الحسين يوعابد، مسؤول التواصل بالمديرية العامة للأرصاد الجوية
في خضمّ تداول واسع لمصطلح «القنبلة المطرية» على مواقع التواصل الاجتماعي، وما رافقه من مخاوف بشأن تسجيل تساقطات مطرية قياسية بعد سنوات من الجفاف، يوضح الحسين يوعابد، مسؤول التواصل بالمديرية العامة للأرصاد الجوية، الخلفية العلمية الدقيقة لهذه الحالة الجوية، ويفكك المفاهيم الرائجة، كما يشرح حدود تأثير المنخفضات الأطلسية على المغرب
ما حقيقة الحديث عن “قنبلة مطرية” ستضرب شمال المغرب في الأيام المقبلة وبنسب أمطار قياسية؟ وهل هذا الوصف دقيق علميًا، وما الذي يميز هذه الحالة الجوية عن التساقطات المعتادة؟
- علميًا، لا يُستعمل في علم الأرصاد الجوية مصطلح «قنبلة مطرية»، بل هو توصيف صحفي يُقصد به عادة ظاهرة التولد الحلقي المتفجر (Explosive Cyclogenesis)، وهي انخفاض حاد وسريع في الضغط الجوي (أكثر من 24 مليبار خلال 24 ساعة)، ما يؤدي إلى نشوء عواصف عنيفة جدًا وتساقطات مطرية غزيرة في وقت وجيز.
والمغرب غير معنيّ مباشرة بهذه الظاهرة، نظرًا لبعده الجغرافي عنها. وما تشهده المناطق الشمالية من المملكة (طنجة، تطوان، العرائش، شفشاون) يندرج في إطار مرور منخفضات جوية أطلسية مدعومة بتيارات هوائية رطبة قادمة من المحيط الأطلسي، حيث يعرف شمال الأطلسي خلال هذه الفترة نشاطًا متزايدًا للمنخفضات الجوية، نتيجة اندفاع التيار النفاث البارد نحو الجنوب، ما يزود هذه المنخفضات بالطاقة ويُعمّقها ويزيد من قوتها.
في المقابل، يهمّ أوروبا، مع بداية هذا الأسبوع، منخفض أطلسي عميق وواسع الامتداد يقترب من بريطانيا وغرب أوروبا عمومًا، مصحوبًا برياح قوية وأمطار غزيرة بغرب القارة. أما تأثير هذا المنخفض على شمال غرب إفريقيا، وبالخصوص على المغرب، فيبقى غير مباشر وأخف حدّة.
وعليه، ستشهد اليوم مناطق طنجة، الريف، المنطقة الشرقية، والسهول الشمالية والوسطى هبّات رياح قوية، مع أمطار وزخات رعدية تهم طنجة، اللوكوس، الريف، الغرب، غرب البحر الأبيض المتوسط، الأطلس المتوسط وسايس، إضافة إلى بحر هائج على السواحل الأطلسية الممتدة من طنجة إلى أكادير، وطقس بارد إلى شديد البرودة على المرتفعات والهضاب العليا.
ويوم الأربعاء، يُتوقع استمرار الطقس الممطر بطنجة، اللوكوس، الريف وشمال الغرب، مع أمطار متفرقة على السهول الشمالية والوسطى وشمال المنطقة الشرقية، وتساقط بعض الثلوج على قمم الأطلس المتوسط، ورياح قوية إلى شديدة القوة بعدد من المناطق.
كيف تُفسَّر توقعات تسجيل كميات قياسية من الأمطار والثلوج بعد سنوات من الجفاف؟
- يمكن تفسير هذه التساقطات الغزيرة الاستثنائية بعد فترات الجفاف بالتقلبات الطبيعية لأنظمة الضغط الجوي وتدفّقات الهواء الرطب، إضافة إلى توالي المنخفضات الأطلسية. وهذا لا يعني بالضرورة حدوث تغير مناخي مفاجئ.
ومع ذلك، قد تعكس هذه الظواهر حساسية متزايدة للتقلبات المناخية، التي قد تشتد بفعل التغير المناخي العالمي. علميًا، يُفسَّر هذا الوضع بما يُعرف بـ«التطرف المناخي»، إذ إن ارتفاع حرارة الغلاف الجوي بعد فترات جفاف طويلة يجعله قادرًا على احتجاز كميات أكبر من بخار الماء، وعند وصول منخفض جوي بارد، يتم تفريغ هذه الطاقة على شكل أمطار غزيرة جدًا ومركّزة.
هل نحن أمام تحوّل في النمط المناخي أم مجرد حالة جوية استثنائية؟
- من الضروري التمييز بين حدث جوي عابر وتغير مناخي مستدام. فالأمطار الغزيرة الحالية تدخل في إطار ظاهرة جوية استثنائية لكنها مؤقتة، وتندرج ضمن التقلبات الطبيعية. أما التغير المناخي الحقيقي فيُقاس على مدى عدة عقود، ويعني تعديلًا مستمرًا في المعدلات المناخية، وهو ما لا ينطبق على هذه الحالة.
وهل منظومة الإنذار المبكر والتدبير الاستباقي قادرة على الحد من الخسائر؟
- يتوفر المغرب على منظومات للإنذار المبكر والمراقبة المستمرة، وتُسهم هذه الأدوات بشكل كبير في الحد من المخاطر والخسائر، شريطة أن تواكبها إجراءات سريعة ومنسقة من مختلف المتدخلين. ومع ذلك، لا يمكن لهذه المنظومات القضاء كليًا على الآثار، خاصة خلال حالات الأمطار شديدة الغزارة.
ما الذي يجب على الساكنة والسلطات القيام به خلال هذه الفترة الحرجة؟
- يُنصح باتخاذ الاحتياطات اللازمة، خصوصًا في ظل الرياح القوية والبحر الهائج، ولا سيما بالمناطق الشمالية والجبلية، مع الالتزام التام بتعليمات السلطات المحلية. كما يُشدد على ضرورة تتبع النشرات الإنذارية الرسمية، وتجنّب المناطق القابلة للفيضانات ومجاري الأودية.
وفي حالة اضطراب البحر، يجب تفادي أي نشاط بحري، والابتعاد عن الشواطئ والأرصفة البحرية خلال فترات ارتفاع الأمواج، تفاديًا لأي مخاطر محتملة.