محمد الغيث ماء العينين
لم يأتِ الإعلان عن “مجلس السلام” الذي أطلقه دونالد ترامب كمبادرة تقنية إضافية في مجال إدارة النزاعات، ولا كاجتهاد دبلوماسي معزول داخل السياسة الخارجية الأمريكية، بل كترجمة مؤسساتية مباشرة لطريقة تفكير متكاملة في إدارة القوة، والقرار، والوقت السياسي. هذا المجلس لا يمكن فهمه انطلاقًا من وظيفته المعلنة فقط، بل من بنيته، ومن الميثاق الذي يؤطره، ومن الشخص الذي صاغه وأطلقه.
فمن يقرأ الميثاق المؤسس لهذا المجلس قراءة هادئة، يلاحظ بسرعة أن منطق الحوكمة الذي يحكمه أقرب إلى منطق القوانين الأساسية للشركات القابضة، منه إلى منطق المواثيق الدولية التقليدية. صلاحيات واسعة متمركزة في يد فاعل واحد، قدرة شبه مطلقة على الدعوة والاختيار والنقض والتفسير، غياب فعلي لآليات التوازن، وربط واضح بين المساهمة والالتزام من جهة، ومستوى النفوذ داخل الإطار من جهة أخرى. نحن أمام تصور للسلام يُدار بعقلية “المساهم المسيطر”، لا بعقلية الإجماع المتعدد الأطراف.
هذا التشابه ليس مصادفة شكلية، بل يعكس انسجامًا عميقًا بين طبيعة الميثاق وشخص دونالد ترامب نفسه، الذي لم يأتِ إلى السياسة من خلفية دبلوماسية أو قانونية، بل من عالم الشركات، حيث القرار مركزي، والوقت محسوب، والنتائج مقدّمة على المسارات. في هذا العالم، لا تُدار الأزمات بإطالتها، بل بحسمها، ولا تُقاس الشرعية بطول المسار، بل بوضوح النتيجة.
من هذا المنطلق، يصبح “مجلس السلام” تعبيرًا عن تحوّل أوسع في السياسة الدولية، حيث لم تعد بعض القوى الكبرى ترى في المؤسسات الأممية فضاءً للحل، بل فضاءً لإدارة الزمن وتأجيل الحسم. وهو تحول لا يستهدف الأمم المتحدة بوصفها مؤسسة، بل يستهدف المنطق الذي حكم إدارة النزاعات الدولية لعقود: منطق التوازن، التوافق البطيء، وإدامة الوضعيات الرمادية.
انطلاقًا من هذه القراءة، لا يعود السؤال المطروح هو ما إذا كان هذا المجلس مبادرة ناجحة أو فاشلة، بل ما الذي يكشفه عن شكل النظام الدولي الذي يتبلور، وعن الخيارات المتاحة أمام الدول في التعامل مع فاعل شديد الإرادة، يعيد صياغة القواعد من داخل ميزان القوة، لا من داخل القواعد نفسها.
أولًا: هل مجلس السلام قابل للاستمرار بعد دونالد ترامب؟
إذا كان الميثاق المؤسس لـ“مجلس السلام” يعكس عقلية حوكمة مركزة، فإن أول سؤال منطقي يفرض نفسه هو مدى قابلية هذا الإطار للاستمرار خارج السياق السياسي الذي أفرزه، أي خارج لحظة دونالد ترامب نفسه. هنا، لا يتعلق الأمر بتقدير نوايا الإدارات الأمريكية المقبلة، بل بقراءة بنيوية لتصميم المجلس وطريقة اشتغاله.
الميثاق لا يقدّم رئيس المجلس باعتباره منسقًا أو وسيطًا بين إرادات متوازنة، بل يضعه في موقع الفاعل المركزي الذي تُختزل فيه صلاحيات الدعوة، والتعيين، والتفسير، والنقض، وحتى قرار الاستمرار أو الحل. هذا التركيز الشديد للسلطة لا يُعدّ خللًا تقنيًا، بل مؤشرًا واضحًا على أن المجلس لم يُصمَّم ليكون مؤسسة مستقلة عن الشخص الذي أطلقه، ولا إطارًا قابلًا للتوريث السياسي الطبيعي بين إدارات متعاقبة.
في العادة، تسعى المؤسسات الدولية إلى تقليص أثر تغير الأشخاص، عبر آليات توازن واستمرارية تضمن بقاء الإطار مهما تغيّرت القيادات. أما هنا، فنحن أمام منطق معاكس: المجلس يستمد فعاليته من قوة الشخصية التي تقوده، لا من استقلال بنيته. وبمجرد غياب هذه الشخصية، يفقد الإطار مبرر وجوده، أو على الأقل يفقد قدرته على فرض منطقه بنفس الزخم.
لكن ضعف قابلية الاستمرار لا يعني ضعف الوظيفة. على العكس، فإن هذا النوع من الأدوات السياسية غالبًا ما يكون مصممًا ليعمل بكثافة في زمن قصير، مستفيدًا من غياب القيود المؤسساتية، ومن قدرة الفاعل المركزي على تجاوز مسارات التوافق البطيء. هو مجلس يفكر بمنطق “الإنجاز خلال الولاية”، لا بمنطق التراكم عبر العقود.
من هنا، يمكن القول إن السؤال الحقيقي ليس: هل سيستمر مجلس السلام بعد ترامب؟
بل: هل صُمّم أصلًا ليستمر؟
والجواب، كما يوحي به الميثاق وبنية الحكم داخله، هو أن هذا المجلس أداة ظرفية، عالية التركيز، شديدة الارتباط بسياق سياسي محدد، تستمد قيمتها من قدرتها على إحداث اختراقات سريعة، لا من قدرتها على التحول إلى مؤسسة دائمة في النظام الدولي.
ثانيًا: هل تمتلك الدول اليوم القدرة الفعلية على معارضة هذا الإطار؟
إذا كان “مجلس السلام” قد صُمّم كأداة ظرفية مرتبطة بإرادة سياسية قوية، فإن السؤال التالي لا يتعلق بمواقف الدول منه، بقدر ما يتعلق بقدرتها الواقعية على معارضته. ففي سياق دولي يتسم بتراجع فعالية المؤسسات متعددة الأطراف، وبتصاعد منطق الاستقطاب بين قوى كبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة والصين، لم يعد الاحتجاج المبدئي أو الرفض الخطابي يعكس بالضرورة قدرة سياسية حقيقية.
العديد من الدول تجد نفسها اليوم أمام واقع دولي متشظٍّ، تتراجع فيه مظلة التوافق الدولي، وتزداد فيه شخصنة القرار داخل بعض القوى الكبرى. وفي هذا السياق، يصبح التعامل مع مبادرات مثل “مجلس السلام” أقل ارتباطًا بالقناعة، وأكثر ارتباطًا بميزان القدرة: قدرة الدولة على تحمّل كلفة المعارضة، وقدرتها على حماية مصالحها في حال اختارت الاصطفاف أو الحياد أو الانخراط المحسوب.
“تسونامي ترامب”، كما يوصف أحيانًا، لا يتمثل فقط في سياساته، بل في أسلوبه: مزاج سياسي متقلّب، قرارات سريعة، واستعداد دائم لتجاوز القنوات التقليدية. أمام هذا النمط من الفعل، لا تقف الدول جميعها على قدم المساواة. فالدول ذات الوزن الاستراتيجي المحدود، أو ذات الملفات الحساسة، تجد هامش مناورتها أضيق بكثير من قدرتها النظرية على الرفض.
من هنا، لا يمكن التعامل مع مسألة المعارضة أو القبول بوصفها خيارًا مبدئيًا واحدًا يصلح للجميع. إنها مسألة قدرة قبل أن تكون مسألة مصلحة، ومسألة موقع داخل النسق الدولي قبل أن تكون تعبيرًا عن موقف سياسي معلن.
ثالثًا: لماذا يشكل هذا الإطار، في لحظته الراهنة، فرصة محسوبة للمغرب؟
إذا كانت القدرة على معارضة “مجلس السلام” متفاوتة بين الدول، وتخضع لميزان القوة أكثر مما تخضع للمواقف المعلنة، فإن موقع المغرب داخل هذا النسق يختلف عن موقع العديد من الدول الأخرى. هذا الاختلاف لا يعود إلى قوة ذاتية مجردة، ولا إلى اصطفاف سياسي ظرفي، بل إلى مسار تراكمي سبق الإعلان عن هذا المجلس بسنوات.
فقضية الصحراء، باعتبارها أحد أقدم النزاعات المدرجة ضمن الأجندة الدولية، لم تعرف تحولًا نوعيًا إلا عندما انتقلت من منطق تدبير الزمن داخل البيروقراطية الأممية التقليدية، إلى منطق الحسم السياسي الواقعي. هذا التحول تُوّج بالاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء، وبتكريس مقترح الحكم الذاتي كحل جدي وواقعي، ثم بتثبيت هذا التوجه داخل الإطار الأممي نفسه، كما عكسه قرار مجلس الأمن رقم 2797، الذي أنهى عمليًا مرحلة الغموض، ووضع الملف في أفق الحل السياسي النهائي.
بهذا المعنى، لا يأتي “مجلس السلام” ليؤسس شرعية جديدة لقضية الصحراء، ولا ليخلق مسارًا بديلاً عنها، بل يظهر في لحظة تكون فيها الشرعية الدولية قد حُسمت داخل الإطار الأممي ذاته. ومن ثمّ، فإن أي دور محتمل لهذا المجلس — إن وُجد — لا يمكن أن يكون بديلاً عن المسار الأممي، ولا منصة سياسية بديلة لقضية وطنية محسومة، بل إطارًا مساعدًا، يقتصر دوره على تشجيع أعضائه على الانخراط العملي في هذا الواقع الجديد.
الانخراط المقصود هنا ليس خطابًا سياسيًا إضافيًا، بل مواقف ملموسة: فتح قنصليات في الأقاليم الجنوبية، إطلاق استثمارات مباشرة، والانتقال من الاعتراف السياسي إلى الاعتراف الاقتصادي والمؤسساتي بالوضع القائم. في هذا المستوى فقط يمكن أن يكون لأي إطار إضافي معنى، دون المساس بشرعية المسار الأممي أو محاولة القفز عليه.
من هذا المنظور، لا يدخل المغرب “مجلس السلام” بحثًا عن دعم أو تثبيت شرعية، بل بوصفه دولة راكمت مكتسباتها داخل النظام الدولي، وتتعامل مع هذه اللحظة بوصفها فرصة ظرفية لتعزيز ما تم حسمه، لا لإعادة التفاوض بشأنه. وهنا تكمن دقة الموقف: الاستفادة من الظرفية دون الارتهان لها، والتعامل مع الإطار دون تحويله إلى مرجعية.
خاتمة
ربما لا يعكس “مجلس السلام” تحولًا نهائيًا في بنية النظام الدولي، لكنه بكل تأكيد يعكس لحظة اختلال عميقة في توازناته، تُعاد فيها صياغة الأطر خارج البيروقراطية الأممية التقليدية، وبإرادة فاعل دولي شديد الحضور. في مثل هذه اللحظات، لا تُقاس مواقف الدول بنواياها، بل بقدرتها على إدارة موقعها داخل النسق، وحماية مكتسباتها دون مغامرة غير محسوبة.