عبد الرفيع حمضي
بين يوم 18 يناير، تاريخ نهائي القمة الإفريقية في كرة القدم، ويوم 26 منه، موعد انعقاد اللجنة الثنائية المغربية–السنغالية، مسافة رمزية كثيفة بالدلالة. في الاول، احتكاك رياضي مشحون بانفعال اللحظة، تحكمه قواعد اللعب ومنطق الفوز والخسارة. وفي الثاني، قمة سياسية هادئة، تدار بلغة الدولة، وبمنطق الاستمرارية والمسؤولية التاريخية. كاننا، في بضعة ايام فقط، انتقلنا من مجال الى مجال، ومن لغة الى لغة، ومن منطق الى منطق.
هذا الانتقال السلس لا يعكس مجرد تتابع في الاحداث، بل يكشف عن خصوصية العلاقة المغربية–السنغالية. علاقة تعرف كيف تفصل بين المجالات دون ان تقطع بينها، كيف تضع لكل فضاء منطقه، ولكل لحظة لغتها. فالرياضة رياضة، والسياسة سياسة، لكن ما يجمع البلدين اعمق من ذلك: تاريخ طويل، وروابط دينية وروحية، وراسمال ثقة تراكم عبر الزمن.
في السياق الافريقي، لا تبنى العلاقات فقط عبر الاتفاقيات والمؤسسات، بل عبر الذاكرة المشتركة. والمغرب والسنغال ينتميان الى هذا النوع من العلاقات التي تشكلت قبل الدولة الحديثة، واستمرت بعدها، وتكيفت مع تحولات العالم دون ان تفقد جوهرها. لعب التدين الصوفي دورا مركزيا في نسج هذا القرب الروحي، وجعل العلاقة بين المجتمعين علاقة معرفة متبادلة، لا مجرد معرفة رسمية او ظرفية.
من هنا، بدا الجدل الذي رافق نهائي كاس افريقيا للامم خارج سياقه الحقيقي. اخطاء فردية، مرفوضة قانونا واخلاقيا، لا شك في ذلك، لكنها غير قادرة على ارباك علاقة بنيت عبر قرون. والحال ان منطق الدولة، والتاريخ، والجغرافيا السياسية، يقول شيئا اخر: العلاقات العميقة لا تقاس بدرجة حرارة حدث عابر، بل بقدرتها على امتصاصه وتجاوزه.
في افريقيا اليوم، كثيرا ما تستدعى الرياضة لاداء ادوار لا تنتمي اليها. تحمل اسئلة الهوية، والزعامة، والشرعية، واحيانا حسابات جيوسياسية لا علاقة لها باللعبة نفسها. الخطر هنا لا يكمن في الرياضة، بل في توظيفها خارج منطقها، خاصة حين تحاول بعض الاطراف استثمار الانفعال الجماهيري للتشويش على علاقات افريقية–افريقية مستقرة، او لاضعاف نماذج تعاون قائمة على الثقة المتبادلة.
في مثل هذه اللحظات، تقاس الدول بقياداتها، لا بما يقوله الشارع، بل بكيفية ادارة الشارع. الرسائل الصادرة عن اعلى مستوى في البلدين لم تكن مجرد تهدئة ظرفية، بل تاكيدا واعيا على التمييز بين الخطا الفردي والعلاقة بين الشعوب، وبين الانفعال الرياضي ومنطق الدولة. هذا السلوك السياسي يعكس فهما عميقا لطبيعة العلاقة.
وفي هذا السياق، تحضر حكاية شخصية قديمة، لكنها كاشفة، سبق ان حكيتها. في مطلع الالفية، رافقت وزيرة مغربية في زيارة رسمية الى السنغال. ووفق الاعراف البروتوكولية، وجهت هدية رمزية الى فخامة الرئيس السنغالي انذاك، عبد الله واد، وهي عبارة عن بابور زجاجي لاعداد الشاي المغربي. غير ان الهدية تكسرت اثناء نقلها الى الديوان الرئاسي، دون علمنا بالامر.
عند نهاية الاستقبال بالقصر الرئاسي، واثناء توديع الوزيرة، ابتسم الرئيس وقال لها ببساطة ابوّية: “بنتي، هديتك جميلة لكنها تكسرت”. لا عتاب، لا احراج، لا تشبث بالشكليات. فقط لغة انسانية صافية، تتجاوز البروتوكول الى جوهر العلاقة. ان يخاطب رئيس دولة مسؤولة مغربية بعبارة “بنتي”، فذلك ليس تفصيلا عرضيا، بل تعبير عن ثقافة سياسية ترى في العلاقة مع المغرب علاقة قرب، لا علاقة مسافة.
هذه الحكاية تختصر الكثير مما لا تقوله البيانات الرسمية. انها تذكير بان العلاقات التي تبنى على الانسان، وعلى الثقة، وعلى المعرفة المتبادلة، لا تربكها لحظة انفعال، ولا تفسدها مباراة.
في النهاية، ليست القيمة في طي صفحة توتر عابر، بل في فهم سبب طيها بهذه السلاسة. فالعلاقة المغربية–السنغالية ليست علاقة ظرف، بل علاقة زمن طويل، تشكلت عند تقاطع الدين والتاريخ والسياسة. وما وقع يذكر بان الحدث لا يملك سلطة على العمق . وحين تكون الحكمة السياسية حاضرة، يعود كل شيء الى مكانه الطبيعي: الرياضة في ملعبها، والسياسة في مؤسساتها، والروابط العميقة في مقامها الذي لا تعبث به العواصف.