حكيم التوزاني
يشهد النظام الدولي في مرحلته الراهنة تحولات عميقة في أدوات إدارة النزاعات وآليات إنتاج السلم، في ظل تراجع نسبي لفعالية الأطر متعددة الأطراف التقليدية، وتصاعد اللجوء إلى صيغ مرنة وغير مؤسسية تقودها قوى كبرى خارج القنوات الأممية الكلاسيكية. وفي هذا السياق، تبرز مبادرات سياسية وأمنية جديدة تسعى إلى إعادة التفكير في مقاربات الوساطة، وإدارة ما بعد النزاع، وإعادة بناء الشرعية في بؤر التوتر المزمنة، وعلى رأسها النزاع الفلسطيني وما يحيط به من ارتدادات إقليمية ودولية.
ضمن هذا الإطار، يثير اختيار المغرب كأول دولة إفريقية للانضمام إلى مجلس السلام الذي يقترحه "دونالد ترامب" جملة من التساؤلات التي تتجاوز البعد البروتوكولي أو الظرفي، لتلامس جوهر التصورات الأمريكية الجديدة بشأن الشركاء القادرين على الاضطلاع بأدوار تتعلق بالاستقرار، والوساطة، وهندسة ما بعد النزاع. فهذا الاختيار لا يمكن فصله عن إعادة ترتيب الأولويات داخل السياسة الخارجية الأمريكية، ولا عن التحولات التي تعرفها مكانة الفاعلين الإقليميين والدوليين في منظومة السلم والأمن الدوليين.
وانطلاقا من ذلك، تسعى هذه الدراسة إلى مساءلة التحول الذي تعرفه المقاربة الأمريكية للسلم الدولي، حيث تتراجع معايير القوة الصلبة لصالح معايير الموثوقية والاستقرار، من خلال تحليل حالة المغرب كفاعل يُعاد تعريف دوره بين الاعتراف الرمزي والاندماج الوظيفي، وبين إدارة الأزمات والمساهمة في هندسة ما بعد النزاع.
وفي إطار استنطاق تمفصلات الإشكالية الآنفة الذكر، تنطلق المقالة من فرضية مفادها أن هذا الاختيار لا يعكس مجرد تقدير سياسي ظرفي، بل يترجم قراءة أمريكية مركبة لدور المغرب كفاعل مستقر وموثوق، قادر على الجمع بين الشرعية السياسية، والوساطة الهادئة، والاشتغال في منطق ما بعد النزاع، وأن الانخراط في هذا الإطار يتيح للمملكة مكاسب تتعلق بإعادة التموضع داخل شبكات التأثير الدولية أكثر مما يتعلق بامتيازات آنية أو نتائج مباشرة.
وبناء على ذلك، تعالج المقالة هذه الإشكالية من خلال محورين رئيسيين.
المحور الأول: دلالات اختيار المغرب كأول دولة إفريقية في التصور الأمريكي للسلم والاستقرار
يحمل توصيف المغرب كأول دولة إفريقية تم توجيه الدعوة إليها دلالات تتجاوز الترتيب الزمني أو المجاملة الدبلوماسية، إذ يعكس اختيارا واعيا داخل التصور الأمريكي للدول القادرة على الاضطلاع بأدوار تتعلق بالوساطة والاستقرار في سياقات نزاع معقدة. فالسؤال الجوهري لا ينحصر في سبب اختيار المغرب، بقدر ما يرتبط بما يكشفه هذا الاختيار من قراءة أمريكية لموقع المملكة، ولنوعية الأدوار التي يمكن أن تضطلع بها داخل ترتيبات سياسية وأمنية جديدة، وهي دلالات يمكن مقاربتها من خلال ثلاث زوايا متكاملة.
أولا: الاعتراف التراكمي الأمريكي بالدور المغربي في إدارة الأزمات
اختيار المغرب كأول دولة إفريقية لا يمكن قراءته بوصفه استجابة ظرفية لسياق حرب غزة أو نتيجة توازنات آنية فرضتها تطورات ميدانية طارئة، بل يعكس في العمق تصورا استراتيجيا أمريكيا متراكما لدور المملكة داخل منظومة الاستقرار الإقليمي. فواشنطن لا تتعامل مع الرباط باعتبارها فاعلا ظرفيا، بل كشريك طويل الأمد راكم مصداقية سياسية ومؤسساتية عبر عقود.
هذا التصور يجد سنده في وثائق رسمية أمريكية تصف المغرب منذ سنوات بأنه شريك استراتيجي رئيسي خارج حلف شمال الأطلسي، وهي صفة لا تمنح على أساس الاصطفاف الإيديولوجي أو القوة العسكرية الصرفة، بل على أساس الاستقرار السياسي، استمرارية القرار، والقدرة على التفاعل البراغماتي مع الملفات الأمنية والدبلوماسية المعقدة.
كما تؤكد تقارير الكونغرس الأمريكي أن المغرب يشكل عنصرا محوريا في معادلات الاستقرار بشمال إفريقيا ومنطقة الساحل، ليس عبر التدخل المباشر، بل من خلال التعاون الأمني، مكافحة التطرف، والدبلوماسية الوقائية، وهو ما يجعل منه شريكا مفضلا في المقاربات الأمريكية التي تسعى الى تقليص كلفة التدخل المباشر وتعويضه بشبكات شركاء موثوقين.
في هذا السياق، يكتسب اختيار المغرب أولا إفريقيا دلالة واضحة: فالولايات المتحدة لا تبحث عن ثقل عسكري أو ديمغرافي، ولا عن دولة قادرة على فرض الوقائع بالقوة، بل عن فاعل يتمتع برأسمال الثقة، وقابلية الوساطة، والقدرة على العمل الهادئ داخل بيئات نزاع عالية الحساسية دون تحميل المبادرة كلفة إيديولوجية أو سياسية زائدة.
المغرب، من هذا المنظور، يمثل نموذجا مغايرا في التصور الأمريكي: دولة مستقرة، ذات قرار مركزي، لا توظف خطابا صداميا، وتحافظ على قنوات تواصل مفتوحة مع اطراف متباينة، وهو ما يجعلها مؤهلة للانخراط في أطر سلام أو استقرار لا على أساس القوة، بل على أساس المصداقية السياسية والاستمرارية المؤسساتية.
وعليه، فان اختيار المغرب كأول دولة إفريقية لا يحمل معنى التفضيل الجغرافي بقدر ما يعكس ترتيبا استراتيجيا للأولويات الأمريكية، حيث تتقدم الدول القادرة على ضمان الهدوء، وضبط الانتقال، وتخفيف الاستقطاب، على حساب الدول التي تمتلك ثقلا رمزيا أو عسكريا دون قابلية فعلية للوساطة أو إدارة ما بعد النزاع.
ثانيا: المغرب في تصور واشنطن: من فاعل في إدارة الأزمات إلى شريك في إقرار أسس السلام
إذا كان اختيار المغرب كأول دولة إفريقية يعكس اعترافا أمريكيا بدور متراكم قائم على الثقة والاستقرار، فإن هذا الاختيار ينسجم أيضا مع تحول عميق في المقاربة الأمريكية للنزاعات الدولية. فالولايات المتحدة، خاصة بعد التجارب المكلفة في العراق وأفغانستان، ثم تعقيدات المشهد في غزة، لم تعد تنظر إلى النزاع من الزاوية العسكرية فقط، بل من منظور اشمل يضع مرحلة ما بعد النزاع في صلب التفكير الاستراتيجي، بما تتطلبه من استقرار، وإعادة بناء، واستعادة للشرعية، وحكامة قابلة للاستمرار.
في هذا السياق، تبرز قيمة المغرب كفاعل مختلف عن الأنماط التقليدية للتدخل. فالمملكة لم تنخرط تاريخيا في حروب مباشرة في الشرق الأوسط، وهو ما جنبها إرثا من العداء أو الاصطفاف الحاد، وسمح لها بالحفاظ على صورة طرف غير صدامي. كما حافظت الرباط، عبر عقود، على علاقات مفتوحة ومتوازنة مع أطراف متعارضة، دون أن تحصر نفسها في محور واحد أو خطاب إقصائي، وهو عنصر أساسي في أي مقاربة تهدف الى خفض التوتر وبناء التوافقات.
إلى جانب ذلك، راكم المغرب تجربة ملموسة في العمل الإنساني والديني والمؤسساتي في القدس، ليس عبر مبادرات ظرفية، بل من خلال التزام طويل الأمد جسدته رئاسة لجنة القدس، وإدارة بيت مال القدس، بما وفر للمملكة رصيدا عمليا في مجالات الدعم الاجتماعي، والحفاظ على النسيج الحضري، وتعزيز الصمود المدني. هذه التجربة تمنح المغرب مصداقية خاصة في مقاربات ما بعد النزاع، حيث لا يكفي وقف النار دون توفير شروط الحياة والاستقرار.
انطلاقا من هذه العناصر، يبدو المغرب، من منظور أمريكي، مؤهلا للاضطلاع بأدوار تتجاوز الوساطة السياسية إلى المساهمة في تهيئة شروط الانتقال من النزاع إلى الاستقرار، سواء عبر أدوار رمزية تضفي شرعية على الترتيبات الجديدة، أو عبر مساهمات عملية تركز على إعادة البناء، ودعم الحكامة، وترميم الثقة داخل المجتمعات المتضررة.
ثالثا: المغرب كحلقة وصل إفريقية عربية في هندسة الاستقرار
إذا كان منطق ما بعد النزاع يفسر جانبا من الرهان الأمريكي على المغرب، فإن البعد الإفريقي العربي يضفي على هذا الرهان بعدا جيوسياسيا إضافيا لا يقل أهمية. فاختيار المغرب كأول دولة إفريقية لا ينفصل عن موقعه الخاص كدولة إفريقية من حيث الجغرافيا والانتماء المؤسساتي، وعربية من حيث الامتداد السياسي والثقافي، وهو ما يمنحه قدرة نادرة على التحرك بين فضاءات عادة ما تتقاطع فيها المصالح دون أن تلتقي فيها الأدوات.
في المقاربة الأمريكية المعاصرة، خاصة بعد تراجع فاعلية بعض الأطر متعددة الأطراف، يبرز البحث عن دول قادرة على لعب دور الوسيط بين دوائر إقليمية متباعدة. المغرب يقدم في هذا السياق نموذجا عمليا لدولة إفريقية منخرطة في قضايا الأمن والسلم بالقارة، وفي الوقت نفسه فاعل معترف به في ملفات الشرق الأوسط، دون أن يكون طرفا مباشرا في صراعاته المسلحة.
هذا الموقع الوسيط تؤكده أدوار المغرب داخل القارة الإفريقية، سواء من خلال انخراطه في مؤسسات السلم والأمن بالاتحاد الإفريقي، أو عبر مبادرات التعاون الأمني والديني والتنموي في منطقة الساحل وغرب إفريقيا، وهي أدوار تحظى بتقدير أمريكي موثق في تقارير رسمية تشير إلى مساهمة الرباط في مقاربة شاملة للاستقرار الإقليمي.
كما تؤكد تقارير الكونغرس الأمريكي أن المغرب يشكل شريكا مهما في ربط جهود الاستقرار في شمال إفريقيا والساحل بالسياسات الأمريكية الأوسع في الشرق الأوسط، خاصة في ظل تصاعد التهديدات العابرة للحدود، من إرهاب وهجرة غير نظامية وتفكك مؤسساتي.
إن تعميق دلالة اختيار المغرب كأول دولة إفريقية يقتضي وضع هذا القرار في سياق مقارن مع دول إفريقية وازنة كان يمكن نظريا أن تشكل بدائل محتملة. فالجزائر، على سبيل المثال، تملك ثقلا جغرافيا وطاقيا معتبرا، غير أن تموقعها الدبلوماسي القائم على خطاب صدامي في عدد من الملفات الإقليمية، وارتباطها المباشر بنزاعات مفتوحة، يجعل كلفة إدماجها في مبادرات سلام توافقية مرتفعة، وهو ما يدفع واشنطن عادة إلى التعامل معها كشريك ظرفي لا كوسيط بنيوي. ومصر، رغم وزنها التاريخي ودورها المركزي في ملفات الشرق الأوسط، تبقى طرفا مباشرا في معادلات الصراع، خصوصا في غزة، بما يحد من قدرتها على الاضطلاع بدور يمنح شرعية رمزية واسعة لترتيبات ما بعد النزاع، وهو دور يختلف عن وظيفتها التقليدية كوسيط أمني. أما دول مثل نيجيريا أو جنوب إفريقيا، فعلى الرغم من ثقلها الإفريقي والرمزي، فإن حضورها يظل محصورا في الدائرة القارية، دون امتلاك رأسمال سياسي مباشر في قضايا الشرق الأوسط، أو شبكة علاقات تاريخية مع مختلف أطراف النزاع الفلسطيني الإسرائيلي، ما يقلص من جدوى إشراكها في هندسة سلام ذات بعد عابر للأقاليم. في مقابل ذلك، يقدم المغرب حالة إفريقية خاصة تجمع بين الاستقرار السياسي، وعدم الانخراط العسكري في نزاعات الشرق الأوسط، والحفاظ على علاقات متوازنة مع أطراف متعارضة، فضلا عن رأسماله المؤسسي في ملف القدس وفلسطين. هذا المزيج يجعل منه، في الحسابات الأمريكية، فاعلا منخفض الكلفة السياسية وعالي القبول الرمزي، وقادرا على لعب دور حلقة وصل بين دوائر إفريقية وعربية ودولية، دون استدعاء حساسيات إيديولوجية أو خلق استقطابات جديدة.
وعليه، فإن اختيار المغرب كأول دولة إفريقية للانضمام إلى مجلس السلام الذي يقترحه "دونالد ترامب" لا يختزل في بعد بروتوكولي أو ظرفي، بل يعكس قراءة أمريكية مركبة لموقع المملكة داخل معادلات الاستقرار الإقليمي والدولي. فهذا الاختيار يجسد، أولا، اعترافا متراكما بدور مغربي طويل الأمد في إدارة الأزمات، قائم على الاستقرار السياسي، واستمرارية القرار، والقدرة على التفاعل البراغماتي مع الملفات الأمنية دون كلفة أيديولوجية مرتفعة. ويعكس، ثانيا، تحولا في النظرة الأمريكية إلى المغرب من مجرد فاعل في احتواء الأزمات إلى شريك محتمل في إرساء أسس السلام، خاصة في سياقات ما بعد النزاع التي تتطلب شرعية، وحكامة، وإعادة بناء، لا مجرد وقف لإطلاق النار. كما يبرز، ثالثا، الرهان على المغرب باعتباره حلقة وصل إفريقية عربية قادرة على التحرك بين فضاءات جيوسياسية متباعدة، وربط جهود الاستقرار في إفريقيا بالسياقات الشرق أوسطية، في وقت تفتقد فيه دول إفريقية وازنة أخرى إما لحياد الوسيط، أو لامتدادها السياسي خارج محيطها القاري، أو لرأسمال الثقة الضروري في هندسة ترتيبات سلام عابرة للأقاليم. وبهذا المعنى، فإن اختيار المغرب لا يعبر عن تفضيل جغرافي بقدر ما يجسد ترجيحا استراتيجيا أمريكيا لفاعل منخفض الكلفة السياسية، عالي القبول الرمزي، وقادر على الإسهام الهادئ في لحظات انتقالية دقيقة، حيث تتقدم المصداقية والاستمرارية على منطق القوة أو الاصطفاف.
المحور الثاني: المكاسب الدبلوماسية المحتملة لانخراط المغرب في أطر السلام الدولية الجديدة
لا يمكن تقييم المكاسب الدبلوماسية المحتملة لانخراط المغرب في إطار دولي ناشئ يقترحه "دونالد ترامب" بمنطق النتائج الفورية أو العوائد المباشرة، لأن طبيعة هذا الإطار نفسها لا تزال في طور التشكّل السياسي أكثر منها في طور التأسيس المؤسساتي. غير أن القراءة الاستراتيجية تفرض مقاربة مختلفة، تنظر إلى هذه المكاسب باعتبارها مكاسب تموضع، ونفوذ، وقدرة على التأثير في مسارات قيد التشكل، لا امتيازات جاهزة أو التزامات تعاقدية واضحة. ومن هذا المنظور، يمكن رصد هذه المكاسب عبر ثلاث مجالات متداخلة: موقع المغرب داخل دوائر القرار الأمريكية، تطور وظيفته كفاعل وساطة دولي، ثم توظيف هذا الانخراط في خدمة أولوياته الاستراتيجية بعيدة المدى.
أول هذه المكاسب يتمثل في تعميق موقع المغرب داخل المنظومة الأمريكية خارج القوالب الثنائية التقليدية. فالانخراط في إطار تقوده الولايات المتحدة، حتى وإن ظل غير مكتمل البنية أو غير مؤطر قانونيا بعد، لا ينبغي قراءته كامتداد آلي للعلاقات الثنائية الكلاسيكية، بل كتحول نوعي في طبيعة التفاعل مع واشنطن، من منطق التنسيق والدعم إلى منطق الشراكة في التفكير وصياغة المقاربات.
التجربة الأمريكية في إدارة الأزمات خلال العقدين الأخيرين أظهرت بوضوح أن عددا كبيرا من القرارات المفصلية لا يتبلور داخل القنوات الدبلوماسية الرسمية وحدها، بل يتشكل داخل فضاءات موازية تضم شبكات مرنة من الفاعلين: مسؤولين سابقين يحتفظون بنفوذ فعلي، مراكز تفكير قريبة من دوائر القرار، ومبادرات سياسية تجريبية تسبق في كثير من الأحيان التأسيس المؤسسي أو القانوني... هذه الفضاءات غير الرسمية هي التي تُختبر فيها الأفكار، وتُصاغ فيها الفرضيات الأولى، وتُرسم من خلالها حدود الممكن وغير الممكن، قبل أن تنتقل لاحقا إلى مؤسسات الدولة في صيغة سياسات عامة.
في هذا السياق، يكتسي الوجود المغربي داخل هذا النوع من الأطر أهمية خاصة، لأنه يمنحه ولوجا مبكرا إلى لحظة التشكل، وهي لحظة حاسمة في السياسة الدولية. فالدول التي لا تحضر إلا في مرحلة التنفيذ تجد نفسها غالبا أمام خيارات مغلقة، بينما الدول التي تشارك في النقاشات التمهيدية تملك هامشا أوسع للتأثير، حتى وإن لم تكن صاحبة القرار النهائي. من هذه الزاوية، لا يكمن المكسب الحقيقي في مخرجات الإطار أو في قراراته المعلنة، بل في المشاركة في صياغة الافتراضات التي يقوم عليها القرار نفسه.
ويمكن استحضار أمثلة مقارنة لفهم هذه الدينامية. فتركيا، على سبيل المثال، استفادت في مراحل سابقة من انخراطها المبكر في تصورات أمريكية غير مكتملة حول العراق وسوريا، ليس عبر تحقيق مكاسب فورية، بل عبر ترسيخ حضورها داخل شبكات التأثير، ما مكنها لاحقا من لعب أدوار تفاوضية وأمنية تجاوزت وزنها الظاهر. وبمنطق مختلف، نجحت دول أوروبية معينة في التأثير على مسارات السياسة الأمريكية تجاه البلقان في تسعينيات القرن الماضي، لا لأنها كانت صاحبة القرار، بل لأنها كانت حاضرة في دوائر التفكير الأولى.
بالنسبة للمغرب، يفتح هذا الانخراط إمكانية مماثلة ولكن بكلفة سياسية أقل. فالمملكة لا تحمل إرث تدخل عسكري، ولا ترتبط بصورة الفاعل الصدامي، ما يجعل حضورها داخل هذه الشبكات مقبولا وغير مثير للحساسية. هذا الحضور يسمح لها بتقديم تصورات، وتثبيت مقاربات، والدفاع عن أولوياتها بطريقة غير مباشرة، داخل بيئة تتشكل فيها السياسات قبل أن تُعلن.
وعليه، فإن تعميق موقع المغرب داخل المنظومة الأمريكية لا ينبغي اختزاله في مستوى العلاقات الرسمية أو البيانات المشتركة، بل فهمه باعتباره انتقالا من هامش التفاعل إلى دائرة التأثير الهادئ. فالمغرب، من خلال هذا الانخراط، لا يسعى إلى فرض أجندته، بل إلى أن يكون جزءا من النقاش الذي تبنى عليه الأجندات، وهو مكسب استراتيجي صامت، لكنه بالغ الأثر على المدى المتوسط والبعيد.
المكسب الثاني، والأكثر نوعية، يتمثل في تحول الوساطة المغربية من رصيد معنوي تراكمي إلى وظيفة دبلوماسية عملية ذات أثر مباشر. فالمغرب راكم، عبر عقود، صورة الدولة المعتدلة القادرة على تقريب وجهات النظر والحفاظ على قنوات التواصل المفتوحة، غير أن هذا الرصيد ظل في كثير من الأحيان محصورا في موقع الداعم أو المسهّل، لا في موقع الفاعل المؤثر في هندسة المراحل اللاحقة للنزاعات، خاصة تلك المرتبطة بما بعد وقف إطلاق النار. الانخراط في إطار دولي جديد معني بمرحلة ما بعد الصراع يفتح، لأول مرة بهذا الوضوح، إمكانية الانتقال من الوساطة الرمزية إلى المشاركة الوظيفية في إنتاج الاستقرار.
في السياق الفلسطيني تحديدا، حيث تتشابك الأبعاد الأمنية بالإنسانية والمؤسساتية، تبرز الحاجة إلى أطراف لا تحمل إرث التدخل العسكري، ولا تُنظر إليها كجزء من منظومة فرض الوقائع بالقوة، بل كفاعل قادر على المساهمة في إعادة بناء الثقة داخل مجتمع منهك. هذا النوع من الأدوار لا يمكن أن تضطلع به الدول المنخرطة مباشرة في الصراع، ولا القوى الكبرى المثقلة باعتبارات الهيمنة، بل أطراف تتمتع بقبول رمزي ومصداقية أخلاقية وتجربة عملية في العمل المدني والديني والمؤسساتي.
هنا تبرز خصوصية الحالة المغربية. فالتجربة التي راكمها المغرب في القدس، عبر رئاسة لجنة القدس وإدارة بيت مال القدس، لا تقتصر على خطاب سياسي داعم، بل تقوم على التزام طويل الأمد شمل تمويل مشاريع اجتماعية، ودعم قطاعات الصحة والتعليم، والحفاظ على النسيج الحضري، وتعزيز صمود السكان في مواجهة التحولات القسرية. هذا النموذج يقدم، في نظر صناع القرار الدوليين، دليلا عمليا على قدرة المغرب على الاشتغال في بيئات حساسة دون إثارة توترات سياسية أو أمنية إضافية.
وفي حال انتقلت الجهود الدولية المتعلقة بغزة أو بغيرها من بؤر النزاع إلى مرحلة إعادة الإعمار أو التدبير الانتقالي، فإن هذا الرصيد يمنح المغرب موقعا يسمح له بالمساهمة في تصميم هذه المرحلة، سواء من خلال تقديم خبرته في العمل المؤسساتي، أو عبر الاضطلاع بأدوار إشرافية أو تنسيقية تحظى بقبول واسع. فالدور هنا لا يتعلق بالحلول الأمنية، بل ببناء شروط الاستقرار الاجتماعي والإداري، وهي المجالات التي تشكل جوهر مقاربات ما بعد النزاع.
من هذه الزاوية، يرتفع السقف الدبلوماسي للوساطة المغربية من مجرد خطاب أخلاقي إلى ممارسة ذات أثر، ومن حضور رمزي إلى وظيفة معترف بها داخل أطر دولية ناشئة. وهذا التحول يمنح المغرب قيمة إضافية في النظام الدولي، لأنه يجعله فاعلا يُطلب عند لحظات الانتقال الدقيقة، لا مجرد صوت يُستمع إليه عند لحظات التصعيد، وهو مكسب نوعي يعزز موقعه كدولة تسهم في إنتاج الاستقرار لا في إدارة الأزمات فقط.
أما المكسب الثالث، فيرتبط بقدرة المغرب على توظيف هذا الانخراط ضمن منطق ترابط الملفات داخل السياسة الدولية، وبصورة أدق داخل دوائر القرار في واشنطن. فالسياسة الخارجية الأمريكية لا تشتغل بمنطق المقايضة العلنية أو الربط المباشر بين القضايا، بل بمنطق أكثر تعقيدا يقوم على التراكم الصامت للثقة وبناء الصور الذهنية للدول داخل شبكات القرار. كلما ارتبط اسم دولة بالمساهمة في إنتاج الحلول والاستقرار، كلما تعزز موقعها التفاوضي، وأصبح من الصعب التعامل مع قضاياها الحيوية باعتبارها ملفات تقنية أو معزولة عن السياق العام لعلاقاتها الدولية.
في هذا الإطار، لا يمثل انخراط المغرب في مبادرة معنية بالسلام والاستقرار مكسبا رمزيا فحسب، بل يشكل رصيدا سياسيا قابلا للتوظيف على المدى المتوسط. فالدولة التي تنظر إليها داخل واشنطن باعتبارها جزءا من الحلول الدولية، لا يتعامل مع قضاياها الاستراتيجية بنفس المنطق الذي يتعامل به مع دول تصنف ضمن دوائر التوتر أو الغموض. بالنسبة للمغرب، يكتسي هذا المعطى أهمية خاصة في ما يتعلق بقضاياه السيادية، وفي مقدمتها قضية الصحراء، حيث يصبح رصيده كفاعل مسؤول ومساهم في الاستقرار عاملا غير معلن لكنه مؤثر في تشكيل المواقف، وفي توجيه النقاشات داخل مراكز القرار والتأثير.
هذا التوظيف لا يقوم على ربط مباشر أو مقايضة ظاهرة بين الملفات، بل على بناء صورة دولة يمكن الاعتماد عليها في لحظات الاختبار الدولي، وهي صورة تتراكم عبر الممارسة لا عبر الخطاب. فالمغرب، من خلال هذا الانخراط، يعزز سرديته كدولة لا تطالب فقط بدعم مواقفها، بل تساهم فعليا في تحمل أعباء النظام الدولي، ولو بوسائل ناعمة وهادئة. وهذه السردية بالذات هي التي تمنح المواقف المغربية وزنا إضافيا عند مناقشة قضاياه الاستراتيجية.
إلى جانب هذا البعد، يفتح الإطار الجديد آفاقا مستقبلية ذات بعد إفريقي لا يقل أهمية. فكون المغرب أول دولة إفريقية تنخرط في هذه المبادرة يرسخ موقعه كواجهة إفريقية موثوقة في المبادرات الدولية الكبرى، وكقناة ربط بين المقاربات الأمريكية وفضاءات الاستقرار داخل القارة. هذا الموقع لا ينبع من منطق الوصاية أو المنافسة، بل من تراكم تجربة مغربية في العمل الإفريقي، سواء على مستوى الأمن، أو التنمية، أو الدبلوماسية الدينية، وهي عناصر تحظى بتقدير متزايد داخل الدوائر الأمريكية المعنية بإفريقيا.
وفي حال توسع هذا الإطار مستقبلا ليشمل أزمات أو نزاعات إفريقية، سواء في منطقة الساحل أو في مناطق أخرى تعاني من هشاشة مؤسساتية، فإن المغرب سيكون مرشحا طبيعيا للاضطلاع بدور محوري، لا بحكم القوة أو النفوذ القسري، بل بحكم التجربة، والمصداقية، والقدرة على العمل ضمن مقاربات متعددة الأطراف دون إثارة حساسيات إقليمية حادة. هذا الدور المحتمل يعزز ريادة المغرب الإفريقية بشكل هادئ، ويمنحه هامشا أوسع للمبادرة، دون الدخول في صدام مباشر مع قوى إقليمية أخرى.
وبذلك، لا يقتصر المكسب الثالث على بعد واحد، بل يتوزع بين تعزيز شروط الترجيح في القضايا السيادية، وتكريس موقع المغرب كفاعل إفريقي دولي موثوق. وهو مكسب يتجلى أثره تدريجيا، لا عبر قرارات معلنة، بل عبر إعادة تموضع صامت داخل شبكات التأثير، حيث تُصاغ السياسات وتُحدد الأولويات بعيدا عن الأضواء.
وخلاصة القول، إن المكاسب الدبلوماسية المحتملة لانخراط المغرب في هذا الإطار الجديد لا تقاس بما قد يعلن عنه في المدى القريب، ولا بما قد يرافقه من مظاهر بروتوكولية، بل بما يتيحه من إعادة تموضع هادئة داخل منظومة دولية قيد التحول. فهي مكاسب موقع قبل أن تكون مكاسب قرار، ومكاسب نفوذ قبل أن تكون مكاسب امتياز، لأنها تقوم على تعميق الحضور المغربي داخل دوائر التفكير وصياغة المقاربات الأمريكية، وعلى تحويل رصيده الوسائطي من شرعية معنوية إلى وظيفة دبلوماسية عملية في مراحل ما بعد النزاع، وعلى توظيف هذا التراكم داخل منطق ترابط الملفات بما يعزز شروط الترجيح في القضايا الاستراتيجية للمملكة، وفي مقدمتها قضاياها السيادية.
ومن هذا المنظور، لا يراهن المغرب على نتائج فورية أو مكتسبات معلنة، بقدر ما يراهن على الحضور في لحظة صياغة القواعد، حيث تبنى الشرعية، وترسم الأدوار، وتحدد هوامش التأثير داخل نظام دولي متحول، تتراجع فيه فعالية الأدوات التقليدية لصالح أطر مرنة، لا يقاس فيها الوزن بالقوة، بل بالموثوقية، والاستمرارية، والقدرة على الإسهام الهادئ في إنتاج الاستقرار.
د. حكيم التوزاني / أستاذ القانون الدولي العام والعلوم السياسية جامعة ابن زهر بأكادير