خديجة الكور
كان من المفترض أن تتحول المباراة النهائية لكأس إفريقيا للأمم إلى مناسبة احتفالية بامتياز، تُختتم بها بطولة نظمتها دولةٌ مضيفة باحترافية كبيرة وبروح ضيافة لا تقتصر على الاستقبال بل تتجاوزه إلى الحفاوة والاحترام. غير أن هذه المناسبة الرياضية تحولت لدى كثير من المغاربة إلى لحظة الم ، ليس فقط بسبب النتيجة أو قرار تحكيمي قابل للنقاش، بل بسبب إحساس عميق بأن ما تمثله هذه البطولة من نجاح تنظيمي وطني قد تمت مخاولة مصادرته من خلال حملة إعلامية مغرضة صادرة من بعض الدول تجاوزت حدود الرياضة.
فالمغرب لم يقم بتنظيم منافسة رياضية فحسب، بل قدم للعالم صورة بلد يملك القدرة على الاستقبال والاحتضان، ويمتلك أيضًا حسًّا تاريخيًا عميقًا بالضيافة، لا تُفرّق بين ضيفٍ أو زائر، ولا تميز بين قومٍ أو جنسية. وقد شهد الجميع كيف استقبل المغاربة المشاركين والجماهير بكرمٍ وتسامح، وكيف حظيت البطولة بتقدير واسع، حتى من قبل من لا يشارك المغرب موقفًا سياسيًا أو اقتصاديًا.
لكن هذا النجاح، الباهي بدل أن يُحتفى به، تحول في بعض المنابر الإعلامية الى فرصةً لنشر اخبار كاذبة و مضللة لتغديةالكراهية و محاولة المس بسمعة و طننا . ذلك أن ما ظهر من حملات مسعورة لم يكن مجرد نقدٍ أو اعتراض، بل كان تجاوزًا للحدود إلى لغة عنصرية وأحكام مسبقة، تُعبر عن رفضٍ لا يقتصر على نتيجة مباراة، بل يطال مشروعًا وطموحًا وتقدمًا.
إن المغاربة يشعرون اليوم بالمرارة ليس لأنهم خسروا كأسًا، بل لأنهم شعروا بأن كرمهم قد استُغل كضعف، وأن نجاحهم قد قُورن بالريبة. وهذا الشعور لا يخص كرة القدم فقط، بل يخص هوية بلد، وتاريخه، وكرامته.
والأخطر من ذلك أن هذا المنحى يفتح بابًا خطيرًا: الرد على الكراهية بكراهية مضادة، والرد على العنصرية بعنصرية مماثلة. وهذا الطريق ليس فقط غير أخلاقي، بل هو أيضًا غير استراتيجي. فالمغرب لا يملك رفاهية أن ينساق وراء منطق الاستفزاز، ولا ينبغي له أن يُحاكم على وفق عواطف مؤقتة.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل الدور الذي تلعبه منصات التواصل الاجتماعي في تشكيل الوعي العام وتوجيه المزاج الجمعي. فاليوم، أصبحت الشبكات الاجتماعية ساحة تُستغل من قبل أعداء المغرب لإشعال الفتن، ونشر خطاب الكراهية، وتحويل أي موقف عادي إلى نزاع هوياتي. لذلك، علينا أن نكون حذرين، وألا نمنح هؤلاء الفرصة لجرّنا إلى خطاب عنصري أو إلى ترديد كلمات لا تليق بنا. بل يجب أن نتحلى بالمسؤولية، ونتعامل مع وسائل التواصل كأداة لنشر صورة المغرب القوي، والمتماسك، والحكيم، وأن نؤكد من خلالها عمق الدلالات التي حملتها رسالة جلالة الملك إلى أفراد المنتخب الوطني بعد هذه الكأس. إن ما يحتاجه المغرب الآن هو أن تُجسّد هذه الرسالة في سلوكنا اليومي، وأن نُظهر للعالم أننا بلد يملك القدرة على الانتصار في الميدان، والقدرة على التحلي بالاتزان والوقار خارج الميدان.
ما حدث خلال كأس إفريقيا يظل حدثا عرضانيا ، لكن ما يجب أن نقرأه في عمقه هو أن كرة القدم أصبحت اليوم ساحة رمزية تتقاطع فيها تناقضات عديدة: صراعات النفوذ، والإحباطات، والرهانات الجيوستراتيجية. لذلك، لا يمكن اختزال ما وقع في مجرد مباراة أو قرار تحكيمي، بل يجب إدراك أن هناك من يرفض رؤية المغرب يتقدم، ويتأسس كقوة إقليمية قادرة على أن تساهم في إعادة رسم معالم القارة.
ان التحديات الإفريقية الحقيقية ليست فقط في الملاعب، بل في الاقتصاد والتنمية والاستقرار السياسي، وفي بناء مؤسسات قوية، وفي التعاون جنوب – جنوب و رهانات الواجهة الأطلسية وفي تحقيق السيادة الغذائية، وفي الانتقال الطاقي، وفي تكوين النخب، وفي الاندماج الإقليميي و تحقيق السلام. وعلى هذه الجبهات، يواصل المغرب تقدمه بثبات، مستندًا إلى رؤية استراتيجية بعيدة المدى، ورغبة حقيقية في أن يكون شريكًا فاعلًا، لا منافسًا متعاليًا.
ولعلّ ما يزعج بعض الأطراف هو أن المغرب لا يكتفي بالتحدث عن التنمية، بل يترجمها إلى مشاريع ملموسة، ويحوّل طموحه إلى واقع. وهذا لا يعني أنه لا يواجه تحديات أو انتقادات، بل يعني فقط أن هناك بلدًا يشتغل، ويخطئ، ويصحح، ويواصل.
ومن هنا، فإن ما وقع ينبغي أن يكون درسًا لنا جميعًا. لا يجب أن نسمح لأي حملات معادية أن تُضعف مناعتنا النفسية أو أن تزعزع ثقتنا بأنفسنا. بل يجب أن نحوّل هذا الألم إلى طاقة إيجابية، وإلى عزيمة مضاعفة، وإلى التزام أكبر. فالطموح المغربي ليس مجرد شعار، بل هو مشروع جماعي يتقاسمه الملك والشعب، ويتجه نحو أن يكون المغرب قوة صاعدة تحظى بالاحترام في محيطها وفي العالم.
ختامًا، ستبقى كرة القدم لعبة، وستمرّ الأيام، وتُطوى السجالات، لكن ما يبقى هو المسار الذي نختاره. والمسار الذي يليق بالمغرب هو مسار البناء، والتقدم، والاحترام، والاعتزاز بهويته، دون أن نسمح لأي كراهية أن تُعيدنا إلى الوراء. وديما مغرب.
خديجة الكور، رئيسة منظمة النساء الحركيات