هل يتعارض مشروع القانون 66.23 مع المعايير الدولية لإستقلال المحاماة ؟.. العميد يوسف البحيري يجيب

هل يتعارض مشروع القانون 66.23 مع المعايير الدولية لإستقلال المحاماة ؟.. العميد يوسف البحيري يجيب العميد والفقيه يوسف البحيري أستاذ القانون الدولي بكلية الحقوق بجامعة القاضي عياض بمراكش

تعرف الساحة الوطنية خوض جمعية هيئات المحامين بالمغرب اضرابا وطنيا شاملا ابتداء من يوم الاثنين  26 يناير  2026  يمتد لمدة أسبوع،  احتجاجا على مشروع القانون رقم 66.23 المنظم لمهنة المحاماة المقترح من طرف وزير العدل، ورفضها المطلق لمساس مبادئ حماية استقلال مهنة المحاماة وحصانة الدفاع، وانتهاك المجال المحفوظ لنساء ورجال المحاماة في تشكيل الأجهزة المهنية وإدارتها، إضافة إلى تقويض الرسالة الإنسانية والحقوقية لمكانة المحامي داخل منظومة العدالة،  ولهذه الغاية تستضيف " أنفاس بريس" العميد والفقيه يوسف البحيري أستاذ القانون الدولي بكلية الحقوق بجامعة القاضي عياض بمراكش لأكثر من ثلاثة عقود ونصف من الزمن، والذي نشر العديد من الدراسات القانونية حول مضامين المعايير الدولية لمكانة المحامي في النظام القضائي الوطني ودور مؤسسة الدفاع في ضمان شروط المحاكمة العادلة .  

 

 ما هي قراءتكم القانونية لرفض جمعية هيئات المحامين بالمغرب لمشروع القانون رقم 66.23، باعتباره انتهاكا للالتزامات الدولية المتعلقة بحماية مكانة المحامي في منظومة العدالة بالمغرب؟

إن رفض جمعية هيئات المحامين بالمغرب لمشروع القانون رقم 66.23، يعود بدرجة أولى حسب نساء ورجال المحاماة على أنه يشكل ردة تشريعية غير مسبوقة وتدخلا  في صميم السلطان الداخلي والمجال المحفوظ دستوريا لأصحاب البذلة السوداء، لما يتضمنه من مقتضيات تنتهك المبادئ القانونية والقيم الاخلاقية لإستقلال المحاماة كرافعة لبناء دولة القانون والمؤسسات وحماية حقوق الانسان والحريات العامة ببلادنا، دون الحديث عن البحث عن فرض الوصاية على المهنة من خلال تغييب المقاربة التشاركية في صياغة نصوص مشروع القانون المذكور، وعدم إستحضار الدور التاريخي والحقوقي للمحامين منذ الإستقلال في المساهمة الفعالة  في جميع مراحل بناء الدولة المغربية الحديثة، والانخراط في مسار هيئة الانصاف والمصالحة وحفظ الذاكرة الجماعية وطي ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان التي عرفتها بلادنا في سنوات الجمر والرصاص.

 

من جانب ثان، تلزم الاتفاقيات الدولية بشكل واضح ودقيق المشرع الوطني باحترام القواعد الدولية  الآمرة  المتعلقة  بضمان دور المحامي في ضمان المحاكمة العادلة، وذلك لأهميتها وتأثيرها على حماية الحق في الحرية وقرينة البراءة.

 

مشروع القانون رقم 66.23 المنظم لمهنة المحاماة يجب أن يحترم المكانة التي يشغلها المحامي في النظام القضائي الوطني، وكذلك أن يمتثل إلى مجموعة من المعايير الدولية التي تشكل مرجعية كونية في مجال ضمان استقلال مهنة المحاماة وضمان المحاكمة العادلة، ويستدعي أيضا تهيئة البنية التشريعية الوطنية وملاءمتها مع الاتفاقيات الدولية ذات الصلة، حتى تتفاعل أكثر مع الدور الذي يمارسه المحامي في ارساء دعائم دولة القانون.

 

اعتبرت الوثيقة الدستورية لعام 2011 على أن" التصدير جزء لا يتجزأ من هذا الدستور" خصوصا  وأنه يؤكد على تشبث المملكة المغربية بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا، وحماية منظومتي حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني والنهوض بهما، وسمو الاتفاقيات الدولية فور نشرها على التشريعات الوطنية، مع حظر كافة أشكال التمييز.

 

إن ترسيخ حماية حقوق الإنسان والحريات العامة في الدستور المغربي لعام  2011هو بمثابة إعلان على إدراجها  ضمن الثوابت الأساسية التي يقوم عليها النظام السياسي، كما هو الشأن بالنسبة للدعامات الأخرى كالإسلام والملكية الدستورية والوحدة الترابية. فالإقرار بالتشبث بحماية حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها في تصدير أسمى قانون في البلاد، هو تعبير حقيقي على الإدارة السياسية للدولة في توطيد احترام الحقوق والحريات للمواطن.

 

إن مرجعية الدستور تمثل في حد ذاتها دعامة أساسية لحماية مكانة المحامي في منظومة العدالة على المستوى الوطني، وتشكل تعبيرا قويا عن الطابع العالمي والبعد الكوني لدور المحامي في ضمان المحاكمة العادلة ومنها قرينة البراءة، لأن الدولة تتعهد وتضع على عاتقها التزامات دولية مرتبطة بضمان الاحترام العالمي لحقوق الإنسان والاعتراف بالكائن البشري كمحور للحقوق المتساوية اللصيقة بالكرامة الإنسانية.

 

ماهي مضامين المعايير الدولية المتعلقة بمبادئ حماية استقلال المحاماة ومناهضة جميع اشكال الوصاية عليها؟.

تؤكد مبادئ الوثيقة الدولية للأمم المتحدة رقم 3 المعتمدة من جانب اللجنة المعنية بحقوق الإنسان بتاريخ 15 غشت 1997 على ضمان حماية استقلال المحامين، وعلى شرف وكرامة مهنتهم باعتبارهم شركاء أساسيين في مجال إقامة العدل.

 

اعتبرت وثيقة الأمم المتحدة على أن للمحامي دور في إعمال معرفة المتهم بعناصر الاتهام كأساس لمساعدته في إعداد دفاعه، وفي هذا الصدد أكدت اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان على أن: حتى يتمكن المحامون من أداءهم وظائفهم باستقلالية، يتعين على الدول أن تقوم بحمايتهم من أي تدخل غير مشروع في أعمالهم.

 

وضعت وثيقة الأمم المتحدة رقم 3 مجموعة من الضمانات في هذا الشأن:" تكفل الحكومات للمحامين ما يلي: أ) القدرة على أداء جميع وظائفهم المهنية بدون تخويف، أو إعاقة، أو مضايقة، أو تدخل غير لائق، ب) القدرة على لقاء موكليهم والتشاور معهم بحرية داخل البلد وخارجه على حد السواء ج) عدم تعريضهم للملاحقة القانونية أو العقوبات الإدارية، أو الاقتصادية، وغيرها نتيجة قيامهم بعمل يتفق مع واجبات ومعايير وآداب المهنة المعترف بها، أو حتى تهديدهم بمثل هذه الأمور.

 

تنص وثيقة الأمم المتحدة رقم 3 على واجب السلطات بأن:" توفر ضمانات حماية كافية للمحامين، في الحالات التي يخشى فيها تعرض أمنهم للخطر من جراء تأدية وظائفهم".  لقد سلمت وثيقة الأمم المتحدة بحاجة المحامين للاطلاع على المعلومات ذات الصلة بالقضية التي يباشرونها، إلى ذلك، يتعين على الدول:" أن تضمن للمحامين إمكانية الاطلاع على المعلومات والملفات والوثائق المناسبة التي هي في حوزتها أو تحت تصرفها، وذلك لفترة تكفي لتمكينهم من تقديم مساعدة قانونية فعالة لموكليهم. ولكي يقوم المحامون بأداء أدوارهم وتمثيل موكليهم بفعالية، يجب أن تحترم سرية الاتصالات التي تعتبر ركنا أساسيا في العلاقة بين المحامي وموكله، وتحقيقا لهذه الغاية، نصت المبادئ الأساسية للأمم المتحدة على أن:" تكفل الحكومات وتحترم سرية جميع الاتصالات والمشاورات التي تجرى بين المحامين وموكليهم في إطار علاقتهم المهنية".

 

كما ينص المبدأ الثامن عشر من وثيقة الأمم المتحدة رقم 3 المعتمدة من جانب اللجنة المعنية بحقوق الإنسان على أنه:" لا يجوز، نتيجة لأداء المحامين لوظائفهم، مساءلتهم عن جرائم موكليهم أو عن قضايا هؤلاء الموكلين".

 

و تجب الإشارة، إلى أن مؤتمر الأمم المتحدة الثامن لمنع الجريمة المنعقد بهافانا عام 1990 قد اعتمد على مجموعة من المعايير الدولية التي تروم حماية استقلال المحامي منها:

- تضمن الحكومات توفير إجراءات فعالة وآليات قادرة على الاستجابة تتيح الاستعانة بالمحامين بصورة فعالة وعلى قدم المساواة لجميع الأشخاص الموجودين في أراضيها والخاضعين لولايتها، دون تمييز من أي نوع.

- تكفل الحكومات توفير الموارد الكافية الأخرى اللازمة لتقديم الخدمات القانونية للفئات الهشة وذوي الاحتياجات الخاصة والقاصرين ولغيرهم من الأشخاص المحرومين، حسب الاقتضاء.

-تكفل الحكومات مساعدة الرابطات المهنية للمحامين على القيام بالبرامج التي تستهدف تكوين  المحامين على حماية حرياتهم الأساسية والتحسيس بدورهم. وينبغي ايضا إعلام الجمهور بحقوقه وواجباته بمقتضى القانون.

 

ما هي  المحددات القانونية لضرورة الإلتزام بالمعايير الدولية المتعلقة بحماية استقلال المحاماة في مشروع القانون رقم 66.23؟

إن ملاءمة مشروع القانون رقم 66.23 مع المعايير الدولية المتعلقة بحماية استقلال المحاماة المنصوص عليها في الاتفاقيات الدولية، تفرضها ضرورة الامتثال لمبدأ التناسق في الممارسة القانونية للدولة، حتى لا تتم إساءة تطبيق مبدأ فهم أولوية الاتفاقيات الدولية على التشريع الوطني المنصوص عليه في الوثيقة الدستورية.

 

إن الحديث عن الخصوصية، لتفسير تعارض مشروع القانون رقم 66.23 مع الاتفاقيات الدولية rappport d’opposition  في مسألة استقلال المحامي، هو مخالف للصواب، لأن الاتفاقيات الدولية و مشروع القانون رقم 66.23 هما أصلا لا يوجدان في نفس المرتبة، ولا يتمتعان بنفس القيمة حتى يتعارضان. وإنما العلاقة التي تربط بينهما، هي علاقة الخضوع rapport de subordination التي تحكم التشريع الوطني اتجاه المعايير الدولية لحقوق الإنسان، وهذا السبب هو الذي جعل القاعدة الدولية، في مرتبة أعلى، مادامت هي الأصل في التدرج وفق ما جاء في المادة 53 من قانون المعاهدات لفيينا لعام 1969.

 

خصوصا وأن الوثيقة الدستورية للمملكة المغربية تؤكد بشكل جلي وواضح على التشبت باحترام الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، والامتثال لمبدأ سمو القانون الاتفاقيات الدولية على التشريع الوطني، وهو ما يفرض على مشروع القانون رقم 66.23 إعطاء الأولوية في التطبيق للاتفاقيات الدولية واستحضار المعايير الدولية لاستقلال المحامي. وعلى هذا النحو، فالغاية القانونية من وضع المعايير الدولية لاستقلال المحامي  هو ضمان احترام شروط المحاكمة العادلة وحقوق المتهم في جميع الظروف، لتجاوز الأحكام العرفية وحالة الطوارئ، التي قد تلجأ إليها أحيانا بعض الدول من أجل الخروج عن الشرعية الدستورية.

 

إن طبيعة المعايير الدولية لاستقلال المحاماة الواردة في المواثيق الدولية، تقتضي ضرورة مراجعة القانون رقم 66.23 ، لضمان الوفاء بالتعهد الدستوري باحترام شروط ومبادئ المحاكمة العادلة  المتعارف عليها عالميا، من خلال ملاءمة التشريع الوطني مع القانون الدولي. و ذلك من منطلق أن لمهنة المحاماة دور أساسي في الدفاع عن حقوق الإنسان وسيادة القانون، لذلك يجب أن يتمكن المحامون من العمل بشكل مستقل وبدون خوف، وأن تضمن لهم حرية التواصل مع موكليهم ومؤازرة جميع المتهمين، وأن ألا يؤخذ المحامون بجرائم موكليهم،  وأن يضمن  لهم التشريع الوطني الحق في التعبير بحرية عن آرائهم أثناء وإعداد الدفاع ويتعين عليهم ممارسة مهامهم وفقا للمعايير الأخلاقية، ولقواعد السلوك المهني ويتمتعون بضمانات استقلالية المهنة.