الدكتور أنور الشرقاوي وعبد اللطيف أحولي (يسارا)
بقلم الدكتور أنور الشرقاوي، وبمساهمة عبد اللطيف أحولي، المريض-الشريك في داء الهيموفيليا
يعيش عبد اللطيف وسيفُ ديمقليس معلّقٌ فوق رأسه.
سيفٌ لا يُرى، لكنه حاضر في كل نبضة، في كل خطوة، في كل صباح.
وقد أطلق عليه عبد اللطيف اسمًا يكاد يكون طبيًا، ويكاد يكون عاديًا من فرط ما تكرّر: «النزيف الدموي العفوي». عفويّ، لأنه يأتي بلا موعد. عفويّ، لأنه لا يحتاج إلى سقطة، ولا صدمة، ولا تهوّر. عفويّ… ولذلك هو ظالم.
في بيته، يبدأ النهار بحذرٍ صامت لعبد اللطيف. يراقب جسده كما يُراقَب الأفق قبل العاصفة. وجعٌ غير مألوف، شدٌّ عضلي، انزعاج غامض… كلّها قد تكون إشارات أولى لدمٍ يسيل في الداخل، دون أن يُعلن عن نفسه.
فالهيموفيليا لا تصرخ دائمًا.
إنها تهمس… ثم تضرب.
منذ سنة 2015، انقلبت حياته.
في تلك السنة، جاءه ورمٌ دمويٌّ ضاغط في أسفل الظهر، ظهر بلا إنذار، ولم يُعالج في وقته، فخلّف شللاً في قدمه اليسرى. ومنذ ذلك الحين، لم تعد المشيّة بديهية، ولا الخطوة آمنة. دخل «الستيباج» حياته، فصارت المشيّة مترددة، مرهقة، محفوفة بالخطر. الجسد، كي يستمر، عوّض. وحين يعوّض الجسد.… فإنه يتآكل.
انهار الركبة اليمنى تحت ثقل الجهد، فجاء الفُصال المؤلم، ومعه تيبّس الركبة الذي يقيّد الحركة.
ثم لحقت بها الورك اليسرى، حتى بلغت فصالًا شديدًا. وزادت الآلام العصبية، كشرارات كهربائية لا تهدأ، بسبب انزلاق غضروفي.
أصبح المشي فعلًا محسوبًا، قرارًا، لا حركة عفوية، ومغامرةً صغيرة في كل مرة.
ثم، في الأيام الأخيرة، ظهر ألم جديد في مقدّمة الساق اليسرى.
ظنّه عبد اللطيف امتدادًا لأوجاعه المعتادة، فالجسد تعلّم، مع الزمن، أن يستخفّ بالإنذار. لكن تحت الدوش في الحمام ، قالت المرآة غير ذلك. بقعة زرقاء واسعة، خبيثة في امتدادها، تبدأ من الفخذ وتنحدر حتى بطة الساق. علامةٌ ظاهرة لنزيف داخلي كان قد استقرّ بالفعل. مرةً أخرى، سال الدم… بصمت. هذا المشهد، وحده، يختصر حياة مريض هيموفيليا مغربي حُرم، من الأساس: العلاج الوقائي الذي يجب أن يكون متوفرا في بيته.
فالقضية ليست علاج النزيف حين ينفجر. القضية أن نمنعه من الحدوث، أو نوقفه في لحظته الأولى، قبل أن يترك أثرًا لا يُمحى في الجسد.
الوقاية ليست ترفًا. إنها طوق نجاة.
هي ما يسمح للمريض أن يسبق الألم، أن يعالج نفسه في الوقت المناسب، أن لا ينتظر حتى يُرى العجز، وحتى يدفع الجسد، مرةً أخرى، ثمن التأخير. وحين تقترن الوقاية بالتربية العلاجية، تمنح المريض استقلالية ثمينة: أن يميّز العلامات، أن يتصرّف دون إبطاء،
أن يستعيد زمام مرضٍ يفرض قانونه بلا رحمة.
هنا بالضبط، يتجلّى معنى " المريض-الشريك" .
فهو ليس متلقيًا سلبيًا للعلاج،
بل فاعلٌ واعٍ في مسار رعايته.
يحمل، إلى جانب الأطباء، معرفةً أخرى: معرفة التجربة اليومية، ومعرفة الجسد حين يتكلم.
إشراكه في القرار العلاجي ليس مجاملة، بل اعترافٌ بأن جودة الرعاية لا تُبنى على البروتوكولات وحدها، بل على الإصغاء، والاستباق، والتكيّف مع واقع الحياة..
وفي الهيموفيليا، أكثر من أي مرض آخر، يصبح المريض-الشريك حلقة وصل حاسمة بين العلم الطبي… والحياة كما تُعاش.
من دون هذه الوقاية، يصير كل يوم يانصيبًا بيولوجيًا، تحكم فيه الصدفة على شدة الغد.
عبد اللطيف لا يطلب شفقة. إنه يطلب فهمًا. ويكشف، من خلال جسده المثقل بالآثار، ماذا يعني أن تعيش مرضًا مزمنًا حين تغيب الوقاية.
قصته ليست استثناءً. إنها مرآة صامتة لكثيرين، لم تصبح الوقاية في حياتهم بعدُ حقيقةً مستمرة.
وسرد هذه الحكاية، ليس إلا تذكيرًا بحقيقة بسيطة وعميقة: في الهيموفيليا، الوقاية… هي العلاج الأول.