إدريس الفينة: حين تتحول كرة القدم إلى خطاب دولة.. قراءة في بلاغ الديوان الملكي

إدريس الفينة: حين تتحول كرة القدم إلى خطاب دولة.. قراءة في بلاغ الديوان الملكي الملك محمد السادس

لم يكن البلاغ الصادر عن الديوان الملكي عقب اختتام كأس إفريقيا للأمم 2025 مجرد رسالة شكر بعد حدث رياضي ناجح، بل جاء كنص سياسي برسائل متعددة الابعاد.


فالبلاغ حرص على توسيع معنى النجاح، إذ لا ينسبه إلى لجان التنظيم أو المؤسسات وحدها، بل إلى «كافة مكونات الأمة». هذا الاختيار يؤسس لفكرة محورية مفادها أن ما تحقق في هذه الدورة لم يكن إنجازًا تقنيًا معزولًا، بل ثمرة تعبئة جماعية شملت المواطن، والمدينة، والبنية التحتية، والصورة العامة للدولة.


هناك ربط واضح بين الأداء الرياضي والسياسات العمومية، حين يشير إلى بلوغ المنتخب الوطني المرتبة الثامنة عالميًا باعتباره نتيجة «سياسة إرادية عالية الطموح» في مجال الرياضة والبنيات التحتية. هنا تُستعاد كرة القدم كنتاج للتخطيط والاستثمار طويل الأمد، لا كمحطة عابرة. إنها رسالة مفادها ان النتائج الكبرى لا تُصنع في الملاعب فقط، بل في القرار العمومي والرؤية الاستراتيجية.


كما تم التاكيد على الأهمية الخاصة لمغاربة العالم، ليس فقط بوصفهم لاعبين موهوبين، بل باعتبارهم تعبيرًا عن نموذج وطني جامع، استطاع أن يحوّل الانتماء المتعدد إلى قوة رمزية ورياضية. هذا البعد يعكس تصورًا سياديًا للهوية المغربية، القادرة على استيعاب الامتداد العالمي دون فقدان العمق الوطني.


وعند تقييم البطولة، فان التاكيد على  النجاح التنظيمي الباهر هو جزء من ماهو اكبر، حيث تم تقديم «كان 2025» كاختبار تنموي شامل، مكّن من قياس الطفرة النوعية التي حققتها المملكة، وتسويق نموذج مغربي يضع المواطن في صلب كل الطموحات. هكذا تتحول الملاعب إلى واجهة لخيارات تنموية أوسع، ويتحول الحدث الرياضي إلى مرآة للدولة.


الأحداث المؤسفة التي عرفتها نهاية المباراة النهائية جاءت بلغة تهدئة واضحة، تعترف بالوقائع دون تضخيمها، وتدعو إلى تجاوز الانفعال لصالح روابط الأخوة الإفريقية. الرهان لم يكن تسجيل موقف انفعالي، بل منع حادث رياضي من التحول إلى شرخ دائم بين الشعوب.


وفي مواجهة محاولات التشهير، يختار البلاغ خطاب الثقة بدل الدفاع، مؤكدًا وعي الشعب المغربي وقدرته على التمييز، ومجددًا الإيمان بعمق الروابط الإفريقية التي لا تهزها الحملات العابرة.


فالبلاغ لا يوثق  لنجاح بطولة فحسب، بل يقدّم درسًا في كيفية تحويل حدث رياضي إلى لحظة سيادية، وفي كيف تنتصر الدولة بهدوء وتقود دون استعراض. وهي مقاربة تنسجم مع رؤية جلالة الملك محمد السادس لدولة واثقة من نفسها، راسخة في محيطها الإفريقي، وتدرك أن القوة الحقيقية تكمن في وضوح الرؤية والنتائج الملموسة على ارض الواقع.