عبد الحي السملالي
في المشهد السياسي العربي، تتحول عبارات مثل "الأحزاب تجاوزها الزمن" إلى تعويذات لغوية تُردد للهروب من استحقاقات التشخيص الدقيق. الحوار المنشور مع الوزير السابق عبد العزيز رباح يمثل نموذجاً كاشفاً لهذه الحالة؛ حيث نجد أنفسنا أمام نص لا يقدم معرفة سياسية بقدر ما يقدم "أداءً خطابياً" يعكس عمق الفجوة بين النخبة والواقع.
1. النقد الانفصالي: المسؤولية بصيغة الغائب
يتبنى المتحدث لغة نقدية حادة تجاه الأحزاب والنخب، لكنه يمارس هذا النقد من موقع "المراقب الخارجي"، متناسياً مسيرته الطويلة في هرم السلطة والتنظيم الحزبي. هذا "التنصل من المسؤولية" يجعل التشخيص بلا أدوات؛ فاعتبار الأحزاب متجاوزة دون تقديم بديل تنظيمي أو تحليل لبنيتها المتآكلة، يحول النقد إلى مساحة آمنة لتبرئة الذات بدلاً من كونه محاولة حقيقية للإصلاح.
2. مفارقة "الرباح" و"بنكيران": بين القطيعة والارتباط
تبرز في ثنايا الحوار مقارنة ضمنية (وصريحة أحياناً) مع تجربة عبد الإله بنكيران. هنا نحن أمام نموذجين داخل نفس المدرسة السياسية:
* نموذج بنكيران: الذي اختار "الصمود" داخل الهيكل الحزبي، مراهناً على شرعية التاريخ والارتباط بالقاعدة، حتى وهو يواجه أزمات طاحنة. هو يرى في الحزب أداة لا يمكن الاستغناء عنها مهما تآكلت.
* نموذج رباح: الذي اختار "القطيعة" والبحث عن "وعاء مدني" جديد (مبادرة الوطن أولاً ودائماً).
هذه المقارنة تكشف عن أزمة عميقة؛ فبينما يصارع بنكيران للحفاظ على "المؤسسة" ولو كانت منهكة، يبشر رباح بـ "نهاية المؤسسة" الحزبية لصالح "المبادرة"، وهو خيار قد يُقرأ كهروب إلى الأمام أو محاولة للتطهر من إرث الهزيمة الانتخابية عبر تغيير اللافتة لا المنهج.
3. تكتيك التواري والظهور: الحوار كبالون اختبار
لا يمكن فصل توقيت هذا الحوار عن حالة "البيات الشتوي" التي دخلت فيها بعض الوجوه السياسية. إن خروج المتحدث بـ"لباس المجتمع المدني" ليس مجرد رغبة في التحليل، بل هو محاولة لإعادة تموضع استراتيجي. إنه "بالون اختبار" لقياس مدى تقبل الرأي العام لعودة هذه الوجوه بأسماء جديدة، بعيداً عن "حمولة الأزمة" التي التصقت بتجربتهم الحزبية السابقة، وهو ما يضع "المصداقية السياسية" لهذه المبادرات على المحك.
4. شعارات بلا هندسة: غياب البديل العملي
يفتقر الحوار تماماً لأي "تصور إجرائي". قضايا مثل "الجمع بين المال والسلطة" تُطرح كعناوين أخلاقية عامة، دون ملامسة ميكانزمات الحل. هنا تبرز أزمة النخبة: وعي حسي بوجود خلل، وعجز تقني عن هندسة المخرج. الخطاب هنا لا يبني، بل يكتفي بالرثاء وتوزيع الاتهامات على "الزمن" الذي تجاوز الجميع.
5. الاستثمار العاطفي واستقالة الوسيط الإعلامي
تعد جملة "لو أن الجزائر أنفقت على فلسطين ما أنفقته ضد المغرب لتحررت فلسطين" ذروة الانفعال السياسي، وهي تفتقر للقيمة التحليلية مقابل ثقلها السجالي. يرافق ذلك استقالة واضحة للمحور الصحفي، الذي تحول من "مسائل" يكشف التناقضات (مثل تناقض نقد الأحزاب من قبل رجل حزبي بامتياز) إلى "منصة" تمر عبرها الخطابات دون تمحيص، مما يفقد الحوار توتره المعرفي.
الخلاصة:
إن قيمة هذا الحوار تكمن في كونه "وثيقة إدانة" لطريقة تفكير النخبة الحالية. نحن لسنا فقط أمام "خطاب عن الأزمة"، بل نحن أمام "أزمة في الخطاب" نفسه؛ خطاب يكرر التشخيص، يهرب من المسؤولية، ويعجز عن إنتاج بدائل. وبدون الانتقال من "اللغو السياسي" إلى "المشاريع السياسية"، سيبقى المشهد يعيد إنتاج نفسه تحت مسميات جديدة.