عثمان بن شقرون
لم يكن ما جرى خلال كأس إفريقيا للأمم، ولا سيما في سياقاتها الجانبية والمشهد الختامي، مجرد توتر رياضي عابر أو سوء تدبير ظرفي، وإنما كان ارتطاماً بنيوياً بالواقع، وضع الأصبع على جرح غائر في جسد القوة الناعمة المغربية؛ جرح يُسمّى الفجوة السحيقة بين مغرب الإنجاز الواقعي ومغرب السرد الإعلامي. لقد دخل المغرب تلك المنافسة مثقلاً بطموحاته كقوة إقليمية صاعدة، ومسنوداً ببنية تحتية ودبلوماسية أبهرت العالم، لكنه وجد نفسه في مواجهة حرب من نوع آخر، حرب لم يكن سلاحها الكرة، بل المعنى. عند هذه النقطة تحديداً حدث الانكشاف الاضطراري لإعلام هشٍّ ظلّ لسنوات يقتات على التقاط الصور وصناعة الإنشاء، فإذا به عاجز عن حماية الصورة الوطنية حين وُضعت في مرمى نيران ممنهجة، ليتبيّن أن تلك الواجهة الإعلامية لم تكن في مستوى التحديات الإقليمية، ولا قادرة على إدارة حروب الوعي والحد من خطورتها.
إن الاختبار الحقيقي الذي كشف هذا العوز الاستراتيجي لم يكن في مواجهة النقد الرياضي ذاته، بل في الوقوف شبه عاجزين أمام ماكينة إعلامية في الجارة الشرقية احترفت صناعة الواقع البديل. ففي الوقت الذي كان فيه العالم يكتشف، ميدانياً، حقيقة الإنجاز المغربي، ويلمس جودة البنية التحتية وصدق الحفاوة والتنظيم، كانت حرب ضروس تُشنّ في الخفاء والعلن معاً، هدفها تسميم الوعي القاري والدولي بادعاءات بلغت حدّ الهستيريا. ورغم أن الحرج كان يطوّق مروّجي تلك الأباطيل كلما اصطدمت دعاواهم بسطوع الوقائع، ظلّ الإعلام المغربي حبيس منطق ردّ الفعل المرتبك، عاجزاً عن تحويل هذا الحرج إلى هجوم دبلوماسي ناعم يعيد ترتيب السرد لصالحه. لقد اكتفينا، في الغالب، بمخاطبة أنفسنا داخل حدودنا، في حين كانت الأخبار المضللة تجوب القارة بلغات شتى، وهو ما يثبت أن الحقيقة، في صراع الإرادات، لا تدافع عن نفسها تلقائياً، بل قد تنهزم إن لم يمتلك أصحابها شجاعة السرد وذكاء الاختراق.
هذا العجز لم يكن وليد الصدفة ولا نتيجة خطأ معزول، بل ثمرة طبيعية للاكتفاء بمنطق تغطية الحدث عوض الانتقال إلى منطق إدارة المعنى. فبينما كانت أوركسترا من حملات التشويش المنظمة تشتغل، حتى قبل صافرة البداية، على بناء سرديات عدائية مسبقة تضخّم الهفوات وتشكك في الجاهزية والنوايا، ظلّ الإعلام الوطني أسير نبرة تقريرية تكتفي بوصف السطحي لما هو كائن، غافلة عن حقيقة أن الوقائع، في عالم اليوم، لا تدافع عن نفسها تلقائياً، بل تحتاج إلى غلاف سردي يحميها من التشويه وسوء التأويل. هنا يتجلى الخلل الوجودي بوضوح. نحن نغطي، بينما غيرنا يؤثر؛ والفراغ الذي نتركه، سواء بصمتنا أو بإنشائنا العاطفي، يملأه الخصم فوراً بسردية بديلة تُصاغ بعناية لتصبح هي الحقيقة المستقرة في وعي المتلقي الدولي.
هذا الانكفاء الإعلامي يجرّنا بالضرورة إلى نقد الخطاب التعبوي الذي يتوهّم أصحابه أن دغدغة العواطف وإعادة تدوير الشعارات يمكن أن تشكّل خط الدفاع الأول في معارك من هذا النوع، بينما الواقع يؤكد أن الإنشاء، في المواجهات الإعلامية الكبرى، سلاح أعزل. الحاجة اليوم ماسّة إلى الانتقال نحو السردية الاستراتيجية، لا بوصفها بروباغندا فجة، بل باعتبارها قدرة على تقديم الذات بذكاء، مستندة إلى قوة الوقائع وديكتاتورية الحقائق التي تفرض نفسها بالأرقام والمعطيات لا بالصراخ. إن صناعة السردية، بهذا المعنى، تقتضي الخروج من زنزانة ردّ الفعل الذي ينتظر وقوع الأزمة ليفسّرها، إلى فضاء المبادرة الاستباقية التي تشرح الخيارات الوطنية وتؤطر الإنجازات ضمن سياقها التاريخي والجيوسياسي، بما يجعل من الإعلام فاعلاً في صياغة المعنى، لا مجرد شاهد عيان يلاحق الأحداث بلهث وتأخر.
ولأن السردية، لكي تكون نافذة، لا بدّ لها من أجنحة، وهنا تبرز معضلة اللغة لا كإشكال ترجمة تقنية، بل كعجز عن تحقيق الاختراق الثقافي. فالإعلام المؤثر لا يخاطب الآخر بكلمات مترجمة حرفياً، وإنما يخاطبه ضمن منظومته الإدراكية، وباللغة التي يفكر بها، وبالأسئلة التي تشغله ونقاط الحساسية التي تؤثر فيه. إن إنتاج محتوى أصلي بلغات العالم، يفهم السياقات الجيوسياسية لكل جمهور، هو ما يحوّل الإعلام من حديث داخلي موجّه إلى الذات، إلى قوة ناعمة عابرة للحدود. غير أن هذا المسار لا يمكن أن يسلكه الصحفي العام الذي يكتب في كل شيء بضحالة، بل يفتحه الصحفي المرجعي المتخصص، القادر على امتلاك ندّية معرفية في ملفات معقدة كالأمن المائي، أو السيادة الرقمية، أو الدبلوماسية الرياضية، ليصبح محاوراً يفكك خطاب الخبراء الدوليين، لا مجرد ناقل آلي لتصريحاتهم.
وفي خضم هذه التحولات، تبرز حروب الوعي بوصفها حقيقة ملموسة لا خيالاً تآمرياً، حروب تُدار بهندسة دقيقة تستهدف تفتيت الثقة وشيطنة النجاح وتحويل الإنجاز إلى موضع شبهة. مواجهة هذه الهندسة تقتضي وعياً جديداً بأخلاقيات المسؤولية الوطنية، حيث يتحول التدقيق والانضباط المهني من مجرد قواعد مسلكية إلى حصانة وطنية فعلية. ففي زمن الالتباس الرقمي، قد يتحول أي خطأ مهني بسيط إلى ذخيرة مجانية تُقدَّم للخصم على طبق من ذهب. من هنا تبرز الحاجة إلى مراجعة جذرية لموقع الإعلام في بنية الدولة؛ فالمغرب الذي يقود مشاريع أطلسية كبرى ويبني جسور تواصل قاري متينة، يستحق آلة إعلامية توازيه قوة وعمقاً، آلة تدرك أننا أمام لحظة تاريخية فاصلة، إما إعلام يمتلك ناصية السرد ويحمي الوعي الجمعي بذكاء واستباق، أو ركون إلى صمت ستملأه لغات أخرى لا ترحم الفراغات، ولا تعترف إلا بالأقوياء في ميدان الكلمة كما في ميدان الممارسة.