بنسعيد الركيبي
لم يعد ممكنا التعامل مع النظام الدولي كما لو أنه فضاء عدالة محايدة تنتج الحلول ببطء حكيم، فالتجربة التاريخية منذ سبعين عاما تكشف أن القضايا العادلة كلما طال بقاؤها داخل البنية الأممية، زادت كلفة الإنتظار عليها وتقلصت فرص الحسم لصالحها. وخير دليل على ذلك القضية الفلسطينية التي تحولت داخل المنظومة الدولية، إلى ملف دائم النقاش والتدبير ، تتراكم حوله القرارات من دون أثر على الأرض. وقضية الصحراء المغربية التي غرقت في مساطر غامضة جعلت الشرعية الدولية مرادفا للتجميد بدل التسوية.
وفي هذا السياق يصبح البحث عن مسارات موازية، فعلا سياديا لا انزلاقا سياسيا. فالسياسة الدولية تحكمها القوة قبل النصوص القانونية، وتديرها موازين القوى والنفوذ قبل المبادئ. ومن يكتفي بالتموقع داخل مؤسسات عاجزة يختار طواعية موقع المتلقي لا الشريك.
إن القول بأن القانون الدولي يطبق بانتقائية هو توصيف لواقع ثابت، ذلك أن القواعد نفسها تتغير بحسب هوية من يخضع لها. والفيتو هو زر منظومة النظام العالمي الذي يتحكم فيه الكبار. ومن تم فإن التعامل البراغماتي مع مراكز القوة الكبرى يصبح حقا مشروعا للدول التي تسعى لحماية قضاياها العادلة من الاستنزاف الزمني.
ويندرج انخراط العرب في مجلس السلام الذي يقوده دونالد ترامب، داخل هذا الفهم الواقعي. إذا ما اعتبرناه محاولة للانتقال من موقع التوسل داخل مؤسسات مشلولة، إلى موقع التأثير داخل دوائر القرار الفعلي. وبالنسبة للمغرب تحديدا فإن ملف الصحراء يفرض هذا النوع من البراغماتية الصلبة، لأن السيادة لا تنتظر إجماعا دوليا كاملا، بقدر ما تحتاج إلى تثبيت وقائع سياسية تجعل التراجع عنها مكلفا. وهو ما حدث مع إدارة بايدن التي وجدت نفسها أمام أمر واقع لم تستطع المساس به، رغم كل محاولات التبخيس والتشويش ونزع الشرعية عنه.
وهذا الإختيار لا يقوم على تقديس الأشخاص، ولا على الرهان على زعيم بعينه، وإنما يحتاج إلى قراءة ثاقبة ودقيقة لكيفية اشتغال القوة في النظام الدولي. فإذا ما استعرضنا تاريخ التحولات الكبرى، نجد أنها قد فرضتها قرارات حاسمة، قادتها دول قوية وشخصيات تمتلك مفاتيح النفوذ.
ومن تم فإن الإقتراب من الكبار في عالم غير متكافئ لا يعني الارتهان لهم، بقدر ما يعني توظيف العلاقة معهم لخدمة مصالح واضحة ومحددة.
والموقف هنا لا يدعو إلى القطيعة مع الشرعية الدولية وهدم المؤسسات الأممية وإنما إلى كسر احتكارها لمسار الحل والتسوية. حتى يصبح الضغط من خارجها شرطا لتحريكها واستثمار العلاقة مع مراكز القوة رافعة لتعديل موازينها. وفي نظام دولي انتقائي يصبح الذكاء الديبلوماسي الاستراتيجي هو القدرة على التحرك بين النص والواقع وبين الشرعية والنفوذ، وتحويل اللحظة الدولية إلى فرصة سيادية مدروسة تحمي المصالح وتوسع هامش القرار.