المخرج والكاتب عز العرب العلوي مع غلاف روايته "في انتظار ابن رشد"
يعرض المخرج والكاتب المغربي، في هذا المقال، مُلخصا تفصيليا عن أحداث ومجريات روايته الصادرة مؤخرا، والتي اختار لها عنوانا دالا: "في انتظار ابن رشد". واسمًا إياها بـ "فانتازيا تاريخية". معتبرا إياها بأنها رواية بصرية ذات حمولة فلسفية، تنسج جسرا بين زمن الفيلسوف ابن رشد وزمننا المعاصر. فيما يلي نص المقال:
"في انتظار ابن رشد" رواية بصرية فانتازيا تاريخية - فلسفية تنسج جسرًا بين زمن ابن رشد وزمننا المعاصر، وتُجسّد فكرة الانتظار بوصفه حالة حضارية قبل أن يكون زمنًا سرديًا: انتظار العقل، انتظار التأويل، انتظار عودة السؤال الفلسفي إلى مركز العالم.
الرواية لا تنطلق من الماضي، بل من حاضر مأزوم، عالم يضجّ بالضجيج ويعاني فقر المعنى. شخصيات معاصرة، مثقفون، باحثون، وأفراد عاديون، يجدون أنفسهم - كلّ بطريقته- في حالة انتظار غامضة، انتظار شيء لا يُسمّى مباشرة، لكنه يُحسّ في الفراغ، في الأسئلة المؤجّلة، وفي الخوف من التفكير الحر.
شيئًا فشيئًا، يتكشّف أن هذا الانتظار ليس زمنيًا، بل حضاريًا. انتظار عودة العقل النقدي، انتظار ابن رشد لا كشخص تاريخي، بل كفكرة طُمرت ولم تُهزم.
"في انتظار ابن رشد" رواية فكرية - تشويقية، تتخذ من الحاضر الأوروبي المضطرب مسرحًا، ومن التاريخ الفلسفي العربي مادةً حيةً للصدام، لتنسج حكايةً تتقاطع فيها السياسة، والذاكرة، والهوية، والسؤال المؤجل حول العقل والحرية.
تنطلق الرواية من إيطاليا المعاصرة، حيث يجد محمود، شاب عربي يعيش اغترابًا وجوديًا وفكريًا، نفسه في قلب شبكة معقّدة من الأحداث الغامضة: تفجيرات تستهدف رموزًا ثقافية كبرى، ملاحقات أمنية، تنظيمات خفية تحرّك المشهد من وراء الستار، وصراع أيديولوجي يتخفّى خلف واجهة السياسة والإعلام. في هذا السياق، يبرز اسم ماريو بينيتي، السياسي الصاعد والمرشح للرئاسة، بوصفه شخصية محورية تجمع بين الخطاب الشعبوي والسلطة الناعمة، بينما تتكشّف تدريجيًا علاقته بتنظيم فكري متطرف يعادي كل ما يمتّ بصلةً إلى الإرث العقلاني العربي، وعلى رأسه فكر ابن رشد.
وسط هذا التوتر، يتحول محمود من شاهد مرتبك إلى فاعل مهدَّد. اتهام ثقيل بتفجير قاعة جدارية رافاييل الشهيرة في الفاتيكان يضعه في مواجهة مباشرة مع آلة العدالة والإعلام، ويجعل حياته الشخصية -بما تحمله من جراح عائلية وأسئلة هوية- على المحك. وهنا، لا تتعامل الرواية مع "الجريمة" بوصفها حدثًا بوليسيًا فقط، بل كمدخل لسؤال أعمق: من يملك الحق في كتابة التاريخ؟ ومن يحدد أي فكر يُمحى وأي فكر يُخلَّد؟
تتسع الدائرة السردية مع دخول شخصيات نسائية مؤثرة مثل فرانشيسكا وباميلا، اللتين تحملان ذاكرة الفقد والانكسار، وتربطان الخاص بالكوني: من انفجار مرفأ بيروت إلى صدمات شخصية لا تزال تتردد في الجسد والروح. هذه الشخصيات لا تُستعمل كزينة درامية، بل كأصوات موازية تفضح هشاشة الإنسان المعاصر أمام عنف العالم، وتمنح السرد بعدًا إنسانيًا عميقًا.
المنعطف الحاسم في الرواية يتمثل في انتقالها من التحقيق السياسي إلى الفنتازيا التاريخية: عبر مخطوطات، لوحات فنية، وسجادة غامضة، ينفتح السرد على السفر عبر الزمن، ليجد محمود نفسه في تماس مباشر مع القرن الثاني عشر، ومع اللحظة التاريخية التي عاش فيها ابن رشد مستشارًا وطبيبًا في بلاط الموحدين. هذا العبور الزمني ليس حيلة سردية، بل قلب الرواية الفلسفي: إذ تتقاطع مطاردة محمود في الحاضر مع مطاردة الفكر الرشدي في الماضي، وكأن التاريخ يعيد تمثيل جرحه ذاته بأدوات جديدة.
يظهر ابن رشد في الرواية لا كشخصية تاريخية جامدة، بل كرمز حيّ: للعقل المحاصر، وللحقيقة التي تُشوَّه ثم تعود. الصراع بينه وبين خصومه، الذي جسدته أوروبا في لوحات ومناظرات وقرون من التحريف، يُعاد قراءته هنا من زاوية معاصرة، تكشف كيف أن معارك اليوم ضد "الآخر" ليست سوى صدى لمعركة قديمة لم تُحسم بعد.
في قلب رواية "في انتظار ابن رشد" ينبض صراع قديم متجدد، صراع لا يدور بين أشخاص بقدر ما يدور بين رؤيتين للعالم: رؤية تؤمن بالعقل بوصفه أفقًا للتحرر والمعرفة، وأخرى ترى فيه خطرًا يجب تطويقه أو تدجينه. تستعيد الرواية هذا الصراع عبر المواجهة غير المباشرة بين الفكر الرشدي، كما تشكّل في القرن الثاني عشر، وبين الامتداد التاريخي لمدرسة طوما الأكويني، التي استفادت من شروح ابن رشد وأسهمت في بناء اللاهوت المسيحي الوسيط، ثم عملت، في مفارقة تاريخية صارخة، على إقصائه رمزيًا وتشويه صورته داخل الذاكرة الأوروبية.
لا تقدّم الرواية هذا الإقصاء بوصفه واقعة منتهية، بل باعتباره مسارًا متواصلًا من طمس الفضل العربي في تشكيل الحضارة الغربية. فابن رشد، الذي كان أحد الجسور الأساسية لعبور الفلسفة اليونانية إلى أوروبا، تحوّل في اللوحات والكتب والمناظرات إلى خصم مهزوم، ملقى تحت أقدام القديس طوما الاكويني، في إعادة كتابة واعية للتاريخ تُنكر الأصل وتحتفظ بالثمرة. ومن هنا تنبع راهنية النص: إذ تكشف الرواية كيف أن الخوف المعاصر من الفكر العربي والإسلامي ليس سوى امتداد لذلك الخوف القديم من العقل حين يكون حرًا، ناقدًا، وعابرًا للحدود الدينية والسياسية.
يتخذ هذا الصراع بعده الدرامي من خلال تنقل الرواية بين فضاءات متعددة، تتحول فيها الجغرافيا إلى لغة موازية للسرد. في إيطاليا المعاصرة، حيث الجامعات والفاتيكان والإعلام، يظهر الصراع في شكله الحديث: ملاحقات، اتهامات، تنظيمات خفية، وخطاب سياسي شعبوي يعيد إنتاج العداء للفكر المختلف تحت غطاء الأمن والهوية. في الأندلس، تستعيد الذاكرة المكسورة، المكان الذي عبر منه العقل العربي إلى أوروبا، قبل أن يُمحى اسمه من السردية الرسمية. أما مراكش، فتعود في الرواية بوصفها الجذر والامتداد، المدينة التي لا يُستحضر فيها ابن رشد كأيقونة تاريخية، بل كجزء من نسيج حيّ، وكفكرة لا تزال قادرة على مساءلة الحاضر.
يتوازى هذا التعدد المكاني مع بنية زمنية مركبة، تجعل الرواية تتحرك بين القرن الحادي والعشرين، حيث يُحاصر الفكر باسم الحداثة، والقرن الخامس عشر، زمن محو الذاكرة الأندلسية وإعادة ترتيب التاريخ الأوروبي، والقرن الثاني عشر، حيث بدأ الجرح الأول، لحظة الصدام بين الفلسفة والسلطة. هذا التداخل الزمني لا يسعى إلى الإبهار، بل إلى الإيحاء بأن ما نعيشه اليوم ليس إلا إعادة تمثيل لصراع قديم، تتغير فيه الوجوه وتبقى البنية واحدة.
تنتهي الرواية دون إغلاق نهائي، في انسجام واعٍ مع فلسفتها: الدوائر لا تنغلق، والحقيقة لا تموت، بل تنتظر من يعيد اكتشافها. "في انتظار ابن رشد" ليست رواية أجوبة، بل رواية أسئلة مؤجلة، تُحمِّل القارئ مسؤولية التفكير، وتدعوه إلى إعادة النظر في المسلّمات التي تحكم علاقته بالتاريخ والهوية والغرب.
تكتسب "في انتظار ابن رشد" راهنيتها من قدرتها على تفكيك خطاب الخوف من العرب والمسلمين داخل السياق الأوروبي، وربطه بجذوره الفكرية والتاريخية، دون خطاب مباشر أو شعاراتي. إنها رواية عن تشويه الذاكرة، وعن تحوّل الصراع الفكري إلى عنف رمزي ومادي، في زمن يتصاعد فيه التطرف، ويُعاد فيه إنتاج ثنائية "نحن/هم" بأشكال جديدة. لذلك فهي عمل موجَّه إلى قارئ معاصر، قارئ قلق، يسائل التاريخ ولا يطمئن إلى الرواية الرسمية. إنها رواية تضع ابن رشد في قلب الحاضر، وتطرح سؤالها الجوهري:
هل انتهت معركة العقل… أم أننا ما زلنا نعيشها بأقنعة جديدة؟
بهذا المعنى، لا تروي "في انتظار ابن رشد" سيرة فيلسوف، ولا تكتب رواية تاريخية بالمعنى التقليدي، بل تقيم محاكمة سردية لذاكرة حضارية كاملة. إنها رواية عن عقل أُقصي ثم عاد في هيئة سؤال، وعن تاريخ كُتب من طرف واحد، وعن حاضر مأزوم لا يستطيع فهم نفسه دون مواجهة ما حاول نسيانه. وفي هذا كله، يبرز الأسلوب -بوصفه جزءًا من خلفية المؤلف عزالعرب العلوي كسيناريست وكمخرج- كتابة نثرية مشبعة بالعين السينمائية، انتقالات تشبه المونتاج السينمائي بين الأزمنة والأمكنة، وحوار مقتصد وعميق، يجعل النص معبرًا بين الرواية والسيناريو، تمامًا كما كان ابن رشد نفسه معبرًا بين حضارتين.
هذه الرواية لا تُقرأ فقط، بل تُرى. وهي بذلك تقترح شكلًا سرديًا جديدًا في الرواية العربية، يجاور السينما دون أن يفقد عمقه الأدبي، ويمنح القارئ تجربة حسية وفكرية في آن واحد.