملك الوطني محمد الخامس لتوقيع اتفاقية رسمية لاستعادة المغرب كامل صحرائه الشرقية تلك مقابل وقف كل أشكال الدعم العسكري والسياسي للثورة الجزائرية وإغلاق مراكز التدريب الخاصة بجيش التحرير الجزائري بشرق المغرب (وجدة وبركان والناظور) وطرد كل قيادة ذلك الجيش المقيمة فوق الأراضي المغربية.
كان رد الملك الوطني محمد الخامس هو رفض عرض الجنرال دوغول وأن الإخوة الجزائريين سوف يحلون مشكل تلك الأراضي المغربية مع الحكومة المغربية بعد نيلهم استقلالهم الوطني.
مما يجب تسجيله للحقيقة التاريخية أن المسؤول المغربي الوحيد الذي كان يلح على التجاوب إيجابيا مع مقترح الجنرال دوغول هو أول وزير خارجية للمغرب الزعيم الوطني الإستقلالي الكبير أحمد بلافريج. لكنه كان صوتا نشازا ضمن سياق الحماسة الوطنية التحررية حينها.
سيبادر المغرب في المقابل إلى توقيع اتفاقية رسمية مع الحكومة المؤقتة الجزائرية برئاسة فرحات عباس سنة 1959 تلتزم فيها الجهة الجزائرية بحل مشكل تلك الأراضي المغربية تاريخيا ومؤسساتيا وإداريا وترسيم الحدود بمجرد نيل الجزائر استقلالها.. وهي اتفاقية لم تلتزم بها "جماعة وجدة" من القيادة العسكرية الجزائرية التي قامت أصلا بانقلاب على جناح "الحكومة المؤقتة الجزائرية" تلك، التي هي جماعة الرئيس أحمد بنبلة ووزير دفاعه هواري بومدين.
كانت النتيجة هي أن مطالب المغرب الرسمية والشعبية لاستعادة "صحرائه الشرقية" ظلت قائمة ومتواصلة طيلة الستينات وبداية السبعينات. وإذا كان الرئيس أحمد بنبلة قد وقف موقفا متطرفا في التعامل مع تلك الحقوق الترابية المغربية المشروعة (ظلت ولاية تيندوف مثلا مغربية برموز سيادية مثل الطابع البريدي والراية المغربية تحت الإحتلال الفرنسي حتى سنة 1934)، فإن الرئيس الجزائري هواري بومدين الذي أطاح ببنبلة في انقلاب عسكري يوم 19 يونيو 1965 سيغير من شكل تعامله مع المطالب المغربية تفاوضيا. كان رهان نظام بومدين هو تحقيق غايتين مركزيتين:
- ترسيم الحدود مع المغرب بما يضمن عدم التنازل عن أي شبر من الأراضي الموروثة عن الإستعمار (حتى وإن كانت أراض غير جزائرية تاريخيا).
- التوصل إلى صيغة تعاونية مع المغرب تضمن حقوقه الإقتصادية بالمنطقة (خاصة وأن ذلك كان جزء من مطالب فعاليات سياسية مغربية من الحركة الإتحادية المعارضة، مثلما كان يجد صدى تجاوب إيجابي ضمن مجالات صناعة القرار الإستراتيجي بالدولة المغربية).
طالت المفاوضات شهورا في ما بين 1968 و 1972 بشكل دوري، إلى أن تم التوصل إلى صيغة شبه نهائية لاتفاقية ترسيم الحدود بين البلدين مطوقة بعدة شروط إلزامية واجبة من ضمنها الإستغلال المغربي الجزائري المشترك لحديد غار جبيلات. (فقط للتذكير ظلت المصادقة المغربية النهائية على اتفاقية الحدود معلقة حتى سنة 1992 زمن تولي الرئيس الجزائري المغتال محمد بوضياف السلطة بقصر المرادية ضمن رزنامة اتفاق لحل المشكل المفتعل ضد الحقوق الترابية المغربية بصحرائه الغربية الجنوبية).
صدر حينها إذن قرار رسمي من البلدين بخصوص حديد غار جبيلات سنة 1972 يؤكد الإستغلال المشترك بينهما من خلال إنشاء شركة مغربية - جزائرية مهمتها تنفيذ مشروع استخراج الحديد ونقله عبر الأراضي المغربية للتصدير عبر ميناء أكادير، اعتبارا لقرب المسافة جغرافيا ولأن دراسة الجدوى تجعل كلفة ذلك الإنتاج مفيدة لاقتصاد البلدين معا وأن الأرباح مضمونة.
ستبادر الحكومة الجزائرية إلى نشر نص الإتفاقية للإستغلال المشترك بالجريدة الرسمية للجزائر بتاريخ 15 يونيو 1973 (العدد 48 من السنة العاشرة)، ينص بالحرف على مايلي:
"أمر رقم 73 - 21 مؤرخ في 14 ربيع الثاني عام 1393 الموافق 17 مايو سنة 1973 يتضمن المصادقة على الاتفاقية الجزائرية المغربية للتعاون من أجل استثمار منجم غارة جبيلات والموقعة بالرباط بتاريخ 3 جمادى الأولى عام 1392 الموافق 15 يونيو سنة 1972".
هذا التزام قانوني من الدولة الجزائرية بمنطوق القانون الدولي لإلزامية الإتفاقيات الدولية (ما لم يصدر ما ينسخ تلك الإتفاقية أو يلغيها وهو ما لم يتحقق مع هذه الإتفاقية الجزائرية المغربية إلى اليوم). وهو الإلتزام الذي خرقته حكومة الرئيس عبد المجيد تبون من خلال قرارها الإستغلال الفردي المستقل لحديد غار جبيلات، رغم كلفته الكبيرة على الإقتصاد الجزائري وعدم ربحيته، كما يؤكد الخبير الإقتصادي الجزائري المعتقل الدكتور جلول سلامة.
الحقيقة إن "اقتصاد الحدود" بين المغرب والجزائر يقدم فرصا حيوية لتحقيق النماء والتقدم لصالح شعبي البلدين، وبشكل أكثر حيوية لكل ساكنة الغرب الجزائري وساكنة الشرق المغربي من تنيدوف الجزائرية في أقصى الجنوب حتى السعيدية المغربية في أقصى الشمال على ضفاف البحر الأبيض المتوسط. وهو اقتصاد تكاملي يشمل قطاعات المناجم والفلاحة والصناعات التحويلية الصحراوية والسياحة والأبحاث العلمية الجيولوجية. لكن القرار السياسي المتعنت للسلطة الجزائرية يقف حائلا دون هذا الحلم التنموي المنتج والفعال، المنتصر للمستقبل ولترسيخ الأمن في معناه الشمولي بمنطقتنا المغاربية. بل إن الأشد مرارة أن ذلك يتم حتى بقرارات مزاجية (محدودة الأفق والجدوى) تضر بالإقتصاد الجزائري من قبيل مغامرة الاستغلال الأحادي لمنجم حديد غار جبيلات الذي تجمع كل الدراسات الإقتصادية الرصينة أنه في صيغته الحالية غير مفيد وغير مربح للجزائر.
الظاهر أن ضيق الأفق المغاربي لدى صناع القرار في الجزائر العاصمة يكاد يجعل المثل الأمازيغي ينطبق عليهم، الذي أطلقه أهلنا في الجنوب بخصوص هجوم الجراد على المحاصيل الفلاحية، الذي يقول:
"تركها في الجنان وذهب يطاردها في البراري".