سعيد عاتيق: حين تنذر العشوائيات المسؤولين قبل فوات الأوان

سعيد عاتيق: حين تنذر العشوائيات المسؤولين قبل فوات الأوان سعيد عاتيق

لم تصمد البيوت العشوائية بدوار بوسلهام، التابع لجماعة الهراويين، أمام التساقطات المطرية القوية التي عرفتها المنطقة خلال الأسابيع الأخيرة. بيوت هشة، بلا أسس ولا حماية، أبت الطبيعة إلا أن تكشف عُريها، فانهار بعضها، وتداعى بعضها الآخر، مهددًا أرواح أسر فقيرة ومهمشة لم تختر هذا المصير، لكنها أُجبرت عليه.
مشهد الانهيارات لم يكن مجرد حادث عرضي، بل إنذارا حقيقيا يختصر سنوات من التهميش والتغاضي، ولسان الحال يقول بمرارة:
ذنوبكم على مسؤوليكم.
في الوقت الذي تشهد فيه مدن وأقاليم مغربية عدة تنزيل برامج "مدن بدون صفيح" وتحقق تقدما ملموسا في محاربة السكن غير اللائق، ما تزال تجمعات عشوائية تجثم على تراب الهراويين وإقليم مديونة عموما، في مفارقة صارخة لا يمكن تبريرها ولا القفز عليها.
الأكثر إيلاما في هذه الصورة القاتمة، أن إقليم مديونة يعرف منذ سنوات دينامية عمرانية متسارعة، ويحتضن مشاريع كبرى لإعادة الإيواء، استقبلت مرحلين من مختلف أحياء الدار البيضاء، ووفرت لهم سكنًا لائقا وبعض من البنية الأساسية الحديثة.
غير أن أبناء المنطقة الأصليين، ولاد الدواوير، عائلات الهراويين، ظلوا خارج الحسابات، عالقين في هامش المجال والسياسات العمومية، يتجرعون الإقصاء في صمت ثقيل.
كيف يعقل أن تبنى مدن جديدة على تراب الإقليم، وتنجز مشاريع إسمنتية ضخمة لفائدة الوافدين، بينما يظل السكان الأصليون محشورين في تجمعات تفتقر لأبسط شروط الكرامة الإنسانية؟
كيف يقبل أن تعيش عائلات كاملة في مساكن تتقاسمها مع البهائم والكلاب، وسط الأوساخ والروائح الكريهة، دون ماء لائق أو صرف صحي أو إحساس بالأمان؟
لقد تكيف هؤلاء مع القهر اليومي.
تعايشوا مع الحرائق، ومع نهيق الحمير، ومع لسعات الحشرات، ومع الإهمال الممنهج.
تأقلموا قسرا، ولسان حالهم يردد:
“ما عند الميت ما يقول قداااام غسّالو.”
لكن حين يصل الأمر إلى انهيار البيوت فوق رؤوس ساكنيها، فإن الصمت يتحول إلى تواطؤ، والتأجيل إلى جريمة اجتماعية كاملة الأركان. فالسكن غير اللائق لم يعد مجرد صورة من صور الفقر، بل أصبح خطرا داهما يهدد الحق في الحياة قبل الحق في السكن.
إن ما يقع بدواوير عدة من انهيارات وتداعيات الأكواخ الفقيرة ليس حالة معزولة، بل نتيجة مباشرة لسياسات انتقائية في التعاطي مع المجال، تغدق على بعض الفئات وتقصي أخرى، وتنتصر للعمران الإسمنتي على حساب الإنسان.
وأمام هذا الواقع البئيس، فإن المطلب واضح ولا يحتمل التأويل:
الكشط الشامل للعشوائيات بتراب الهراويين وإقليم مديونة، وإدماج الساكنة الأصلية في برامج السكن اللائق، وفق مقاربة عادلة ومنصفة، تنسجم مع المخططات الوطنية، وتضع كرامة المواطن في صلب السياسات العمومية.
المغرب يعرف تحولات كبرى وقفزات نوعية في عدة مجالات،
فلا تقفزوا على حقوق المستضعفين.
لا يعقل أن تبقى العشوائيات مكتظة ببني البشر، بين الدار البيضاء، وعلى تخوم الطريق السيار، وبالقرب من ما يسوّق له كـ"مدينة المستقبل" في اتجاه مديونة.
إنها، بكل بساطة، قسمة ضيزى..

 

سعيد عاتيق/ مستشار جماعي بجماعة الهراويين