عبد اللطيف قيلش: عالم جديد.. شرق أوسط جديد

عبد اللطيف قيلش: عالم جديد.. شرق أوسط جديد عبد اللطيف قيلش

تؤكد مجريات الأحداث أن تناول الظواهر والقضايا بمنطق عزلها عن بعض سيظل وهما بالنسبة لمن أسر نفسه في هذه المقاربة. الفكر المركب والفكر  النسقي منهجان في التحليل والفهم والتفسير ورؤيتان للمجتمع وللكون.

 

مسلسل تفكيك الشرق الأوسط انطلق منذ زمان. لم تكن اتفاقية كامب ديفد واتفاقية أوسلو والنسخة الأولى للشرق الأوسط الكبير  والنسخة المعدلة، التي استقرت على إدماج الحركة الإسلامية، بعد أن تضمنت النسخة الأولى المقاربة الاستئصالية، كل ذلك لم يكن إلاجزء من محطات في برنامج يتضمن ثلاثة مرتكزات.

 

يتعلق الأمر بمرتكز التطبيع ومرتكز التوجه النيوليبرالي اقتصاديا واجتماعيا ومرتكز عدم المس بمصالح الولايات المتحدة الأمريكية.

 

كل ماوقع منذ هجوم مايقرب من 35دولة على العراق  في انتهاك للسيادة وخرق سافر للقانون الدولي وقواعده وبروز مفهوم التدخل في السيادة بما فيه التدخل العسكري( تحت ذريعة la responsabilité de protéger)،إلى ماوقع في سوريا والإبادة الجماعية في غزة وصولا إلى الميثاق التأسيسي  لمجلس السلام ، الذي صاغه ترامب وصودق عليه في دافوس بسويسرا. تدل مختلف الأحداث أن نظام عالمي جديد في طور التشكل، وباتت بعض ملامحه واضحة، إسقاط مؤسسات دولية لتحل محلها مؤسسات جديدة.

 

شرق أوسط جديد يتم تجريده من مختلف أشكال المقاومة وتوضع ثرواته رهن إشارة ترامب، الذي يمثل عنوانا لشعبوية صاعدة يفاوض بمنطق الربح التجاري خارج القوانين ويقايض الدول الكبرى(روسيا-الصين ..) على الغنيمة والنفوذ. رغم تحركات أوروبا ومقاطعتها للقاء دافوس.ورفض التوقيع على الميثاق التأسيسي لمجلس السلام  ً (باستثناء المجر وبلغاريا)، فهي عاجزة عن التأثي في مجريات الأحداث.

 

إننا بصدد عالم جديد يعيد ترتيب مواقع الفاعلين، ويصوغ خريطة وتقسيما جديدا.

في هذا السياق يتعين استيعاب وإدراك طبيعة هذا الواقع بمستجداته وتعقيداته، وطرح الأسئلة اللازمة، التي تفرضها المرحلة، والنبش في تضاريس وأعماق السياسة والفكر لإيجاد سبل تخطي العوائق ومأزق الإنسانية.

 

إن العالم مقدم على أوضاع جديدة، في سياق اللايقين يظل المستقبل مجهولا من حيث النتائج والعواقب.
السياسة الدولية اليوم أضحت غير مؤطرة بالقوانين وبالأعراف، تبدو الأمور تتحرك بجنون وحماقات.


هناك خطاب يتحدث عن الفائض الجغرافي والفائض الديموغرافي، وهو ما يوحي بإزالة جغرافيات، وهذا يعني الدخول إلى زمن همجية جديدة تطرح أسئلة الوجود  والبقاء.


لاينبغي التقليل من تنامي خطاب الكراهية والعنصرية، وتنامي الصعود الشعبوي واليمين المتطرف.فالمؤشرات الانتخابية دالة على وجود رأي مؤثر في القرارات الدولية، وصناعة السياسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، له أدواته وأصواته في البرلمانات،وآلته الإعلامية. إنها مرحلة دقيقة يمر منها العالم، وليس هناك بديل.فإما طريق الديموقراطية والحرية والحقوق الإنسانية والعدالة الاجتماعية، أو طريق الهمجية والاستبداد وانتهاك السيادات والحروب، وهو ما يعني فاشية جديدة، هدفها تدمير كل شيء.

 

 

عبد اللطيف قيلش/ دكتور في القانون العام والعلوم السياسية