بنسعيد الركيبي
من بين الأسباب التي كان يُروَّج لها خلال السنوات الماضية لتبرير موجة الغلاء التي طالت عدداً من المواد الاستهلاكية، توالي سنوات الجفاف. غير أنه، وعلى الرغم من التساقطات المطرية القوية التي شهدتها البلاد خلال الفترة الأخيرة، ما تزال أسعار عدد من المواد، وعلى رأسها الخضر والفواكه، مرتفعة، في وقت يزداد فيه الطلب مع اقتراب شهر رمضان.
بنسعيد الركيبي فاعل مدني، أكد أنه رغم الأمطار التي أعادت للمغاربة بعضا من طمأنينة التي فقدوها طيلة سبع سنوات من الجفاف، ظل الإحساس العام بالغلاء حاضرا بقوة في تفاصيل العيش اليومي".
وقال في تصريح ل "أنفاس " : "السوق واصل مساره بعيدا عن هذا التحول المناخي. وكأن دورة الاقتصاد لا تعترف بدورة الطبيعة. ذلك أن المواطن الذي انتظر أن يترجم المطر إلى انفراج في الأسعار، وجد نفسه أمام واقع مغاير مع اقتراب شهر رمضان، حيث تتحول المائدة إلى مرآة صادقة للاختلالات العميقة".
وشدد في سياق حديثه عن مفارقة غلاء بعض المواد الغذائية الأساسية، مؤكدا أن التراجع الملموس في أسعار زيت الزيتون شكل استثناء لافتا، لكنه لم يتحول، حسب رأيه، إلى قاعدة تطمئن الأسر".
واستدل محدثنا بأسعار الخضر التي واصلت ارتفاعها، وأصبحت اللحوم عبئا متزايدا على موائد الأسر، كما أن السردين فقد رمزيته كغذاء شعبي في متناول الجميع، ليتحول إلى مؤشر صارخ على خلل التسعير ومسالك التوزيع.
وأكد أن هذا الوضع يعيد طرح سؤال جوهري حول من يستفيد فعليا من تحسن الإنتاج، وحول المسافة التي تفصل بين المنتج والمستهلك، وهي مسافة تتضخم بفعل الوسطاء والمضاربة وغياب الصرامة في المراقبة والصمت الحكومي.
واعتبر الغلاء الذي تكتوي بناره فئات عريضة من المواطن، "لا يرتبط بعوامل ظرفيه، بقدر ما يعكس اختلالا بنيويا في تدبير السوق".
وقال : "حين تتحسن الظروف الطبيعية دون أن يلمس المواطن أثرا مباشرا في الأسعار، يصبح المشكل أعمق من الجفاف ومن التساقطات. وعندها يتأكد لنا أن الإشكال يكمن في الحكامة الاقتصادية، وفي قدرة السياسات العمومية على كبح التسيب، وضبط توازن دقيق بين حرية السوق وحماية القدرة الشرائية للمواطن".
وانتقد الركيبي بشدة "الخطاب المطمئن" على اعتبار أنه "يفقد أثره وتتآكل الثقة فيه، عندما يصطدم بواقع الأسواق، وحين تتكرر الفجوة بين الأرقام الرسمية وتجربة الناس اليومية.
ومع حلول شهر رمضان، يتضاعف الإحساس لدى الأسر بالقلق المرتبط بكلفة القفة، ويضغط على الطبقة المتوسطة والفئات الهشة دون تمييز". ويبقى السؤال معلقا حول "جدية وعود الحكومة وحول جدوى التدخلات الظرفية التي لا تعالج جذور المشكل" وفق تصريحه.
وأضاف بنسعيد الركيبي على أن "العدالة السعرية في أسواقنا، تحتاج إلى إرادة سياسية واضحة، وإلى إصلاح عميق لسلاسل الإنتاج والتوزيع، وإلى رقابة حقيقية تعيد للسوق توازنه وللمواطن شعوره، بأن الخيرات التي تنزل من السماء تصل فعلا إلى مائدته. ودون هذا التحول، سيظل المطر حدثا طبيعيا مفرحا، بينما يبقى الغلاء واقعا يوميا يثقل كاهل المغاربة ويؤجل مرة أخرى موعد الانفراج المنتظر".