مولاي أحمد الدريدي: كأس إفريقيا للأمم 2025 بالمغرب.. الرياضة أمام اختبار المسؤولية الإعلامية

مولاي أحمد الدريدي: كأس إفريقيا للأمم 2025 بالمغرب.. الرياضة أمام اختبار المسؤولية الإعلامية مولاي أحمد الدريدي

بعض الخطابات الإعلامية اختارت تشويه هذا الإنجاز، عبر تبني سرديات تغذي الوصم والتمييز.

لم تكن كأس إفريقيا للأمم 2025 بالمغرب مجرد تظاهرة رياضية، بل محطة أكدت قدرة المملكة على التوفيق بين الأمن، واحترام حقوق الإنسان، والانفتاح. وأمام بعض الانزلاقات الإعلامية ذات الطابع الإقصائي، تبرز الحاجة إلى التأكيد على أن الرياضة يجب أن تكون سداً في وجه التطرف، لا أداة لتغذية الكراهية.

 

نجاح رياضي وأمني لا ينبغي تجاهله

شكّلت كأس إفريقيا للأمم 2025 التي احتضنها المغرب نجاحاً لافتاً على عدة مستويات. فإلى جانب الجوانب الرياضية وجودة البنيات التحتية، برز عنصر أساسي يتمثل في الأمن والاستقرار. لقد أثبت المغرب قدرته على تنظيم حدث قاري كبير في أجواء يسودها الاطمئنان والاحترام. غير أن بعض الخطابات الإعلامية اختارت تشويه هذا الإنجاز، عبر تبني سرديات تغذي الوصم والتمييز.

 

حين ينزلق الخطاب الإعلامي نحو التعميم والإقصاء

إن قراءة مقال للصحافي رشيد نيني، ولا سيما من خلال عنوانه، تثير قلقاً مشروعاً. فبدلاً من تقديم تحليل نقدي مسؤول أو نقاش فكري متزن، انزلق المقال نحو منطق التعميم والإيحاء بوجود “الآخر” كخطر. وعندما يتحول الإعلام من أداة للتنوير إلى وسيلة لإثارة الخوف، فإنه يساهم في تعميق الانقسام الاجتماعي بدل تعزيز الوعي الجماعي.

 

المخاطر القانونية للخطاب الإعلامي ذي الطابع العنصري

لا تمثل العنصرية الإعلامية إشكالاً أخلاقياً فحسب، بل تحمل مخاطر قانونية حقيقية. فالدستور المغربي ينص على مبادئ عدم التمييز، وصون الكرامة الإنسانية، والمساواة بين المواطنات والمواطنين. كما أن المغرب ملتزم باتفاقيات دولية، من بينها الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري. إن حرية الصحافة، رغم كونها حقاً أساسياً، لا يمكن أن تشكل غطاءً للتحريض على الكراهية أو لتطبيع خطاب الإقصاء.

 

الرياضة وذاكرة سنوات الرصاص

بالنسبة لي شخصيا انا الحقوقي تزداد هذه المسؤولية أهمية إذا استحضرنا أن تغطية الاحداث الرياضية ليست دائماً بريئة من التوظيف السياسي. فقد شهد المغرب خلال سنوات الرصاص، خاصة سنة 1984، توظيفاً لبعض الإنجازات الرياضية (لنوال المتوكل وسعيد عويطة في الألعاب الأولمبية صيف 1984) لإخفاء واقع كئيب: قمع واسع النطاق، واعتقالات تعسفية للشباب، واضراب عن الطعام خاضه المعتقلون السياسيون، اذى الى وفاة الشهداء المغاربة، مولاي بوبكر الدريدي مصطفى بلهواري، كضحايا للمعاملة اللاإنسانية اثناء هذا الاضراب لقد استعملت بعض المتابعات الإعلامية لتغطية على واقع مؤلم اتسم بالقمع، والاعتقالات التعسفية، والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. إن هذه الذاكرة الجماعية تفرض اليوم يقظة مستمرة تجاه أي استغلال سياسي أو إعلامي ولهذا السبب اثارني وأزعجني مقال الصحافي رشيد نيني، في الصفحة الأخيرة لجريدته اليوم.

 

الإرهاب والرياضة: تهديد عالمي قائم

على الصعيد الدولي، لم تكن الرياضة بمنأى عن العنف والإرهاب، كما حدث في الهجوم على ملعب فرنسا سنة 2015، أو ماراثون بوسطن. وقد أكدت هذه الأحداث أن التظاهرات الرياضية تمثل أهدافاً رمزية للتطرف العنيف، ما يستدعي معالجة مسؤولة بعيدة عن الخطابات السطحية والتمييزية.

 

كان 2025: الانتصار الأمني الصامت

في هذا السياق، تبرز كأس إفريقيا 2025 كنموذج إيجابي. فلم تُسجَّل أي تهديدات إرهابية أو أجواء خوف، وهو إنجاز بالغ الأهمية. وبالنسبة للمدافعين عن حقوق الإنسان والفاعلين في مكافحة التطرف والإرهاب، فإن هذا النجاح يثبت أن تحقيق الأمن ممكن دون المساس بالحريات أو اللجوء إلى خطاب الوصم.

 

رؤية ملكية تقوم على الاستثمار في الإنسان

يندرج هذا النجاح ضمن رؤية استراتيجية عبّر عنها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، من خلال التأكيد على قيم المثابرة وروح الفريق، وأهمية الاستثمار في الرأسمال البشري وتحديث البنيات التحتية. وهي رؤية تجعل من الرياضة رافعة للتنمية، والصمود، والسلام، وتؤهل المغرب بثقة لاستحقاق كأس العالم 2030.

 

أمام الكراهية: خيار مجتمعي واضح

إن الخطابات ذات الطابع العنصري، ولو جاءت بشكل إيحائي، تغذي نفس الآليات التي يقوم عليها التطرف العنيف: الخوف من الآخر، والإقصاء، والاستقطاب. وهي بذلك تهدد التماسك الاجتماعي، وتتناقض مع أخلاقيات المهنة الصحافية والقيم الكونية لحقوق الإنسان.

 

الرياضة كخط دفاع ضد التطرف

لقد منحتنا كان 2025 فرصة لبناء سردية بديلة: مغرب قادر على الجمع بين الأمن والانفتاح واحترام الكرامة الإنسانية. ومع اقتراب كأس العالم 2030، ينبغي أن تظل الرياضة فضاءً للأخوة والاحترام، لا أرضية خصبة للعنصرية. إن ذلك واجب أخلاقي، والتزام قانوني، ومسؤولية جماعية.

 

مولاي أحمد الدريدي
فاعل سياسي و مدافع عن حقوق الإنسان
منسق الجبهة الوطنية لمكافحة الإرهاب والتطرف
خبير في تنسيق برامج إعادة تأهيل ضحايا العنف وسوء المعاملة
محلل في سياسات الصحة وحقوق الإنسان (DHC)