حين يتحول التصريح إلى سلاح: لوثان والحرب الإعلامية على استضافة نهائي مونديال 2030

حين يتحول التصريح إلى سلاح: لوثان والحرب الإعلامية على استضافة نهائي مونديال 2030 رافاييل لوثان وفوزي لقجع

لم يكن تصريح رافاييل لوثان، رئيس الاتحاد الإسباني لكرة القدم، مجرد كلام عابر في حفل صحفي. بل كان رسالة مدروسة بدقة، وسهماً يُطلق في لحظة مُفترضة. حين اختار لوثان منصة حفل الصحافة الرياضية بمدريد ليعلن أن نهائي كأس العالم 2030 "سيقام في إسبانيا"، كان يعلم تماماً ما يفعل: يستغل حضور كل وسائل الإعلام الإسبانية لتمرير معلومة تتحول فوراً إلى "حقيقة مطلقة" في الوعي الجماهيري الإسباني، وإلى ضغط هائل على المغرب.

 

الأمر الأكثر فجاجة هو التوقيت. لم يكن اختيار هذه اللحظة بالذات عشوائياً. المغرب يمر بظرف استثنائي بعد الأحداث المؤسفة التي رافقت نهائي كأس أمم أفريقيا 2025، وهو ما تستغله الماكينة الإعلامية الإسبانية لتشويه صورة المغرب كمنظم موثوق للأحداث الرياضية الكبرى.

 

في هذا السياق بالذات، يأتي تصريح لوثان ليس كمعلومة إدارية، بل كضربة استباقية في حرب إعلامية محتدمة. في  رسالة و كأنه يقول فيها : "نحن الأحق و الأجدر على تحمل مسؤولية استضافة أهم مباراة في  البطولة”.

 

ما يجعل هذا التصريح خطيراً ليس مضمونه فقط، بل المنصة التي اختيرت له. حفل الصحافة الرياضية بمدريد ليس مجرد حدث إعلامي، إنه تجمع لأقوى وسائل الإعلام الإسبانية. وما إن يُلقى التصريح حتى تتحول الآلة الإعلامية إلى ماكينة دعائية ضخمة تكرر نفس السردية: "النهائي في إسبانيا، النهائي في إسبانيا".

 

ما تمارسه الماكينة الإعلامية الإسبانية له اسم علمي في سيكولوجية الإعلام: "تأثير الحقيقة الوهمية" (Illusory Truth Effect). هذه الظاهرة النفسية المدروسة تُثبت أن الناس يميلون إلى تصديق المعلومة كلما تكررت أمامهم، بغض النظر عن صحتها من عدمها. التكرار وحده كفيل بتحويل الكذبة إلى "حقيقة" في أذهان المتلقين.

 

وهذا بالضبط ما يحدث الآن. حين تكرر مئات المنصات الإعلامية الإسبانية نفس الرسالة - "النهائي سيكون في إسبانيا" - فإن الدماغ البشري يبدأ تدريجياً في معالجة هذه المعلومة على أنها واقع مسلّم به، وليس مجرد ادعاء أو رغبة.

 

هكذا تُصنع "الحقائق الوهمية": ليس بالأدلة والبراهين، بل بالتكرار والتضخيم الإعلامي. وحين يصل الأمر إلى هذه المرحلة، يصبح من الصعب جداً تفكيك هذا الوهم في أذهان الجمهور و حتى المنظمين، حتى لو واجهتهم بالحقائق الموضوعية.

 

الأخطر من ذلك هو تحويل هذا السرد إلى ضغط جماهيري وسياسي على الفيفا وعلى المغرب. حين يُقنع الإعلام الإسباني جماهيره بأن النهائي "حق إسباني"، فإن أي قرار آخر سيُنظر إليه على أنه "ظلم" و"سرقة". وهكذا، يتحول التصريح الإعلامي إلى ورقة ضغط سياسية ودبلوماسية.

 

المغرب، في هذه المعادلة، يُوضع في موقف دفاعي. بدلاً من أن يكون النقاش حول من الأحق بالاستضافة، يصبح النقاش حول "لماذا يريد المغرب سرقة النهائي من إسبانيا؟". وهذا بالضبط ما تهدف إليه الحرب الإعلامية: قلب الموازين وتشويه الحقائق.

 

إذا كان الإعلام الإسباني قد دخل المعركة بقوة، فإن الإعلام الرياضي المغربي مطالب اليوم - أكثر من أي وقت مضى - بأن يقوم بدوره. لا مجال للصمت، ولا مكان للتردد. المطلوب حملة إعلامية مضادة، منظمة، ومستمرة، تقوم على: 


- أولاً: تفنيد الادعاءات الإسبانية بالحجج والأرقام. المغرب قدّم ملفاً تنظيمياً قوياً، يملك بنية تحتية رياضية متطورة، ونجح في تنظيم أحداث دولية كبرى. هذه الحقائق يجب أن تُكرر وتُنشر بكثافة.


- ثانياً: مواجهة تأثير الحقيقة الوهمية بالسلاح نفسه: يجب أن تنطلق حملة مضادة تكرر الرسائل المغربية بنفس الكثافة: "المغرب شريك كامل، المغرب مؤهل تنظيمياً، القرار لم يُتخذ بعد، المعايير الموضوعية هي الفيصل". التكرار ليس سلاح الوهم وحده، بل يمكن استخدامه لصالح الحقيقة أيضاً.


- ثالثاً: تنظيم حملات رقمية واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، بلغات متعددة، لإيصال الرسالة المغربية إلى الرأي العام الدولي، وليس فقط المحلي.


- رابعاً: الضغط على الفيفا من خلال تذكيرها بمبادئ العدالة والشفافية، وبأن القرار يجب أن يُتخذ بناءً على معايير موضوعية، وليس على حملات إعلامية مسيّسة.

 

مونديال 2030 ملف مشترك، والنهائي ليس ملكاً لأحد بالتصريحات. إنه قرار يُتخذ بالمعايير، بالكفاءة، وبالعدالة. ودور الإعلام المغربي اليوم هو أن يضمن وصول هذه الحقيقة إلى كل مكان، وكسر دائرة الحقيقة الوهمية قبل أن تترسخ في الأذهان.

 

الصمت اليوم يعني التنازل غداً. والحياد الإعلامي في مواجهة حملة دعائية منظمة هو انتحار استراتيجي. حان وقت التحرك. حان وقت أن يرفع الإعلام المغربي صوته، ليس بالشعارات الفارغة، بل بالحجج الدامغة والحملات المنظمة التي تفكك الأوهام وتؤسس للحقائق.