مولاي بوبكر حمداني
لا شك أن اهتمام المملكة المغربية بالبناء المعماري للسلم والأمن الدوليين، في مشرقه العربي وعمقه الإفريقي، يسبق بكثير تشكل الأطر التنظيمية الراهنة للمنظمات الدولية والقارية المعاصرة، إذ أن الروابط الجيوسياسية والروحية التي جمعت سلاطين المغرب بالقدس الشريف، والتحالفات التاريخية التي ربطت ضفتي المحيط الأطلسي منذ اعتراف المغرب باستقلال الولايات المتحدة كأول دولة في العالم، تدل على أن الدور المغربي في صناعة التوازن الدولي قد سبق نشوء مفاهيم "الدبلوماسية التعاقدية" بقرون طويلة، وقد أكدت العقيدة الدبلوماسية المغربية المعاصرة، تحت قيادة الملك محمد السادس، على هذا الترابط العضوي عندما اعتبرت أن المغرب لا يعيش في معزل عن محيطه بل هو فاعل مؤشر يتفاعل مع الأزمات الإقليمية بمنطق الجزء مع الكل، وهي حقيقة ثابتة تظهرها دراسة التاريخ المغربي الذي لم ينفصل يوماً عن تفاعلات البحر المتوسط أو امتدادات الساحل والصحراء، ثم جاءت رئاسة لجنة القدس لتصنع لهذا الدور ثوباً جديداً من الفكر الوجداني الروحي والسياسي الملتزم بقضايا الأمة والقائم على الشرعية الدولية.
وفي إطار هذا الزخم الدبلوماسي شهد يوم الإثنين 19 يناير 2026 منعطفاً تاريخياً، حيث توصل صاحب الجلالة الملك محمد السادس، بصفته رئيساً لجنة القدس، بدعوة رسمية من فخامة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للانضمام كعضو مؤسس لـ "مجلس السلام"، وهي المبادرة التي أطلقها البيت الأبيض لاعتماد مقاربة جديدة في تسوية النزاعات العالمية وتكريس الاستقرار في الشرق الأوسط، وقد جاء رد جلالة الملك بالإيجاب على هذه الدعوة، مشيداً برؤية الرئيس ترامب، وهو الرد الذي عكس اعتراف القوى العظمى بالقيادة المستنيرة لجلالته وبمكانته كفاعل دولي لا محيد عنه في صناعة السلام، ويتجاوز هذا الانضمام مجرد البروتوكول السياسي ليشكل تحالفاً دولياً تحت شكل "منظمة دولية" تطمح لإرساء الحكامة وضمان سلام مستدام عبر التعاون العملي والشراكات الموجهة نحو النتائج الملموسة، خاصة وأن المشاركة في هذا المجلس تقتصر على مجموعة محدودة وحصرية من الزعماء البارزين المنخرطين في بناء مستقبل آمن للأجيال القادمة، مما يضع المغرب في مرتبة "الشريك الصانع" للقرار الدولي وليس مجرد مستهلك للأمن الإقليمي.
ولم تقف الدبلوماسية المغربية عند حدود القبول المبدئي، بل انتقلت بسرعة لافتة إلى مرحلة التنفيذ القانوني والمؤسساتي، ففي يوم الخميس 22 يناير 2026، وتنفيذاً للتعليمات الملكية السامية، قام وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة، على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس في سويسرا، بالتوقيع الرسمي على الميثاق التأسيسي لمجلس السلام في حفل ترأسه الرئيس ترامب، وكان لافتاً أن المغرب ومملكة البحرين كانا أول بلدين يوقعان على هذا الميثاق، مما سمح للرئيس الأمريكي بإعلان دخوله حيز التنفيذ رسمياً، إيذاناً بانطلاق مرحلة جديدة من "الدبلوماسية المبادرة"، وقد جرى هذا التوقيع وسط حضور دولي رفيع ضم نحو 20 من رؤساء الدول والحكومات، من بينهم قادة تركيا والمملكة العربية السعودية ومصر وإندونيسيا والأرجنتين، مما يعطي لهذا المجلس زخماً عالمياً يتجاوز المحاور التقليدية ويؤسس لكتلة دولية وازنة يقودها المغرب في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وهو ما يعزز الثقة الدولية في الدور المغربي كصمام أمان جيوسياسي.
وفي ذات السياق رحبت المملكة المغربية بإطلاق المرحلة الثانية من مخطط السلام الشامل وبإحداث "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" كهيئة انتقالية مؤقتة، وهو موقف ينم عن براغماتية مغربية تسعى لملء الفراغ الناجم عن غياب الأطر النظامية في المناطق المتضررة وحماية المدنيين، مع الحفاظ الصارم على الثوابت الوطنية والقومية، فقد جدد المغرب، في صلب انخراطه في هذا المجلس، التزامه الثابت بسلام عادل وشامل يمكن من إقامة دولة فلسطينية في حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، تعيش جنباً إلى جنب مع إسرائيل، هذا الموقف يجسد قدرة المغرب على المزاوجة بين "الواقعية السياسية" التي تفرضها التحالفات مع واشنطن، وبين "الشرعية الأخلاقية" المرتبطة برئاسة لجنة القدس، مما يجعله الطرف الوحيد القادر على لعب دور الوسيط الموثوق في مجلس السلام، والمساهمة في تحويل الرؤية الأمريكية إلى خطط عمل تحترم الخصوصيات التاريخية والحقوق المشروعة للشعوب.
وعلى صعيد موازٍ وفيما كانت الدبلوماسية المغربية تشيد صروح تحالفاتها الدولية في دافوس، كانت تخوض معركة "الشرعية" داخل أروقة وهياكل الاتحاد الإفريقي للظفر بمقعد شمال إفريقيا في مجلس السلم والأمن للفترة (2026-2028)، وهذا المسار يمثل دفاعاً مستميتاً عن الوحدة الترابية للمملكة، حيث تسمح العضوية في هذا الجهاز التقريري الأهم بإجهاض أي مناورات لخصوم الوحدة الترابية من داخل مؤسسات الاتحاد، وتوجيه العقيدة الأمنية الإفريقية بعيداً عن التدخل في النزاعات المعروضة على الأمم المتحدة، وتتجلى أهمية هذه المعركة في كون انتخابات فبراير 2026 تشهد سابقة بتقديم جبهة البوليساريو ترشيحها لنفس المقعد، مما يًحول التصويت إلى استفتاء سياسي وتكسير عظام دبلوماسي يتطلب من المغرب حشد ثلثي الأصوات في ظل تعقيدات التوافق الإقليمي بمنطقة شمال إفريقيا المعروفة بضعف التنسيق البيني، وهو ما يبرر أهمية المكانة الدولية التي حازها المغرب عبر "مجلس السلام" لتعزيز موقفه القاري.
إن الربط بين المسار الأمريكي في دافوس والمسار الإفريقي في أديس أبابا يظهر بجلاء أسلوب "وحدة الهدف ووحدة العمل" في الدبلوماسية المغربية، حيث يسعى المغرب لتعزيز "الضمان الجماعي" سواء في إطار مجلس السلام الدولي أو من خلال مجلس السلم والأمن الإفريقي، وقد نجحت الدبلوماسية المغربية في إبراز أن انخراطها في الأحلاف الدولية المحدودة والحصرية لا يعني قط التخلي عن مبادئها، بل هو وسيلة لتحقيق غايات أسمى وتأكيداً على حقيقة أن المغرب لم يعد يرضى بغير "الدور القيادي"، وكما أن القوى العظمى أدركت أن المغرب فاعل لا محيد عنه، فإن الدول الإفريقية أصبحت تلمس في الحضور المغربي داخل مجلس السلم والأمن ضمانة لاستقلالية القرار القاري بعيداً عن الأيديولوجيات المتجاوزة، وهو ما يعزز الريادة الافريقية للمملكة ويجعل من انضمامها لمجلس السلام قوة دفع لمكانتها في القارة السمراء.
وفى ظل هذه التطورات لم يهدأ خصوم المغرب في محاولاتهم لعزل المملكة، إلا أن الرد المغربي كان دائماً يأتي في صورة "دبلوماسية التضامن الفاعل" والمشاريع الاستراتيجية التي تجعل من المغرب ركيزة لا يمكن تجاوزها في نظام دولي في طور التشكل، إن الروح المغربية كانت لها الغلبة دائماً، سواء في الوساطات الهادئة أو في الدفاع المستمر عن المقدسات، مما أكد للرأي العام العالمي أن المغرب قوة توازنية لا تختلف في طموحها عن الحركات التكاملية الكبرى في أوروبا وأمريكا، وبذلك، فإن انضمام المغرب لمجلس السلام الأمريكي وتنافسه في الاتحاد الإفريقي هما وجهان لعملة واحدة هي "عقيدة التموقع الدولي النافع"، التي ترفض سياسة المقاعد الشاغرة وتؤمن بأن التأثير في المستقبل يبدأ من الجلوس على طاولة صناعة القرار، محققة بذلك نبوءة النهضة الدبلوماسية المغربية التي أصبحت عملاً ملموساً بعد أن كانت رؤية استراتيجية بعيدة المدى، لتظل السيادة الوطنية هي البوصلة والقيادة الملكية هي الضامن في مهب التحولات الكبرى.
الدكتور مولاي بوبكر حمداني رئيس مركز التفكير الاستراتيجي والدفاع عن الديمقراطية