عبد الرحيم أريري رفقة بائع بالسوق البلدي بمدينة ساوباولو
هي ثلاثة أسباب جعلتني أتوجه إلى أشهر سوق بلدي بمدينة "ساوباولو" المعروف باسم "Le mercadáo".
السبب الأول: للوقوف على الكيفية التي يتم بواسطتها تدبير تموين ميتروبول برازيلي ضخم من حجم "ساوباولو" بالخضر والفواكه. إذ ليس سهلا تموين 12 مليون نسمة( تقطن بالمدينة) و22 مليون نسمة ( سكان الميتروبول) كل يوم. علما أن البرازيل تصنف ثالث دولة في العالم من حيث ضخامة المؤسسة المكلفة بالتموين، في شخص شركة CEAGESP (وهي مقاولة عمومية أحدثث عام 1969 مكلفة بتخزين الخضر والفواكه وإدارة أسواق الجملة).
وحسبي الإشارة إلى أن فرع هذه المقاولة "بساوباولو"، تحج إليه كل أسبوع 76 ألف شاحنة لتزويد سكان الميتروبول بما يلزمهم من خضر وفواكه، أي بمعدل 10.857شاحنة كل يوم. وهذا ما يبين ضخامة مايروج، لدرجة أنه لو قمنا بجمع هذه الشاحنات في صف واحد، لحصلنا على مسافة بطول 921.000 ميتر، أي 921 كيلومتر، وهو مايعادل المسافة بين الدارالبيضاء وطرفاية.
السبب الثاني: الذي قادني لزيارة السوق يرتبط بالرغبة في اكتشاف سر جاذبية هذا السوق البلدي المعروف. فمدينة "ساوباولو" تعج بالأسواق والمحلات والمراكز التجارية، ولكن وحده سوق Le mercadáo تحول إلى موقع جذب سياحي مشهور تتوافد عليه كل يوم قوافل السياح ( سواء السياح البرازيليون أو الأجانب). ذلك أن بلدية "ساوباولو" لما قررت عام 1930 بناء هذا السوق، كان سقف منتخبيها آنذاك توفير فضاء تمويني لسكان الأحياء المجاورة للتبضع من ما يحتاجونه من خضر وفواكه ولحوم وأجبان، ولم يكن يحضر حينها أي هاجس سياحي. لكن الشكل الهندسي الجميل والبهي الذي اعتمده المهندس Francisco de Paula Ramos de Azevedo، أعطى للبناية شكلا خاصا يوحي للمرء وكأنه يلج محطة قطار باذخة، وهو ما منح لهذا المرفق التجاري هوية بصرية لافتة، تحول معها السوق البلدي الممتد على مساحة هكتارين، إلى مزار سياحي يذوب فيه السياح كل يوم مع 1500 فرد يعملون في 300 محل تجاري بهذا السوق.
السبب الثالث: هو سبب شخصي، بحيث تزامنت زيارتي للعاصمة الاقتصادية للبرازيل مع موسم الصيف (الصيف الاستوائي يدوم من شهر دجنبر إلى مارس)، وهي مناسبة دفعتني لاكتشاف ما تنتجه حقول وغابات البرازيل.
ورغم توفر 300 فاكهة تنتجها البرازيل، وبحكم أصولي البدوية، فقد فضلت "الكرموس الهندي" على ما تعرضه المحلات من فواكه عديدة أخرى، بمبرر بسيط: ألا وهو "الانتقام" من غلاء "الكرموس الهندي" بالمغرب. فالكيلو الواحد من "الكرموس الهندي" يباع في متاجر ساوباولو بثمن 15 ريال برازيلي(حوالي 25 درهم مغربي)، في حين يباع الكيلو الواحد في المغرب حاليا بخمسة أضعاف تقريبا. مثلا، في سوق بورغون بالدارالبيضاء يباع الكيلو الواحد بثمن 130 درهم، وفي سوق درب غلف يباع "الكرموس الهندي" بثمن 120 درهم للكيلو، وفي حي ألماز يباع الكيلو بسعر 100 درهم !
البائع البرازيلي لما علم أني أجنبي قادم من المغرب، حرص على أن يختار لي "حبات" من "الكرموس الهندي" ذات حجم كبير، كل واحدة تزن تقريبا 200 غراما، لدرجة أني "شحطت" ربع صندوق تقريبا، لكن البائع الشاب تشبت بأن لا يأخذ سوى 5 ريالات برازيلية كثمن رمزي، والأجمل أنه حرص على أن أتذوق من كل صنف من الفواكه الصيفية المعروضة كعربون مودة من تاجر برازيلي نحو زائر مغربي.