د- الغالي الغيلاني
يكتسي انضمام المملكة المغربية كعضو مؤسس في المنظمة الدولية الجديدة "مجلس السلام" (The Board of Peace)، الذي جرى توقيع ميثاقه التأسيسي في دافوس في يناير 2026، أبعاداً دبلوماسية استراتيجية تعزز دور الرباط في القضية الفلسطينية والتزامها الراسخ لدعم هذه القضية باعتبارها قضية مركزية ومن الثوابت الأساسية في السياسة الخارجية المغربية.
وتتلخص هذه الأبعاد في النقاط التالية:
1. تكريس الدور الريادي للملك محمد السادس، بصفته رئيساً للجنة القدس
تعد دعوة الملك محمد السادس ليكون عضواً مؤسساً في هذا المجلس اعترافاً دولياً بجهوده في تعزيز الاستقرار الإقليمي وبوجاهة مقاربته الدبلوماسية للقضية الفلسطينية، بصفته رئيساً لجنة القدس والقائمة على دبلوماسية الوضوح والحكمة ودبلوماسية القول والفعل التي تقرن ما هو سياسي بما هو ميداني وإنساني.
كما تمنح هذه العضوية "ضمانة ملكية" للدفاع عن الحقوق الفلسطينية المشروعة وغير القابلة للتصرف داخل هيئة دولية جديدة تتمتع بالشخصية القانونية الدولية، تهدف إلى صياغة مقاربات مبتكرة للسلام والاستقرار والتنمية ونظام للحكامة الرشيدة بالتنسيق مع الأمم المتحدة ووفق القانون الدولي، بعدما أضفى القرار الأممي رقم 2803 بتاريخ نوفمبر لسنة 2025 على هذه المنظمة طابع الشرعية الدولية.
2. الانتقال من منطق "إدارة الأزمة" إلى "صناعة السلام"
تسعى الدبلوماسية المغربية، وفق الرؤية الاستراتيجية الملكية، من خلال هذا المجلس الدولي إلى تجاوز منطق "إدارة الأزمات" المؤقتة نحو إيجاد حلول جذرية وشاملة للقضية الفلسطينية بشكل خاص وللنزعات المسلحة الدولية بشكل عام. إذ يركز الانضمام على تفعيل حل الدولتين بما يفضي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، كخيار استراتيجي وحيد لضمان أمن المنطقة وتطلعات شعوبها في تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية بعيداً عن دوامة الصراع المسلح والعنف والعنف المضاد.
3. تعزيز المصداقية والثقة الدولية في حكمة الدبلوماسية الملكية:
إن اختيار المغرب كأحد الأعضاء الأوائل إلى جانب عدة دول وازنة ومؤثرة في النظام العالمي يعكس الثقة الدولية في "دبلوماسية الحكمة والوضوح" التي رسم معالمها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، مما سيؤهل الرباط للقيام بدور الوسيط الموثوق به لتسوية النزاعات بين الأطراف الدولية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
تمثيل فاعل لصوت إفريقيا والعالمين العربي والإسلامي: يضع هذا الانضمام المغرب كصوت محوري مؤثر يمثل المصالح العربية والإسلامية والإفريقية في قلب صناعة القرار المتعلق بالسلام والاستقرار العالميين وفض النزاعات وإعادة إعمار وتنمية المناطق المهددة بنشوب النزاع المسلح، انطلاقاً من تجربة قطاع غزة الذي شهد أزمة إنسانية فظيعة بعد عجز المنظومة الدولية والأممية عن وضع حد لها وفرض احترام معايير القانون الدولي والإنساني.
4. الموازنة بين الدبلوماسية السياسية والمبادرات الإنسانية والميدانية
حيث ستسمح العضوية للمغرب بربط تحركاته السياسية الدولية بجهوده الميدانية المستمرة، لاسيما في تقديم المساعدات الإنسانية والاجتماعية الميدانية من خلال الاستمرار في إرسال المساعدات الطبية والغذائية (مثل الجسر الجوي لغزة الذي تضمن مئات الأطنان من المساعدات)، فضلاً عن دعم صمود المقدسيين من خلال وكالة بيت مال القدس، الذراع التنفيذي للجنة القدس، التي نوهت بعملها العديد من قرارات ومخرجات القمم العربية والإسلامية والدولية.
5. الانخراط في هندسة دولية جديدة للسلام
إذ يمثل المجلس، الذي يحظى بدعم قوى كبرى مثل الولايات المتحدة، باعتباره منصة دولية لتطوير جيل جديد من استراتيجيات السلام "التفكير والعمل خارج الصندوق". إذ يهدف المغرب من خلاله إلى ضمان عدم تهميش القضية الفلسطينية في ظل التحولات الجيوسياسية والاستراتيجية المتسارعة لنظام عالمي يتبنى منطق قانون القوة وليس قوة القانون.
الدكتور الغالي الغيلاني
رئيس المركز الدبلوماسي الدولي.
أستاذ باحث بجامعة القاضي عياض بمراكش
وبجامعة الأمم المتحدة للسلم والمركز الافريقي للذكاء الاستراتيجي.