منير الراجي: دروس الكان... نحتاج إلى صحافة شابة ونزيهة

منير الراجي: دروس الكان... نحتاج إلى صحافة شابة ونزيهة منير الراجي

بعد مرور أسبوع على العرس الكروي الذي نظمته بلادنا (الكان)، أو ذلك النهائي المشؤوم الذي أسالَ الكثير من الحبر، ولا يزال النقاش حوله عبر المنصات ووسائل التواصل الاجتماعي يستأثر بحيز كبير؛ الأمر الذي دفع العديد من المهتمين وغير المهتمين إلى الإدلاء بدلوهم، فمنهم من أصاب ومنهم من أخطأ. لكن الغريب في الأمر أن هذا التفاعل لم يقتصر على المختصين بالشأن الرياضي فحسب، بل شمل أساتذة جامعيين وباحثين، كل حسب تخصصه وقراءته المختلفة.

إلا أن ما يثير القلق هو ذلك الجانب الذي أجّج الوضع برسائل تحمل الحقد والكراهية تجاه الأفارقة؛ وهو طرح لا أتبناه ولا أتفق معه على الإطلاق، فالمغرب ظل عبر التاريخ ولا يزال مجالاً خصباً ومرحباً بالجميع، بغض النظر عن الاختلاف الديني أو العرقي.

إن هوية المغرب الإفريقية المتجذرة تفرض علينا خطاباً إعلامياً يتسم بالرقي والمسؤولية، بعيداً عن الانزلاقات التي لا تخدم إلا أجندات المتربصين بنا، وتضرب في عمق مجهوداتنا لتعزيز الروابط القارية.

في الآن ذاته، أعاد هذا النقاش إلى الواجهة سؤالاً جوهرياً: هل ما حدث هو نتاج صحافتنا الضعيفة غير القادرة على الدفاع عن المنجزات والتقدم الذي يشهده المغرب؟

إننا أمام مغرب جديد، برؤية ملكية مستنيرة قادرة على تخطي الصعاب، لكن هل ستستمر المؤسسة الملكية في الدفاع والعمل بمفردها؟ أين هي الدبلوماسية الموازية التي يجب أن تلعبها الصحافة؟ فبينما تبني الدبلوماسية الرسمية الجسور، يجب على الإعلام أن يكون الحارس الأمين لهذه الجسور والمروج الذكي لصورة المملكة كقوة ناعمة في المنطقة.

المغرب اليوم، وفي ظل إنجازاته الكبرى، لم يعد بحاجة إلى مجرد نقل للخبر، بل أصبح في أمسّ الحاجة إلى استراتيجية وطنية متكاملة لصناعة المحتوى الرقمي؛ صناعة تتجاوز منطق (رد الفعل) لتصنع (الفعل)، وتنتقل من الدفاع التقليدي إلى الهجوم الناعم.

 نعم معركتنا اليوم هي معركة صورة وتأثير، وهذا يتطلب استثمار الطاقات الشابة التي تتقن لغة العصر، ليس لمخاطبة أنفسنا فحسب، بل لاختراق الوعي العالمي وتسويق المنجز المغربي بذكاء واحترافية.

هذا بالفعل ما يجعلنا نسلّم بالأطروحة القائلة بأن الجسم الصحافي بالمغرب أصابه الشلل ولم يعد قادراً على الحركة، وهذا المرض العضال ليس وليد اللحظة بل هو نتاج سنوات من السقوط، حتى اختلطت علينا المفاهيم وصار 'المؤثر' الذي يبحث عن 'البوز' يزاحم الصحفي الأكاديمي الرصين؛ وهذا الخلط هو الذي جعل خطابنا يسقط في فخ الارتجالية، حيث قُدمت المصالح الضيقة على حساب المصلحة العليا للوطن. ألم يحن الوقت لمراجعة قوانين الصحافة وتطهير الحقل من 'الطفيليات' التي تقتات على الأزمات؟

لقد أفسدنا العرس الكروي قبل بدايته بتصريحات مشحونة من صحفيين هاوين ومؤثرين لا يعون خطورة الكلمة، مما جعلنا في قفص الاتهام بـ'الكولسة' حتى قبل صافرة البداية.

إن موازين القوى في العالم تتغير وتعتمد على المحتوى والصحافة الحرة النزيهة، لكن صحافتنا الداخلية لا تزال تراوح مكانها؛ فهل هذا بفعل فاعل، أم أننا لم نستوعب بعد أن الكلمة اليوم هي سلاح لا يقل أهمية عن الاقتصاد والسياسة؟. 

منير الراجي، باحث في القضايا المعاصرة