قصة العلم الوطني الذي وحد المغاربة

قصة العلم الوطني الذي وحد المغاربة العلم المغربي: تاريخ، رمزية، هوية، ووحدة وطنية...

لا‭ ‬تكمن‭ ‬قوة‭ ‬العلم‭ ‬المغربي‭ ‬في‭ ‬رمزيته‭ ‬الرسمية‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬مجال‭ ‬الدولة‭ ‬إلى‭ ‬مجال‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭. ‬فهو‭ ‬حاضر‭ ‬في‭ ‬الاحتفالات‭ ‬والاحتجاجات،‭ ‬وفي‭ ‬المناسبات‭ ‬العامة،‭ ‬وفي‭ ‬الأعياد‭ ‬الوطنية،‭ ‬وفي‭ ‬تفاصيل‭ ‬المشهد‭ ‬الحضري‭ ‬البسيطة،‭ ‬حيث‭ ‬يعلّق‭ ‬على‭ ‬الشرفات،‭ ‬وعلى‭ ‬أبواب‭ ‬الإدارات‭ ‬العمومية،‭ ‬ويرسم‭ ‬على‭ ‬الجدران،‭ ‬ويحمل‭ ‬في‭ ‬المسيرات،‭ ‬وأيضا‭ ‬في‭ ‬ملاعب‭ ‬الكرة،‭ ‬إذ‭ ‬يتيح‭ ‬للأفراد‭ ‬إحساسا‭ ‬مؤقتا‭ ‬بالذوبان‭ ‬في‭ ‬كيان‭ ‬أوسع،‭ ‬خاصة‭ ‬أن‭ ‬المغرب‭ ‬بلد‭ ‬تعددي‭ ‬في‭ ‬لغاته‭ ‬وثقافاته‭ ‬وامتداداته‭ ‬الجغرافية‭.‬
وتبعا‭ ‬لذلك،‭ ‬فالالتفاف‭ ‬حول‭ ‬العلم‭ ‬يكشف‭ ‬وجود‭ ‬مركز‭ ‬رمزي‭ ‬مشترك‭ ‬لا‭ ‬يلغي‭ ‬الأطراف‭ ‬بل‭ ‬يمنحها‭ ‬قابلية‭ ‬الانتظام‭ ‬في‭ ‬سردية‭ ‬وطنية‭ ‬أوسع،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يعكسه‭ ‬استدعاء‭ ‬العلم‭ ‬في‭ ‬لحظات‭ ‬التوتر‭ ‬الاجتماعي‭ ‬أو‭ ‬السياسي‭ ‬بوصفه‭ ‬مرجعا‭ ‬أعلى‭ ‬يذكّر‭ ‬بوجود‭ ‬أرضية‭ ‬رمزية‭ ‬مشتركة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاوزها‭ ‬بسهولة،‭ ‬بل‭ ‬يذكر‭ ‬بأن‭ ‬المعارضة‭ ‬جزء‭ ‬لا‭ ‬يتجزأ‭ ‬من‭ ‬الدولة‭ ‬نفسها‭. ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬ظلت‭ ‬الأعلام‭ ‬موضوعا‭ ‬للصراع‭ ‬والتقديس‭ ‬معا،‭ ‬ذلك‭ ‬أنها‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬اللحظات‭ ‬التاريخية‭ ‬تختزل‭ ‬سؤالا‭ ‬كبيرا:‭ ‬من‭ ‬يملك‭ ‬حق‭ ‬تمثيل‭ ‬الجماعة؟‭ ‬ومن‭ ‬يحدد‭ ‬شكل‭ ‬هذا‭ ‬التمثيل؟‭ 

التحول‭ ‬الجذري‭ ‬للعلم

تاريخيا،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬فهم‭ ‬تحولات‭ ‬العلم‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬تحولات‭ ‬الدولة‭ ‬نفسها،‭ ‬لأن‭ ‬العلم‭ ‬كان‭ ‬دائما‭ ‬رمزا‭ ‬من‭ ‬رموز‭ ‬الصراع‭ ‬على‭ ‬الشرعية،‭ ‬وأداة‭ ‬لإنتاجها‭ ‬وتثبيتها‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬الجماعي‭. ‬ففي‭ ‬البدايات‭ ‬الأولى،‭ ‬حين‭ ‬كان‭ ‬المجال‭ ‬المغربي‭ ‬موزعا‭ ‬بين‭ ‬قوى‭ ‬محلية‭ ‬متجاورة،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬هناك‭ ‬راية‭ ‬جامعة‭ ‬ولا‭ ‬رمز‭ ‬مركزي‭. ‬إذ‭ ‬تعددت‭ ‬الألوان‭ ‬وتكاثرت‭ ‬الأشكال‭ ‬بتعدد‭ ‬الإمارات‭ ‬والقبائل‭ ‬والمرجعيات‭ ‬الدينية‭. ‬كتاب‭ ‬محمد‭ ‬نبيل‭ ‬ملين‭ ‬الباحث‭ ‬بالمركز‭ ‬الوطني‭ ‬للبحث‭ ‬العلمي‭ ‬بفرنسا،‭ ‬«أعلام‭ ‬ورايات‭ ‬المغرب‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل»‭ ‬يشرح‭ ‬لنا‭ ‬التحولات‭ ‬التي‭ ‬عرفها‭ ‬العلم‭ ‬بالمغرب‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬التحول‭ ‬الجذري‭  ‬للراية‭ ‬بدأ‭ ‬مع‭ ‬قيام‭ ‬الدولة‭ ‬المرابطية،‭ ‬حيث‭ ‬ظهرت،‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬في‭ ‬المغرب،‭ ‬سلطة‭ ‬مركزية‭ ‬واسعة‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬احتكار‭ ‬المجال‭ ‬السياسي‭ ‬والديني‭ ‬معا،‭ ‬وتحتاج‭ ‬بالتالي‭ ‬إلى‭ ‬رمز‭ ‬يختزل‭ ‬هذا‭ ‬الاحتكار،‭ ‬مما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬العلم‭ ‬أصبح‭ ‬شارة‭ ‬سيادة‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالحكم‭ ‬ذاته‭. ‬ارتبط‭ ‬اللون‭ ‬الأسود‭ ‬والرايات‭ ‬المصاحبة‭ ‬له‭ ‬باعتراف‭ ‬خارجي‭ ‬وبمشروع‭ ‬سياسي‭ ‬يتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬القبيلة‭ ‬والمدينة،‭ ‬ليؤسس‭ ‬لفكرة‭ ‬السلطة‭ ‬المؤسسية‭ ‬التي‭ ‬تستمر‭ ‬رغم‭ ‬تغير‭ ‬الحكام‭. ‬
بيد‭ ‬أن‭ ‬التحول‭ ‬الأعمق‭ ‬جاء‭ ‬مع‭ ‬الموحدين،‭ ‬الذين‭ ‬نقلوا‭ ‬الراية‭ ‬من‭ ‬مستوى‭ ‬السيادة‭ ‬السياسية‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬القداسة‭ ‬شبه‭ ‬المطلقة‭. ‬إذ‭ ‬صارت‭ ‬الراية،‭ ‬في‭ ‬عهدهم،‭ ‬تجسيدا‭ ‬لعقيدة،‭ ‬وترجمة‭ ‬بصرية‭ ‬لمشروع‭ ‬ديني‭ ‬شامل‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬نفسه‭ ‬إصلاحا‭ ‬نهائيا‭ ‬للإسلام‭ ‬وللعالم‭. ‬حيث‭ ‬أصبح‭ ‬العلم‭ ‬الأبيض‭ ‬الضخم‭ ‬محور‭ ‬الطقوس‭ ‬الرسمية،‭ ‬إذ‭ ‬يتم‭ ‬حمله‭ ‬في‭ ‬المواكب،‭ ‬كما‭ ‬يرفع‭ ‬في‭ ‬الاحتفالات‭ ‬الكبرى،‭ ‬وتنسج‭ ‬عليه‭ ‬الآيات‭ ‬والأدعية‭ ‬والرموز‭ ‬الهندسية‭ ‬ذات‭ ‬الدلالات‭ ‬الكونية‭. ‬
ومع‭ ‬انحسار‭ ‬الدولة‭ ‬الموحدية،‭ ‬حافظ‭ ‬المرينيون،‭ ‬رغم‭ ‬اختلاف‭ ‬مشروعهم‭ ‬السياسي،‭ ‬على‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الطقوس‭ ‬والعلامات‭ ‬السابقة،‭ ‬إذ‭ ‬استمر‭ ‬العلم‭ ‬الأبيض‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬الحضور،‭ ‬واستمرت‭ ‬الكتابات‭ ‬القرآنية‭ ‬والزخارف‭ ‬الدقيقة‭ ‬في‭ ‬تأكيد‭ ‬الصلة‭ ‬بين‭ ‬الحكم‭ ‬والمقدس‭. ‬بيد‭ ‬أنه،‭ ‬ومع‭ ‬مجيء‭ ‬السعديين،‭ ‬عاد‭ ‬العلم‭ ‬ليكتسب‭ ‬بعدا‭ ‬توسعيا‭ ‬واضحا،‭ ‬خصوصا‭ ‬بعد‭ ‬الانتصارات‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬غذّت‭ ‬حلم‭ ‬الخلافة‭ ‬الغربية‭. ‬إذ‭ ‬صار‭ ‬رفع‭ ‬الراية‭ ‬البيضاء‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬القوى‭ ‬العثمانية‭ ‬إعلانا‭ ‬رمزيا‭ ‬عن‭ ‬الاستقلال‭ ‬والسيادة‭.‬
‭ ‬ومع‭ ‬تفكك‭ ‬الدولة‭ ‬السعدية‭ ‬وصعود‭ ‬العلويين،‭ ‬تغيرت‭ ‬طبيعة‭ ‬الشرعية،‭ ‬وتغير‭ ‬معها‭ ‬الرمز،‭ ‬فبرز‭ ‬اللون‭ ‬الأخضر‭ ‬بوصفه‭ ‬حاملا‭ ‬لشرعية‭ ‬جديدة‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬النسب‭ ‬الشريف،‭ ‬أي‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أكثر‭ ‬رسوخا‭ ‬في‭ ‬المخيال‭ ‬الديني‭ ‬الشعبي‭.‬
ودخل‭ ‬العلم،‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬في‭ ‬منعطف‭ ‬آخر‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدا‭. ‬فمع‭ ‬فرض‭ ‬الحماية،‭ ‬أصبح‭ ‬العلم‭ ‬موضوع‭ ‬تفاوض‭ ‬وضغط‭ ‬وتدبير‭ ‬استعماري‭. ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬اختيار‭ ‬العلم‭ ‬الأحمر‭ ‬تتوسطه‭ ‬نجمة‭ ‬خضراء‭ ‬كان‭ ‬لحظة‭ ‬إعادة‭ ‬تعريف‭ ‬للرمز‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬دولة‭ ‬منقوصة‭ ‬السيادة‭. ‬ومنذ‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة،‭ ‬بدأ‭ ‬العلم‭ ‬يكتسب‭ ‬معنى‭ ‬وطنيا‭ ‬حديثا،‭ ‬لا‭ ‬يقوم‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬السلطة،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬فكرة‭ ‬الأمة‭ ‬الناشئة‭.‬

 

العلم‭ ‬من‭ ‬القصر‭ ‬إلى‭ ‬الشارع

ومع‭ ‬صعود‭ ‬الحركة‭ ‬الوطنية،‭ ‬وخاصة‭ ‬مع‭ ‬بروز‭ ‬“لجان‭ ‬التزيين”،‭ ‬خرج‭ ‬العلم‭ ‬من‭ ‬القصر‭ ‬إلى‭ ‬الشارع‭. ‬إذ‭ ‬صار‭ ‬يحمل‭ ‬في‭ ‬المظاهرات‭ ‬ضد‭ ‬المستعمر‭ ‬الفرنسي،‭ ‬ويرفع‭ ‬في‭ ‬الاجتماعات‭ ‬السرية‭ ‬والعلنية،‭ ‬ويتحول‭ ‬إلى‭ ‬لغة‭ ‬مشتركة‭ ‬بين‭ ‬النخبة‭ ‬الوطنية‭ ‬والجماهير‭. ‬وبعد‭ ‬الاستقلال،‭ ‬تم‭ ‬تكريس‭ ‬هذا‭ ‬المنحى‭ ‬قانونيا‭ ‬ودستوريا‭.‬
وتبعا‭ ‬لذلك،‭ ‬يؤكد‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬الطويل‭ ‬أن‭ ‬تاريخ‭ ‬العلم‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬العمق‭ ‬تاريخ‭ ‬الدولة‭ ‬نفسها،‭ ‬إذ‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬تحول‭ ‬في‭ ‬الراية‭ ‬كان‭ ‬يعكس‭ ‬تحولا‭ ‬في‭ ‬تصور‭ ‬السلطة‭ ‬لذاتها‭ ‬وفي‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬يراه‭ ‬الآخرون‭ ‬بها،‭ ‬مما‭ ‬يعني‭ ‬أنه‭ ‬أصبح‭ ‬قوة‭ ‬رمزية‭. ‬غير‭ ‬محايدة‭ ‬تماما‭. ‬
في‭ ‬المحصلة،‭ ‬يمكن‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬العلم‭ ‬المغربي‭ ‬بوصفه‭ ‬نصا‭ ‬بصريا‭ ‬مفتوحا،‭ ‬يعاد‭ ‬تأويله‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬جيل،‭ ‬وتضاف‭ ‬إلى‭ ‬معانيه‭ ‬طبقات‭ ‬جديدة‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تمحى‭ ‬القديمة‭. ‬إنه‭ ‬سجل‭ ‬غير‭ ‬مكتوب‭ ‬لتحولات‭ ‬الدولة،‭ ‬ومرآة‭ ‬مكثفة‭ ‬لتصور‭ ‬المغاربة‭ ‬لذاتهم‭ ‬داخل‭ ‬التاريخ‭. ‬
وتأسيسا‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬حضور‭ ‬العلم‭ ‬المتكرر‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬العام،‭ ‬وفي‭ ‬الطقوس‭ ‬الرسمية،‭ ‬وفي‭ ‬اللحظات‭ ‬التاريخية‭ ‬الحاسمة،‭ ‬جعله‭ ‬يتحول‭ ‬تدريجيا‭ ‬إلى‭ ‬كيان‭ ‬ثقافي‭ ‬حي،‭ ‬كما‭ ‬تترجم‭ ‬ذلك‭ ‬بنيته‭ ‬البصرية‭ ‬البسيطة‭. ‬فالأحمر‭ ‬لون‭ ‬واسع‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬السياسية‭ ‬المغربية،‭ ‬ارتبط‭ ‬طويلا‭ ‬بالسيادة‭ ‬وبالشرعية‭ ‬وبمفهوم‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬الأرض،‭ ‬حتى‭ ‬صار‭ ‬أشبه‭ ‬بخلفية‭ ‬تاريخية‭ ‬صامتة‭ ‬لكل‭ ‬ما‭ ‬تمثله‭ ‬الدولة‭ ‬من‭ ‬استمرار‭ ‬وهيبة‭. ‬أما‭ ‬النجمة‭ ‬الخماسية‭ ‬الخضراء،‭ ‬فتمنح‭ ‬هذا‭ ‬الامتداد‭ ‬الصارم‭ ‬بعدا‭ ‬آخر،‭ ‬أكثر‭ ‬هدوءا‭ ‬وتجريدا،‭ ‬يستمد‭ ‬دلالته‭ ‬من‭ ‬الثقافة‭ ‬الروحية‭ ‬الإسلامية‭ ‬ومن‭ ‬الرموز‭ ‬الهندسية‭ ‬القديمة‭ ‬التي‭ ‬ربطت‭ ‬الشكل‭ ‬بالتوازن‭ ‬والنظام‭ ‬والحماية‭ ‬والتوحيد‭. ‬
وتبرز‭ ‬أولى‭ ‬وظائفه‭ ‬التوحيدية‭ ‬في‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬اختزال‭ ‬المجال‭ ‬الترابي‭ ‬الواسع‭ ‬والمتنوع‭ ‬في‭ ‬علامة‭ ‬واحدة‭. ‬فالأقاليم‭ ‬والجهات،‭ ‬بما‭ ‬تحمله‭ ‬من‭ ‬اختلاف‭ ‬في‭ ‬المناخ‭ ‬واللغة‭ ‬والعادات‭ ‬والتاريخ‭ ‬المحلي،‭ ‬تجد‭ ‬نفسها‭ ‬ممثلة‭ ‬داخل‭ ‬قماشة‭ ‬واحدة‭ ‬ترفرف‭ ‬فوقها‭ ‬جميعا‭. ‬
ويؤدي‭ ‬العلم‭ ‬الوظيفة‭ ‬نفسها‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الزمن،‭ ‬إذ‭ ‬يجمع‭ ‬في‭ ‬رمزيته‭ ‬طبقات‭ ‬متراكمة‭ ‬من‭ ‬التاريخ‭ ‬المغربي،‭ ‬من‭ ‬الدولة‭ ‬السلطانية‭ ‬القديمة‭ ‬إلى‭ ‬زمن‭ ‬الحماية،‭ ‬ومن‭ ‬الحركة‭ ‬الوطنية‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬الدولة‭ ‬الحديثة‭. ‬هذه‭ ‬الفترات‭ ‬المختلفة،‭ ‬بما‭ ‬تحمله‭ ‬من‭ ‬انقطاعات‭ ‬وصراعات‭ ‬وتحوّلات،‭ ‬تذوب‭ ‬داخل‭ ‬سردية‭ ‬رمزية‭ ‬واحدة،‭ ‬يصبح‭ ‬فيها‭ ‬العلم‭ ‬أشبه‭ ‬بخيط‭ ‬يربط‭ ‬الماضي‭ ‬بالحاضر،‭ ‬ويمنح‭ ‬الجماعة‭ ‬شعورا‭ ‬بالاستمرارية‭ ‬رغم‭ ‬التغيرات‭ ‬العميقة‭ ‬التي‭ ‬عرفتها‭ ‬بنيات‭ ‬الحكم‭ ‬والمجتمع‭.‬
ولا‭ ‬تقل‭ ‬وظيفته‭ ‬التوحيدية‭ ‬أهمية‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الثقافي‭. ‬فالمغرب،‭ ‬بتعدده‭ ‬اللغوي‭ ‬والإثني‭ ‬والجهوي،‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬رمز‭ ‬لا‭ ‬يلغي‭ ‬هذا‭ ‬التنوع‭ ‬ولا‭ ‬يختزله،‭ ‬بل‭ ‬يضعه‭ ‬داخل‭ ‬إطار‭ ‬جامع‭. ‬هنا‭ ‬يشتغل‭ ‬العلم‭ ‬بوصفه‭ ‬سقفا‭ ‬رمزيا‭ ‬مشتركا،‭ ‬تنصهر‭ ‬تحته‭ ‬الأمازيغية‭ ‬والعربية‭ ‬والصحراوية‭ ‬وبقية‭ ‬التعبيرات‭ ‬الثقافية‭ ‬الأخرى،‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬التعدد‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬تعريف‭ ‬الوحدة‭.‬

 

العلم‭ ‬بين‭ ‬العاطفة‭ ‬والسياسة

وتتجلى‭ ‬هذه‭ ‬الوحدة‭ ‬كذلك‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الوجداني‭. ‬ففي‭ ‬لحظات‭ ‬الفرح‭ ‬أو‭ ‬القلق‭ ‬أو‭ ‬الحداد‭ ‬أو‭ ‬التحول‭ ‬السياسي،‭ ‬يتحول‭ ‬العلم‭ ‬إلى‭ ‬نقطة‭ ‬تركيز‭ ‬عاطفية‭ ‬مشتركة،‭ ‬تلتقي‭ ‬عندها‭ ‬المشاعر‭ ‬الفردية‭ ‬المختلفة‭. ‬إذ‭ ‬يرفع‭ ‬في‭ ‬الاحتفالات‭ ‬الكبرى،‭ ‬ويحاط‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬المآتم‭ ‬الوطنية،‭ ‬ويستدعى‭ ‬في‭ ‬الأزمات‭ ‬بوصفه‭ ‬علامة‭ ‬على‭ ‬التماسك‭. ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬اللحظات،‭ ‬يغادر‭ ‬المجال‭ ‬السياسي‭ ‬الصرف‭ ‬لينتقل‭ ‬إلى‭ ‬المجال‭ ‬العاطفي،‭ ‬فيصير‭ ‬وسيطا‭ ‬صامتا‭ ‬بين‭ ‬التجربة‭ ‬الخاصة‭ ‬والمعنى‭ ‬العام‭.‬
ولا‭ ‬يتوقف‭ ‬أثره‭ ‬التوحيدي‭ ‬عند‭ ‬الداخل‭ ‬المغربي،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬الخارج،‭ ‬حيث‭ ‬يؤدي‭ ‬العلم‭ ‬وظيفة‭ ‬تلخيص‭ ‬صورة‭ ‬المغرب‭ ‬في‭ ‬علامة‭ ‬بصرية‭ ‬عالمية‭ ‬واحدة‭ ‬قابلة‭ ‬للتعرّف‭ ‬الفوري:‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية،‭ ‬وفي‭ ‬التمثيل‭ ‬الدبلوماسي،‭ ‬وفي‭ ‬اللقاءات‭ ‬الكبرى‭. ‬ومعنى‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬رفع‭ ‬العلم‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الدولي‭ ‬اعتراف،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬إنزال‭ ‬له‭ ‬أو‭ ‬تمزيقه‭ ‬أو‭ ‬حرقه‭ ‬هو‭ ‬إهانة‭ ‬وإنكار‭ ‬للوجود‭ ‬والشرعية،‭ ‬مما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬العلم‭ ‬يمثل‭ ‬جسد‭ ‬الدولة‭ ‬الرمزي،‭ ‬وكل‭ ‬مساس‭ ‬به‭ ‬يقرأ‭ ‬بوصفه‭ ‬مساسا‭ ‬بهذا‭ ‬الجسد‭.‬
إن‭ ‬العلم،‭ ‬في‭ ‬النهاية،‭ ‬ليس‭ ‬رمزا‭ ‬ساكنا،‭ ‬بل‭ ‬كائنا‭ ‬رمزيا‭ ‬متحركا،‭ ‬تتغير‭ ‬ألوانه‭ ‬وأشكاله‭ ‬ومعانيه‭ ‬بتغير‭ ‬موازين‭ ‬القوة‭ ‬ومشاريع‭ ‬الحكم‭. ‬وبهذا‭ ‬المعنى،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬تاريخ‭ ‬المغرب‭ ‬السياسي‭ ‬مكتوب،‭ ‬جزئيا‭ ‬على‭ ‬الأقل،‭ ‬على‭ ‬القماش،‭ ‬بالخيوط‭ ‬والأصباغ،‭ ‬وبالانتصارات‭ ‬والانكسارات،‭ ‬وبالأسئلة‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬مفتوحة‭ ‬حول‭ ‬معنى‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬للناس‭ ‬علم‭ ‬واحد،‭ ‬ودولة‭ ‬واحدة،‭ ‬وذاكرة‭ ‬رمزية‭ ‬مشتركة‭.‬
سياسيا،‭ ‬يشكل‭ ‬العلم‭ ‬إحدى‭ ‬الأدوات‭ ‬الأساسية‭ ‬التي‭ ‬تمارس‭ ‬بها‭ ‬السلطة‭ ‬تعريف‭ ‬نفسها‭ ‬أمام‭ ‬الداخل‭ ‬والخارج‭. ‬هو‭ ‬توقيع‭ ‬الدولة‭ ‬المرئي،‭ ‬والعلامة‭ ‬التي‭ ‬تعلن‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬احتكارها‭ ‬للتمثيل‭ ‬الجماعي‭. ‬إذ‭ ‬حين‭ ‬يرفع‭ ‬فوق‭ ‬مبنى‭ ‬رسمي‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬أرض،‭ ‬فهو‭ ‬يقول‭ ‬“نحن‭ ‬الشرعيون‭ ‬هنا”‭. ‬ولهذا‭ ‬ارتبط‭ ‬تاريخ‭ ‬الأعلام‭ ‬بتاريخ‭ ‬الحروب‭ ‬والفتوحات‭ ‬والانقلابات،‭ ‬لأن‭ ‬تغيير‭ ‬العلم‭ ‬أو‭ ‬إنزاله‭ ‬أو‭ ‬حرقه‭ ‬إعلان‭ ‬رمزي‭ ‬عن‭ ‬نهاية‭ ‬نظام‭ ‬وبداية‭ ‬آخر‭. ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬فالسيطرة‭ ‬على‭ ‬العلم‭ ‬تعني‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬المعنى‭ ‬الذي‭ ‬يمنح‭ ‬الحكم‭ ‬مبرره،‭ ‬مما‭ ‬يدفع‭ ‬الأنظمة‭ ‬إلى‭ ‬إحاطته‭ ‬بهالة‭ ‬من‭ ‬القداسة:‭ ‬قوانين‭ ‬تحميه‭ ‬من‭ ‬الإهانة،‭ ‬طقوس‭ ‬رسمية‭ ‬لتحيته،‭ ‬أناشيد‭ ‬ترافقه،‭ ‬وسرديات‭ ‬مدرسية‭ ‬تربطه‭ ‬بالتضحية‭ ‬والبطولة‭.‬

                                                                         تفاصيل أوفى تجدونها في العدد الجديد من أسبوعية " الوطن الآن" 

                رابط العدد هنا: 

                                                                    https://anfaspress.ma/alwatan/voir/422-2026-01-20-01-54-22