محمد المريني
يستدعي المقام في البداية توجيه التحية والتقدير لنساء ورجال القضاء، الذين يقومون بواجبهم بصمت ومثابرة ومهنية ونزاهة، ويساهمون في حماية حقوق وحريات المواطنين وتوطيد دعائم التنمية وتشجيع الاستثمار.
حول أهمية التقرير السنوي
درجت العديد من الدول الديمقراطية على وضع تقرير سنوي شامل عن نشاط محكمة النقض، يتضمن عرضًا مفصلًا ومستفيضًا عن الصعوبات الواقعية والقانونية التي واجهتها بمناسبة نشاطها القضائي، المتمثل في الإشراف على القضاء العادي، ويتضمن كذلك إبراز القرارات الجديدة التي تحتوي على الاجتهادات القضائية التي استقرت عليها محكمة النقض، مع شرح للأسباب القانونية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية أو الخُلُقِيَّة التي كانت وراء هذا التطور، مع الإشارة إن اقتضى الحال إلى النقص الذي يشوب بعض النصوص القانونية، والذي ينتظر تدخلًا مستعجلًا من جانب المشرِّع.
ولقد شكلت كلمة محكمة النقض لسنة 2026 حدثًا بامتياز، لكونها أعلنت بوضوح الأزمة التي تعاني منها محكمة النقض، والتي تستدعي وقفة جدية، لمناقشة أبعادها وآثارها على رسالة القضاء في خدمة المواطن.
لقد أعلنت الكلمة بعبارات واضحة أن "محكمة النقض تستغيث لإنقاذها من طوفان الطعون غير المنتجة... وأن إغراق محكمة النقض بالملفات سيؤدي إلى التأثير على جودة المقررات القضائية واضطراب الاجتهاد القضائي، وأن محكمة النقض لا تعتبر درجة ثالثة للتقاضي، ولكنها مرصودة لضبط الاجتهاد وتحقيق الأمن القضائي".
وفي هذا الإطار، يطرح سؤال جوهري، لماذا تسجل محكمة النقض كل سنة ما يزيد على خمسين ألف طعن، في الوقت الذي تسجل به مثيلاتها في دول أخرى، يزيد عدد سكانها عن عدد سكان بلدنا، أعدادًا تقل مرتين عن هذا الرقم؟
لم تجب الكلمة عن سبب هذا الطوفان، ولم تتساءل لماذا يعمد المواطنون الذين يشعرون بعدم الإنصاف في المرحلة الابتدائية والمرحلة الاستئنافية، إلى التمسك بالالتجاء للطعن بالنقض كوسيلة لحماية حقوقهم وحرياتهم.
حول اضطراب الاجتهاد القضائي
كما استعملت الكلمة مفهوم "اضطراب الاجتهاد القضائي"، هذا المفهوم الذي يعني عدم استقرار وتوحيد الأحكام القضائية، وذلك حين يصدر القضاة أحكامًا متعارضة بين نفس الخصوم ولنفس الموضوع والأسباب، وهو ما يترتب عنه التناقض بين الأحكام وفقدان الأمن القضائي وضعف الثقة بين المواطنين في القضاء، وهي الحالة التي تتولد عن الحكم أو القرار المخالف للقانون سواء في شقِّه الموضوعي أو في شقِّه الإجرائي المسطري.
وهو إقرار على مستوى عالٍ من الأهمية، ذلك أن تعدد الهيئات داخل كل غرفة من غرف محكمة النقض من شأنه أن يؤدي إلى اضطراب في غياب آلية قانونية لتوحيد الاجتهاد القضائي داخل الغرفة الواحدة، لكن الأمر الأكثر خطورة والمؤثر على الأمن القانوني والأمن القضائي أن يقع الاضطراب، في بعض الأحيان القليلة، من نفس الهيئة ومن نفس المقرِّر وفي نازلة تتعلق بنفس الأطراف ولنفس الموضوع ولنفس الأسباب.
حول جودة القرارات القضائية
أشارت الكلمة إلى أن معدل الإنتاج الفردي لكل مستشار بمحكمة النقض سنويًّا حوالي 270 قرارًا.
وإذا قمنا بتحليل هذا الرقم المذكور، سنجد أن هذا الواقع يؤثر بشكل خطير على النشاط القضائي وعلى مصالح وحقوق وحريات المواطنين.
من المعروف أن عدد أيام السنة: 360 يومًا.
ومن المعروف كذلك أن في كل سنة هناك عطلة سنوية (30 يومًا) كما أن أيام الأعياد الوطنية والدينية خلال السنة (16 يومًا)، كما يُحْذَف يوْمَا السَّبْتِ وَالْأَحَدِ مِنْ كُلِّ أُسْبُوعٍ بِاعْتِبَارِهِمَا أَيَّامَ عُطْلَةٍ (96 يومًا)، ليكون مجموع أيام العطل في السنة (142 يومًا)، ولتكون أيام العمل الفعلية خلال السنة (218 يومًا).
ومعنى ذلك، أن كل مستشار مقرِّر لا يتوفر حتى على يوم عمل واحد من ست ساعات لدراسة وتحليل وإعداد مشروع قرار في ملف يتضمن المرحلة الابتدائية من مقال ومذكرات ومستندات ووثائق وحكم، كما يتضمن في المرحلة الاستئنافية مقالًا استئنافيًّا ومذكرات وقرارًا.
أما على مستوى المداولة داخل الهيئة التي تتشكل من خمسة مستشارين والتي سيعرض عليها سنويًّا 1350 مشروع قرار (270 × 5 = 1350)، فإذا كان عدد الجلسات المتاحة لها خلال 218 يومًا، باعتبار أنها تعقد جلسة كل أسبوع، هو 30 جلسة، أي أنها تبت في 45 ملفًا في كل جلسة مدتها 6 ساعات، بما يساوي 10 دقائق لكل ملف تستغرقها المداولة.
وهنا تطرح سلسلة هامة من الأسئلة:
فهل 10 دقائق تكفي لمداولة هيئة تتكون من 5 مستشارين؟
هل هناك متسع من الوقت لإطلاع الهيئة على وقائع النازلة وعلى سماع الملاحظات الشفوية للأطراف إن طلبوا ذلك؟
وهل يجري التداول الجماعي في النقط القانونية موضوع النزاع المثارة في النقض؟
وهل يتم قراءة ومراجعة وتعديل وتصويب مشروع القرار المعد من المقرِّر؟
وما معنى النص بوجوب أن تحكم محكمة النقض بهيئة مكونة من خمسة مستشارين، إذا لم تكن العبرة بالتداول الفعلي وليس بالحضور الرمزي؟
فهل يستخلص من ذلك واقعيًّا وفعليًّا أن المستشار المقرِّر هو من يصدر قرار النقض؟
حول الإعلان عن الاجتهادات الجديدة
وفيما يتعلق بالاجتهادات القضائية التي استقرت عليها محكمة النقض خلال السنة المنفرطة، فعدى ما تمت الإشارة إليه في كلمة الرئيس الأول لمحكمة النقض بخصوص مستجدات القرارات المتخذة بمجموع الغرف أو بغرفتين أو من طرف الغرف المنفردة: المدنية والأحوال الشخصية والعقارية والتجارية والإدارية والاجتماعية والجنائية، فإن المقام كان يستدعي البحث عن قرارات رائدة، بالإعلان عنها والتنويه بها كاجتهادات قضائية طليعية، تنهل مما يعتبر مخطط الطريق الاستراتيجي، المتمثل في الدستور كأسمى قانون في البلاد، ومنها خاصة:
- حقوق الدفاع، والحق في محاكمة عادلة.
- الجميع، أشخاصًا ذاتيين واعتباريين، بما فيهم السلطات والمؤسسات والشركات العمومية، متساوون أمام القانون وملزمون بالامتثال له.
- الرجل والمرأة، على قدم المساواة، للتمتع بكافة الحقوق والحريات.
- كفالة حرية الرأي والتعبير والفكر.
- حريات الاجتماع والتجمع والتظاهر السلمي وتأسيس الجمعيات والنقابات والأحزاب في نطاق القانون.
- مكافحة التمييز.
- سمو الاتفاقيات الدولية، التي صادق عليها المغرب على التشريعات الوطنية.
حول استقلال القضاء
وبمناسبة افتتاح السنة القضائية الجديدة، فإن الذكرى اليوم، وبعد تجربة 15 سنة، تسائلنا حول ما تم إنجازه في موضوع استقلال السلطة القضائية بمقتضى دستور 2011.
ينبغي التذكير اليوم أنه بفضل النضال المستميت، الذي قامت به القوى الوطنية والتقدمية وهيئات المحامين والحقوقيين الذي دام لأزيد من نصف قرن، وبفضل الإرادة الملكية، تم إقرار استقلال السلطة القضائية عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية، وبذلك تحول القضاء من وظيفة إلى سلطة مستقلة، وكان من نتائج ذلك تكوين المجلس الأعلى للسلطة القضائية من 20 عضوًا، منهم 13 عضوًا من سلك القضاء، إضافة إلى رئيس مؤسسة وسيط المملكة ورئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان وخمس شخصيات يعينها الملك مشهود لها بالكفاءة والتجرد والنزاهة والعطاء المتميز في سبيل استقلال القضاء وسيادة القانون.
ومع ذلك يحق لنا اليوم أن نتساءل حول الأشواط التي قطعت من أجل إرساء استقلال حقيقي للقضاء.
استقلال القضاء ينبغي أن يكون له ضوابط وقواعد، فممارسة كل سلطة باعتبارها في نفس الوقت أمانة وتكليف، يترتب عنها المساءلة والمحاسبة، لجعلها في المسار الصحيح من أجل أن تصدر الأحكام في إطار التطبيق العادل للقانون.
ومن أجل ذلك يتعين من جهة أولى، تمكين المتقاضين من عرض تظلماتهم على الرأي العام بكل حرية، للاطلاع على ما تقضي به المحاكم من أحكام وقرارات، ومدى مطابقتها للقانون، من حيث فحص الوقائع وسلامة التكييف والتسبيب.
إن تعزيز منسوب الثقة في الجهاز القضائي، ينطلق من حماية حقوق المواطنات والمواطنين والجماعات وحرياتهم وأمنهم القضائي، ولا يمكن تحقيق التنمية وتشجيع الاستثمار إلا من خلال قضاء نزيه عادل وشفاف.
ومن جهة ثانية، يتعين القول إنا نريد عدالة في بلد معين ومحدد هو المغرب، بتاريخه وثقافته وهويته، ولا يمكن بناء هذا الصرح إلا بدور مركزي وفعال للمؤسسة الملكية في حقل القضاء.
صحيح أولًا أن الأحكام تصدر باسم الملك وباسم القانون.
وصحيح ثانيًا أن الملك يرأس المجلس الأعلى للسلطة القضائية.
وصحيح ثالثًا أن الملك هو الضامن لاستقلال القضاء.
لكن فوق ذلك، فإن الملك هو الحاكم الأسمى بين مؤسسات الدولة، وهو الساهر على حقوق وحريات المواطنات والمواطنين والجماعات بصفته أمير المؤمنين.
وإمارة المؤمنين تعني القيادة العليا للمؤمنين، في شؤونهم الدينية والدنيوية، وهي بهذه الصفة وكيلة عن الأمة للحفاظ على وحدتها وهويتها وتنوع روافدها واستقرارها وأمنها ومصالحها وحرياتها، مع العلم أنه ولمدى 13 قرنًا، كان القضاء ولا يزال من وظائف أمارة المؤمنين.
وبروح الثورة الدائمة للملك والشعب، كما عبر بذلك الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى 56 لثورة الملك والشعب بتطوان بتاريخ 20/8/2009، فتح آنذاك ومنذ 16 سنة ورش الإصلاح العميق للقضاء، الذي تحقق في إطاره جملة من الإصلاحات، من بينها تخويل المجلس الأعلى للسلطة القضائية حصريًّا الصلاحيات اللازمة لتدبير المسار المهني للقضاة، ولا سيما فيما يخص استقلالهم وتعيينهم وترقيتهم وتقاعدهم وتأديبهم.
واستلهامًا من روح هذا الخطاب التاريخي، الذي اعتبر:
"أن الإصلاح الجوهري للقضاء حجر الزاوية في ترسيخ الديمقراطية والمواطنة، وأنه العماد لمساواة المواطنين أمام القانون وملاذ للإنصاف الموطِّد للاستقرار الجماعي، بل لقوة الدولة وحرمة مؤسساتها، باعتبار العدل هو أساس الملك، بتخليق القضاء لتحصينه من الارتشاء واستغلال النفوذ".
استلهامًا من ذلك، يجدر بنا اليوم إحياء المقترح الملكي بإيجاد هيئة استشارية قارّة تعددية وتمثيلية أو مرصد قضائي، يشكل إطارًا لبحث تظلمات المواطنين المرتفقين المتعلقة بالقضايا ذات الصلة بالعدالة، وذلك في احترام تام لصلاحيات المؤسسات الدستورية، واستقلال السلطة القضائية، واختصاصات السلطات العمومية.
إن استقلال القاضي المقرِّر في الدستور، كما جاء في قرار المجلس الدستوري رقم 16/992 م د بتاريخ 15 مارس 2016 يعتبر أنه:
"حماية له من أي تدخل، وليس امتيازًا له، وإنما هو مسؤولية وتكليف من أجل حماية حقوق الأشخاص والجماعات، ولا يمكن أن يتحول هذا المبدأ إلى عائق يحول دون تطبيق مبدأ دستوري آخر يتمثل في مسؤولية القاضي تأديبيًّا ومدنيًّا وجنائيًّا، وهي مسؤولية منبثقة من واجباته الدستورية تجاه المتقاضين، بما يفرضه ذلك من استقلال وتجرد والتزام بالدستور وبالقانون وبالأخلاقيات القضائية... المتمثلة في حماية حقوق الأشخاص والجماعات وحرياتهم وأمنهم القضائي وتطبيق القانون، وفي ضمان محاكمة عادلة...
وحيث أنه لئن كان لا يجوز الخلط بين الاجتهاد، المتمثل في المجهود الفكري الذي يبذله القاضي وفق الأصول المتعارف عليها في هذا الصدد، لتفسير وتطبيق مقتضيات القانون، بما يحتمله ذلك من الصواب والخطأ، وما بين الخرق الخطير لقاعدة مسطرية تشكل ضمانة أساسية لحقوق وحريات الأطراف وكذا الخرق الخطير لقانون الموضوع، وهي أعمال تعتبر – سواء كانت عمدية أو ناتجة عن تهاون غير مستساغ – إخلالًا من القاضي بواجباته المهنية".
ومن كل ما سبق، ينبغي التأكيد، أنه وإن كان من واجبات الملك ضمان استقلال القضاء، فإن هذا الضمان يوازيه حق المواطن في التشكي بين يدي الملك بكل إخلال من القاضي بواجباته الدستورية والمهنية للتطبيق العادل للقانون، استنادًا لصفة الملك كحامي للحقوق والحريات.
وإذا كانت الدولة والحكومة والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية، كمكونات للسلطة التنفيذية، تخضع في احترام قواعد الالتزام بالنفقات ولمنع التزييف أو الحصول على منافع شخصية، لمراقبة المجلس الأعلى للحسابات، فإن القاضي الذي يتمتع بالاستقلال ليقضي بالقانون، عليه أن يتحلى بالحياد بين أطراف النزاع، وأن لا يخضع لأهوائه أو ميولاته، وأن يصدر حكمه بعد دراسة وتحرٍّ وبحث وعلم واجتهاد، بوجه يدعو المتقاضين والكافة بالاقتناع، وبما يعزز الثقة في القضاء.
إن هناك خيطًا رفيعًا يفصل ما بين الخطأ كخلٍّ بشريٍّ لم ينجُ منه حتى الأنبياء، وما بين الحكم خلاف النص التشريعي الجلي والاجتهاد القضائي المتواتر، وأن اعتمار المقاربة القضائية والملكية والبرلمانية والشعبية من شأنها أن تجعل القاضي يستحضر في كل وقت وحين، أنه وإن كانت له سلطة مستقلة، وإن كان لا يجوز لأي هيئة تشريعية أو تنفيذية أن تتخذ أي إجراء ضده لمجرد الظن أنه أصدر قرارًا خاطئًا، فإن ذلك لا يعني أن الأحكام والقرارات لا يمكن المساءلة عنها والمحاسبة بشأنها، إن كلا من الاستقلال والمسؤولية يقيدان ويبرران ويعززان أحدهما الآخر، ويضفي كل منهما المشروعية على الآخر، بالموازنة بين السلطة والمسؤولية، دون السماح لأحدهما أن يحجب الآخر.
محمد المريني
محام بهيئة الدار البيضاء