منير لكماني: ثمن الواجهة

منير لكماني: ثمن الواجهة منير لكماني

ميزان الإختيار هو سر كل بيت. حين يميل الميزان نحو اللمعة، يبدأ النقص من حيث نظن الكمال. الواجهة قد تكسب الإعجاب، لكنها تخسر المعنى إذا صارت أساسا. لا تجيد إصلاح الشرخ حين يطول الصمت، ولا ترفع القلب حين يثقل، ولا تنقذ العلاقة عندما تتعب من التمثيل. الوعود البراقة قصيرة العمر، لأن ما يلمع يبهت، وما يستند إلى الناس ينهار عند غيابهم. وحده اليوم العادي يكشف الحقيقة: من يصبر، من يرفق، من يصدق، ومن يحسن الإصغاء. عند هذا الحد فقط يفهم المرء ثمن الواجهة.

بريق الصفة

حين يختزل أحدنا الآخر في صفة واحدة، يضع الحب على حافة الخسارة. الجسد قد يخطف النظر، لكن الزمن لا يفاوض. القوة تتراجع، الملامح تهدأ، والفتنة قد تصير عادة لا دهشة. من يراهن على الجسد وحده يكتشف متأخرا أن الجسد لا يواسي، ولا يحسن رتق الكسر حين يقع، ولا يفهم خوفا مباغتا يوقظ القلب ليلا. الجمال نعمة، لكنه لا يصلح وحده ليكون لغة في الخصام، ولا سندا في فترات الضيق، ولا جسرا عند إختلاف الطباع.

غواية المشهد

أشياء كثيرة تصلح للعرض ولا تصلح للعيش. سيارة لامعة، هندام متقن، صور براقة، حديث مرتب. الواجهة تمنح إنطباعا، لكنها لا تمنح أمانا. كلما بني الإختيار على ما تلتقطه العين، دخل إلى البيت شاهد صامت إسمه نظرة الناس. عندها يتبدل الميزان: بدل أن نسأل ماذا نحتاج، نسأل كيف سنبدو. ومع تكرار هذا السؤال تتحول العلاقة إلى أداء، ويصير القلب منشغلا بحراسة الصورة أكثر من إنشغاله بصناعة القرب.

أمان مزيف

المال يخفف وجعا كثيرا، ويسر تفاصيل العيش، ولا ينكر أحد ذلك. لكنه إذا صار أصل الحكاية، إنقلب إلى قيد ناعم. تتسلل لغة الحساب إلى العاطفة: من أعطى أكثر، من تحمل أكثر، من له الكلمة الأخيرة. وحين تصبح المودة قابلة للقياس، يبرد الدفء شيئا فشيئا. قد يعيشان تحت سقف واحد، لكن كل واحد منهما يسكن عالما مختلفا: عالم إمتلاك يطلب المزيد، وعالم معنى يطلب طمأنينة لا تشتريها الأرقام.

ظل القلب

المقام قد يفتح الأبواب، لكنه قد يغلق القلوب إذا سكن البيت كسلطة خفية. حين يتقدم اللقب على الخلق، يصبح الكلام حذرا، والإختلاف مؤجلا، والعتاب ممنوعا خوفا من الصورة. يذوب الدفء في بروتوكول يومي: كلمات محسوبة، حضور مرتب، صمت طويل. لا يعود السؤال: هل نفهم بعضنا؟ بل: هل يليق بنا أن نختلف؟ ومن يخاف الصراحة، يختار الصمت. غير أن الصمت لا يصلح ما يفسده الوقت، بل يؤجله حتى يتراكم.

صخب الشهرة

قد تمنح الشهرة حضورا واسعا، لكنها كثيرا ما تسرق الخصوصية. يصبح الحميمي مادة للتأويل، وتصير اللمحة خبرا، والزيارة حدثا، والإختلاف مادة كلام. تتقلص المسافة الآمنة بين البيت والناس حتى يشعر المرء أن حياته مكشوفة ولو أغلق الأبواب. ثم إذا خفتت الأضواء لأي سبب، ظهر فراغ لا يملؤه التصفيق. لأن الدفء لا يصنعه جمهور، بل تصنعه يد تعرفك حين تضعف، وكلمة ترفعك حين تتعب.

طاعة بلا حياة

هناك من يفتن بفكرة الشريك الذي لا يعارض، ظنا أن الراحة في الموافقة الدائمة. لكن العلاقة التي تخلو من الحوار تشبه ماء راكدا. لا نمو بلا إختلاف مهذب، ولا نضج بلا أسئلة. من لا يراجع لا يتغير، ومن لا يناقش لا يشارك حقا. ومع الزمن تتحول العشرة إلى إدارة صامتة: أوامر رقيقة، تنفيذ بارد، ثم فتور لا إسم له. الإنسان الذي لا يقول رأيه لا يمنح ذاته، ومن لا يمنح ذاته لا يهب حياة للعلاقة.

ميزان المعنى

العلاقة التي تصمد لا تقوم على صفقة مع رمز، بل على معرفة إنسان. معرفة طبعه حين يغضب، وأدبه حين يقدر، وصدقه حين يخطئ. الإختيار الناضج يسأل عن أشياء تبدو بسيطة لكنها تصنع العمر: هل يحفظ اللسان؟ هل يصون البيت؟ هل يعتذر بلا إلتفاف؟ هل يصبر بلا منة؟ هل يتعلم من التجربة؟ وهل يعرف أن يكون رفيقا لا زينة؟ حينها تصبح النعم إضافة لا بديلا، وتغدو الرفاهية جميلة لأنها تقف فوق أرض ثابتة لا فوق رمل متحرك.

عتبة البيت

إذا كان الزواج طريقا طويلا، فلماذا نبدأه بما يلمع لا بما يثبت؟ ما الذي يبقى حين يهدأ السوق وتغلق الكاميرات وتعود الأيام إلى بساطتها؟ هل نختار من يرضي العين، أم من يطمئن القلب عند الشدة؟ وعندما تتساقط الأقنعة واحدا واحدا، من يبقى معنا حقا: الإنسان أم صورته؟ ثم سؤال أخير يختصر الرسالة كلها: هل نريد شريكا نعيش معه، أم واجهة نعيش لها؟