الصادق أحمد العثماني: جدل الإيمان والعقل في الإسلام.. قراءة تاريخية لعلم الكلام وتحولاته الفكرية

الصادق أحمد العثماني: جدل الإيمان والعقل في الإسلام.. قراءة تاريخية لعلم الكلام وتحولاته الفكرية الصادق أحمد العثماني

شكّل الجدل بين الإيمان والعقل أحد المرتكزات العميقة التي قام عليها الفكر الإسلامي منذ لحظة تشكّله الأولى . فالإسلام، في نصوصه التأسيسية، لم ينظر إلى الإيمان بوصفه حالة تسليمية تُقصي العقل أو تعطل فاعليته، بل جعله قائماً على الوعي والتدبر والنظر، وموجهاً خطابَه إلى الإنسان باعتباره كائناً عاقلاً مسؤولاً عن اختياراته . وقد أسّس القرآن الكريم لعلاقة مركبة بين الإيمان والعقل، علاقة تقوم على التكامل لا على التعارض، حيث لا يتحقق الإيمان الحق إلا عبر الفهم، ولا يؤدي العقل وظيفته إلا داخل أفق الهداية والمعنى .
في المرحلة النبوية، لم يكن هذا الجدل مطروحاً في صورة إشكال فلسفي أو معرفي مستقل، إذ كانت القضايا العقدية مندمجة في التجربة العملية للجماعة المؤمنة، ومتصلة مباشرة بالأخلاق والعمل وتنظيم الحياة الدينية والاجتماعية . غير أن التحولات التاريخية الكبرى التي عرفها العالم الإسلامي، خاصة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومع اتساع رقعة الدولة وتعدد البيئات الثقافية والدينية، أفرزت أسئلة جديدة لم يعد من الممكن الاكتفاء في معالجتها بالخطاب الوعظي أو التلقيني . وهكذا بدأت قضايا مثل القدر والحرية الإنسانية، وعدل الله، وصفاته، وطبيعة العلاقة بين الإله والإنسان، تنتقل من مجال الإيمان البسيط إلى مجال النقاش العقلي المنهجي .
في هذا السياق، نشأ علم الكلام بوصفه محاولة فكرية لضبط العقيدة والدفاع عنها باستخدام أدوات عقلية ولغوية، مستجيباً لحاجات معرفية فرضتها ظروف تاريخية وسياسية واجتماعية معقدة . ولم يكن علم الكلام في بداياته علماً نظرياً خالصاً، بل كان مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالصراعات الفكرية والسياسية، حيث استُخدمت المفاهيم العقدية لتبرير مواقف السلطة أو لمعارضتها، وهو ما زاد من حدة الجدل حول حدود العقل ودوره في فهم النص الديني .
ومع تطور هذا الجدل، أخذت العلاقة بين الإيمان والعقل تتخذ طابعاً إشكالياً، خاصة مع بروز اتجاهات متباينة في تقييم وظيفة العقل . فقد ظهر من جهة تيار عقلاني رأى في العقل معياراً أساسياً لفهم العقيدة وتفسير النص، ومن جهة أخرى تيار نصّي متحفّظ نظر إلى التوسع العقلي بعين الريبة، خشية الوقوع في التأويل المفرط أو الانحراف العقدي . ولم يكن هذا الانقسام مجرد اختلاف في الآراء، بل عبّر عن توتر عميق في بنية العقل الإسلامي بين مطلب الفهم ومطلب التسليم .
ويُعدّ المشروع المعتزلي التعبير الأبرز عن محاولة تأسيس عقلانية كلامية داخل الفكر الإسلامي . فقد جعل المعتزلة العقل أصلاً من أصول المعرفة الدينية، واعتبروا أن العقل قادر على إدراك الخير والشر، وعلى معرفة عدل الله وحكمته، وأن الإيمان لا يستقيم مع تصورات تناقض مقتضيات العقل . ومن هذا المنطلق، أعادوا صياغة عدد من المفاهيم العقدية الكبرى، خاصة ما يتعلق بالعدل الإلهي والحرية الإنسانية وصفات الله. غير أن هذا التوسع في العقلنة أثار اعتراضات قوية، إذ رأى خصومهم أن تقديم العقل على النص قد يؤدي إلى إخضاع الوحي لمعايير بشرية نسبية، مما يهدد البنية الغيبية للعقيدة .
في مواجهة هذا المسار، برزت الأشعرية والماتريدية بوصفهما محاولتين لإعادة بناء التوازن بين الإيمان والعقل . فقد قبل هذان الاتجاهان استخدام العقل في الدفاع عن العقيدة، لكنهما شددا على ضرورة ضبطه بمرجعية الوحي، معتبرين أن العقل أداة لفهم النص لا حكماً عليه . وقد مثّل هذا المنهج الوسطي لحظة نضج في تاريخ علم الكلام، حيث انتقل الجدل من حالة الاستقطاب الحاد إلى صيغة أكثر توازناً، سمحت للفكر العقدي بالاستقرار داخل المؤسسات العلمية والتعليمية في العالم الإسلامي .
غير أن هذا التوازن لم يكن دائماً مستقراً، إذ يكشف تاريخ علم الكلام عن محنة عميقة عاشها العقل المسلم، تمثلت في تذبذبه المستمر بين طرفين متناقضين: طرف التسيب العقلي الذي ينفصل فيه التفكير الديني عن الضوابط المنهجية والأخلاقية، ويُخضع النص للأهواء والقراءات الانتقائية، وطرف التقديس الجامد للتراث الذي يحوّل الاجتهادات البشرية إلى معطيات مقدسة مغلقة، ويُقصي العقل النقدي باسم حماية العقيدة . وبين هذين الطرفين، ظل العقل المسلم يبحث عن موقعه، متأرجحاً بين الإفراط والتفريط .
ولم تكن هذه المحنة وليدة العصر الحديث، بل رافقت مسار الفكر الإسلامي منذ وقت مبكر. فحين انفلت العقل من مرجعيته القيمية، تحوّل إلى أداة تبرير للهوى، وأنتج قراءات متسيبة للنص لا تقل خطورة عن الجمود . وفي المقابل، حين جُمّد العقل باسم صيانة التراث، تحوّل الدين إلى منظومة مغلقة خارج التاريخ، وغابت القدرة على التمييز بين المقدس والبشري، مما مهّد لظهور أنماط من التعصب والتطرف . ويكشف تاريخ علم الكلام أن لحظات ازدهاره كانت دائماً مرتبطة بقدرته على مقاومة هذين الانحرافين معاً، عبر ممارسة التفكير في العقيدة دون قطيعة مع النص ودون استسلام للتقليد .
ومع دخول الفلسفة اليونانية إلى المجال الإسلامي، تعمّق الجدل بين الإيمان والعقل، إذ طرحت الفلسفة أسئلة وجودية ومعرفية جديدة حول العلة والزمان والكون والمعرفة . وقد اختلفت مواقف المتكلمين من هذا التحدي بين الرفض والنقد والحوار، غير أن كثيراً منهم أدركوا أن تجاهل هذه الأسئلة لا يلغيها. وفي هذا السياق، برزت تجارب فكرية حاولت التوفيق بين المعقول والمنقول، وكان من أبرزها مشروع أبي حامد الغزالي، الذي قدّم نموذجاً مركباً يجمع بين النقد الفلسفي الصارم والالتزام العقدي، مؤكداً أن العقل يمكن أن يكون أداة لحماية الإيمان لا لنقضه .
كما دخل علم الكلام في تفاعل مع التصوف، الذي ركّز على البعد الروحي والذوقي للإيمان. ورغم التوتر الظاهر بين الجدل العقلي والتجربة الصوفية، فإن التاريخ يكشف عن مساحات واسعة من التداخل بينهما، حيث سعى بعض المتكلمين إلى استيعاب البعد الروحي للإيمان، وسعى بعض المتصوفة إلى تأطير تجربتهم ضمن رؤية عقدية . وقد أسهم هذا التفاعل في توسيع أفق التفكير الكلامي، ومنحه بعداً إنسانياً يتجاوز الصراع النظري المجرد .
في العصور المتأخرة، عرف علم الكلام نوعاً من الجمود المنهجي، حيث تحوّل في كثير من الأحيان إلى إعادة إنتاج المتون والشروح، وفقد قدرته على التفاعل الخلاق مع التحولات الفكرية . ومع ذلك، حافظ على حضوره بوصفه حارساً للتقليد العقدي . غير أن الاحتكاك بالفكر الغربي الحديث أعاد طرح الجدل بين الإيمان والعقل بصيغ جديدة، مرتبطة بالعلم التجريبي، والعقلانية الحديثة، والنقد التاريخي للدين، ومفاهيم الإنسان والحرية والمعنى . وفي هذا السياق، تجددت محنة العقل المسلم، حيث وجد نفسه محاصراً بين عقلانية حداثية أداتية من جهة، وقراءات سلفية متشددة تعيد إنتاج الجمود باسم الأصالة من جهة أخرى .
إن قراءة تاريخ علم الكلام في ضوء هذه التحولات تكشف أن الجدل بين الإيمان والعقل لم يكن عائقاً أمام تطور الفكر الإسلامي، بل كان أحد شروط حيويته . فقد أسهم هذا الجدل في بناء خطاب عقدي متنوع، قادر على الاستجابة للأسئلة المتغيرة دون التفريط في الثوابت . ومن ثم، فإن الحاجة إلى تجديد التفكير الكلامي اليوم لا تنبع من الرغبة في القطع مع التراث، ولا من الاكتفاء بتقديسه، بل من ضرورة إعادة تفعيل العقل المسلم في أفق إيماني منضبط، يحرره من أسر الهوى ومن سجن الجمود في آن واحد، ويعيد بناء علاقة متوازنة بين الوحي والعقل والتاريخ .

 

                                                    الصادق أحمد العثماني - البرازيل