عثمان بن شقرون
في اللحظة التي يُعاد فيها تشكيل هندسة العلاقات الدولية، تبرز مفارقة جيوسياسية كاشفة تتجاوز في أبعادها منطق المناكفات السياسية السطحية، لتضعنا أمام تضادّ بنيوي في أهلية التموضع العالمي؛ فبينما يترسخ موقع المغرب كـفاعل بنيوي متمثلاً في استدعائه من قبل الرئاسة الأمريكية ليكون طرفاً مؤسساً في «مجلس السلم العالمي»، نجد الجزائر تُستدعى إلى منصة دولية كـموضوع لمساءلة جنائية وإعلامية تتصدر التحقيقات العالمية. ليست هذه المقابلة حكماً أخلاقياً ولا مفاضلة معيارية بين دولتين، بل هي رصد لوضعيتين موضوعيتين داخل «رادار» المؤسسات الدولية والإعلام العالمي. إن التوسل بمفهوم «الاستدعاء» هنا يتيح فهم هذه المفارقة بعيداً عن منطق النوايا أو الانتماءات؛ فالاستدعاء فعل صادر عن بنية دولية أوسع تُصنف الفاعلين وفق أدوارهم الوظيفية. من يُدعى للمشاركة في الصياغة وإنتاج الحلول، ومن يُستحضر بوصفه موضوعاً للمساءلة. بهذا المعنى، لا يتعلق التحليل بما تقوله الدول عن نفسها، بل بما تُستدعى إليه فعلياً في لحظة محددة من تاريخ النظام الدولي الراهن.
إن مفهوم «الاستدعاء» بهذا المعنى يتجاوز التوصيف السياسي ليلتقي مع أعمق أطروحات فلسفة السلطة، حيث لا تُمارس القوة الدولية فقط عبر المواجهة الصلبة، بل عبر نظام الخطاب الذي يحدد موقع كل فاعل داخل البنية. ففي الوقت الذي يتم فيه استدعاء المغرب داخل خطاب إنتاج الاستقرار والمعرفة بالأزمات، مما يمنحه سلطة الفاعل الذي يمتلك حق المشاركة في صياغة الحقيقة الدولية كعضو مؤسس في محافل صناعة القرار العالمي؛ نجد أن الطرف الآخر يُستدعى داخل خطاب المساءلة والتحقيق، ليتحول إلى مجرد موضوع تُمارس عليه سلطة الفحص والتدقيق. إنها عملية تصنيف بنيوية تمنح أهلية الكلام لمن يندمج في تقنيات الإدارة الدولية الحديثة، وتنزعها عمن يظل رهين سرديات قديمة لم تعد تجد لها صدى في نظام يُعلي من قيمة الأداء الملموس على حساب الشعار الأيديولوجي.
يتجلى تموقع المغرب في هذه اللحظة بوصفه دولة وظيفية بالمعنى الجيوسياسي الحديث؛ وهي وضعية لا تشير إلى التبعية، بل إلى دولة تستمد مشروعيتها وقوتها من قدرتها على تقديم حلول بنيوية للأزمات، مما يحولها من مجرد رقم في الجغرافيا إلى شريك استراتيجي في صياغة القرار الدولي. فالاستدعاء كفاعل مؤسس في مبادرة أمريكية رفيعة المستوى ليس حدثاً معزولاً، بل نتيجة استثمار سياسي طويل الأمد في بناء الموثوقية، وتثبيت الحضور داخل المنصات متعددة الأطراف. هذا التحول يعكس انتقالاً من الدبلوماسية التقليدية القائمة على البلاغات السياسية، إلى دبلوماسية التأثير المؤسساتي التي تعمل على تحويل الوقائع إلى مكتسبات قانونية وإجرائية. في هذا الإطار، لا يُطرح ملف الصحراء بوصفه خطاباً سيادياً فحسب، بل كمسار اندماج قانوني داخل منظومة دولية، حيث تُقاس المواقف بمدى اتساقها مع قواعد الاشتغال المؤسساتي. إن شرعية الأداء هنا ليست نتاج خطاب تبريري، بل حصيلة قابلية الدولة لأن تكون شريكاً يُعوَّل عليه في إنتاج الاستقرار العالمي.
ولا ينفصل هذا الاستدعاء المؤسساتي رفيع المستوى عن النجاحات التي حققها المغرب في هندسة المشهد العام، حيث برز حدث تنظيم كأس الأمم الأفريقية تنظيماً عالمياً كعلامة فارقة نقلت التظاهرة من حيّز المجهول والغموض التنظيمي إلى العالمية. هذا الحدث لم يكن مجرد استعراض رياضي، بل كان تجسيداً لـلكفاءة التدبيرية التي أثبتت للنظام الدولي أهلية المغرب اللوجستية والأمنية لإدارة تظاهرات كبرى في بيئة إقليمية مضطربة. لقد قدم المغرب من خلال هذا التنظيم نموذجاً للريادة بالقدوة، مرسلاً رسالة قوة ناعمة مفادها أنه الجسر الذي يربط المعايير الدولية بالواقع الإقليمي، مما جعل من استدعائه كطرف صانع في مجالس السلم الدولية استدعاءً منطقياً تفرضه جودة الأداء والقدرة على السيطرة على المتغيرات.
على النقيض من هذا المسار، تبرز وضعية الجزائر كنموذج لتعثر الموقع الوظيفي وتآكله؛ فبينما يُستدعى الجار كشريك في الصياغة التأسيسية للنظام الدولي الجديد، تُستدعى الجزائر عبر منصات التحقيق الجنائي- الإعلامي، كما تجلى في التناول الإعلامي الفرنسي الأخير لملفات تتعلق بممارسات توصف بـإرهاب الدولة. هذا التموقع كموضوع للمساءلة يعكس أزمة بنيوية حادة؛ فعندما يوضع سلوك الدولة تحت مجهر القانون الدولي وقانون العقوبات، تسقط عنها هالة السيادة لتتحول إلى مادة للمختبر الحقوقي. في هذه الحالة، لا تعود الدولة قادرة على الدفاع عن رؤيتها للعالم، بل تصبح محاصرة في مربع الدفاع عن براءتها. هذا الاستدعاء الجنائي هو في جوهره نزع للأهلية السياسية، حيث تتحول الدولة في نظر النظام الدولي من لاعب مساهم إلى كيان يحتاج إلى احتواء أو مراقبة، مما يحول حضورها في المحافل الدولية إلى حضور دفاعي مشوب بالحذر.
إن هذا التباين الحاد في طبيعة «الاستدعاء» ينتج آثاراً جيوسياسية تعيد رسم خارطة النفوذ؛ فبينما يؤدي الاستدعاء كـفاعل مؤسس إلى تراكم النفوذ وتمكين النموذج الوظيفي الذي يصعب تجاوزه عند التخطيط لمستقبل الأمن العالمي، يؤدي الاستدعاء كـموضوع إلى عزلة ناتجة عن فجوة الموثوقية. فالدول والشركات الكبرى تتردد في بناء شراكات استراتيجية مع كيانات تقع تحت طائلة الشبهات الجنائية وإرهاب الدولة، مما يحول القوة الريعية إلى أداة للمقايضة اللحظية لا للبناء المستدام. في نهاية المطاف، تكشف هذه المفارقة أن السيادة في القرن الواحد والعشرين لم تعد تُؤخذ كحق جامد، بل تُستحق عبر الأداء؛ فالمستقبل ينحاز موضوعياً لمن يمتلك القدرة على أن يكون جزءاً من الحل وصياغة السلام، بينما يظل من يُستدعى كموضوع للمشكلة رهين أجندات المساءلة والتحجيم.