عبد العزيز الخبشي: حين يغسل الإذلال بلغة الأخلاق.. تفكيك خطاب تبييض المؤامرة ضد المغرب

عبد العزيز الخبشي: حين يغسل الإذلال بلغة الأخلاق.. تفكيك خطاب تبييض المؤامرة ضد المغرب عبد العزيز الخبشي

ليس أخطر على الكرامة الوطنية من أن تختزل، بعد كل هذا الاستهداف، في درس أخلاقي بارد يقدمه بعض “العلما والفهيمية” وبعض الصحفيين وبعض الأكاديميين وغيرهم وهم يلوحون بخطاب محاربة العنصرية والكراهية، كأن ما جرى للمغرب خلال فترة تنظيمه لكأس إفريقيا كان مجرد سوء فهم عابر، أو انفلات جماهيري يحتاج إلى تقويم أخلاقي، لا مؤامرة مكتملة الأركان، ولا هجوما سياسيا وإعلاميا شنيعا استهدف صورة بلد، وقدرته، ومكانته. هذا التبرير الناعم ليس بريئا، بل هو شكل من أشكال تبييض الإذلال، ومحاولة لإفراغ الكرامة من مضمونها السياسي والتاريخي.

 

المغرب لم يكن في موضع المتهم حتى يطالب اليوم بإظهار “وجه المدلة”، ولم يكن طرفا في نزاع أخلاقي حتى يستدعى ضده قاموس العنصرية والكراهية. ما وقع كان استهدافا ممنهجا، وحملة تشكيك، وتسريبا لخطابات مسمومة، وتحريضا إعلاميا، ومحاولة يائسة لنسف نجاح تنظيمي شهد به الخصوم قبل الأصدقاء. ومع ذلك خرج المغرب من هذا الامتحان بطلا، تنظيما وأمنا واستقبالا وبنية تحتية، وأثبت مرة أخرى أن قدرته على الإنجاز أكبر من حقد المتربصين.

 

غير أن الخطير اليوم هو هذا الالتفاف الجديد: تحويل ردود فعل المغاربة الأحرار، الغاضبة والمشروعة، إلى مادة اتهام أخلاقي، وتصويرها كعنصرية أو كراهية، في حين يتم التغاضي عن أصل الجريمة: المؤامرة نفسها. إن دمج الدفاع عن كرامة المغرب في خطاب “محاربة الكراهية” ليس سوى آلية لإسكات الغضب، وتحييد الوعي، وإقناع الضحية بأنها مطالبة بالاعتذار لأنها صرخت. أي نفاق هذا الذي يطالب المغاربة بالصمت والتجمل، بينما تدار في الكواليس حملات منظمة لإذلال بلد بكامله؟

 

ثم إن منتهى السذاجة، أو التواطؤ، أن يفصل ما جرى عن سياقه الجيوسياسي. أعداء المغرب لا يتحركون بدافع أخلاقي، بل بدافع الحقد السياسي. والذين يسوقون اليوم لفكرة أن أحداث مباراة نهاية الكان بالرباط “دليل” على أن المغرب غير قادر على تنظيم كأس العالم، لا يفعلون سوى استثمار فشلهم في الكان، بعد أن سقطت كل أوراقهم. إنهم يحاولون تحويل انتصار المغرب إلى ذريعة جديدة للطعن فيه، وإعادة إنتاج خطاب الإذلال بلبوس تقني وتنظيمي. الرسالة واضحة: يريدون مغربا منكسرا، صامتا، معتذرا دائما.

 

هنا يصبح خطاب “العمق الإفريقي” حين يستعمل لتكميم الأفواه، خطابا زائفا. إفريقيا ليست وصاية أخلاقية على المغرب، ولا المغرب في حاجة إلى شهادة حسن سلوك من أحد. علاقات الشعوب تبنى على الندية والاحترام، لا على الابتزاز العاطفي. أما الذين يستعملون إفريقيا كفزاعة لإدانة أي موقف سيادي مغربي، فهم يسيئون لإفريقيا قبل المغرب، ويحولونها إلى أداة ضغط بدل فضاء تضامن حقيقي.

 

ولنقلها بملء الفم، دون مواربة لغوية أو نفاق دبلوماسي: أكبر عدو للمغرب هو جارُه الشرقي. هذه ليست شتيمة ولا خطاب كراهية، بل توصيف سياسي لواقع تاريخي موثق. دولة جعلت من معاداة المغرب عقيدة رسمية، ومن عرقلة وحدته الترابية مشروعا دائما، لا يمكن أن تعامل بخطاب المجاملات. إن إنكار هذا المعطى تحت ذريعة “نبذ الكراهية” ليس سوى دعوة للاستسلام الرمزي، وتخليا مجانيا عن حق المغرب في تسمية خصومه.

 

الكرامة الوطنية لا تحتاج إلى تبرير أخلاقي، ولا إلى ترخيص من صحفي أو فقيه إعلامي. الكرامة موقف، والسكوت عنها خيانة رمزية. المغرب لم يكن يوما دولة تبحث عن الشفقة، بل دولة تصنع الوقائع وتفرض احترامها. ومن العبث أن نطالب اليوم بتخفيف نبرة الغضب، في وقت يتعرض فيه البلد لمحاولات إذلال مكشوفة، تحت عناوين رياضية وتنظيمية زائفة.

 

إن أخطر ما يمكن أن نفعله اليوم هو أن نساير خطاب الذين يريدون نزع السياسة عن الصراع، وتحويله إلى مسألة أخلاق فردية. ما جرى ليس “سلوك جمهور”، بل معركة صورة، وموقع، وسيادة. ومن لا يفهم ذلك، أو يتغافل عنه، فهو إما ساذج، أو شريك – عن قصد أو غير قصد – في تمرير خطاب الإذلال.

 

المغرب أكبر من دروس الوعظ، وأقوى من مؤامرات الخصوم، وأذكى من أن يستدرج إلى الاعتذار عن كرامته. ومن حق المغاربة الأحرار أن يقولوا: لن نهذب غضبنا لإرضاء أعدائنا، ولن نلبس الإذلال قناع الأخلاق.