محمد براو: تحليل استراتيجي للتهديدات المتبادلة بين أمريكا وإيران

محمد براو: تحليل استراتيجي للتهديدات المتبادلة بين أمريكا وإيران محمد براو

المقدمة

شهدت العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران مؤخرًا ديناميكيات تصعيد كلامي وعسكري تتسم بارتفاع سقف الردع والتوتر الإقليمي. يمثل التهديد الإيراني المباشر بضرب قواعد أمريكية في الخليج، سفن حربية، وأهداف إسرائيلية، تحوّلًا جوهريًا من صراع وكلاء إلى صراع دولي مشروط.
هذا التحليل يستند إلى مبادئ نظرية الردع الحديث، نظرية اللعبة، والواقعية الدفاعية، بهدف فهم الديناميكيات الاستراتيجية للتهديد الإيراني، وتقييم الخيارات الأمريكية في ضوء هذه المعطيات.

 

الإطار النظري

الردع المشروط

وفق توماس شيلنغ، أهم خصائص التهديد الفعال ليست قدرته التدميرية، بل مصداقيته التنفيذية. التهديد الإيراني يمكن تصنيفه كتهديد مشروط ذو مصداقية، لأنه: قابل للتنفيذ تقنيًا ضمن حدود القدرات الصاروخية والاستهدافات الدقيقة. ومحدود جغرافيًا ومستهدفًا (قواعد أمريكية، سفن حربية، إسرائيل). ومنسجم مع العقيدة الدفاعية الإيرانية المعلنة، دون تجاوز الخطوط الحمراء الداخلية.

 

فخ الالتزام  

كما شرح غلين سنايدر، تدخل الدولة في صراع دولي مباشر يحول أي عملية محدودة إلى اشتباك مفتوح، الفكرة الأساسية هناعندما تلتزم دولة قوية (أمريكا) بحماية طرف أضعف (إسرائيل)، فإن هذا الطرف قد يستغل الالتزام ويدفع الدولة القوية إلى صراعات لا تخدم مصالحها.

أي أن الالتزام الأمني يتحول من أداة ردع إلى عبء استراتيجي: إن عدم الرد الأمريكي يُضعف الردع الأمريكي عالميًا. وبالمقابل فإن الرد العسكري يفتح حربًا لا يمكن السيطرة على سقفها أو نتائجها، خاصة مع وجود أطراف إقليمية غير جاهزة.

 

الردع الممتد وانعكاسه  

تهدف إيران إلى قلب معادلة الردع التقليدية: فإسرائيل، عادةً تحت مظلة الردع الأمريكي، تتحول إلى عامل تصعيد محتمل إذا تم استهداف إيران. وأي ضربة أمريكية تصبح محفوفة بالاحتمالات الاستراتيجية غير القابلة للتحكم.

 

السيطرة على التصعيد عبر الغموض  

تسعى إيران للحفاظ على حق التصعيد الثاني، مع إبقاء خصمها في حالة عدم اليقين حول ردها المحتمل. هذا يعزز مصداقية التهديد ويمنع التقدم الأمريكي دون وقوع رد فعل مباشر.

 

التحليل الاستراتيجي للتهديدات الإيرانية

تهديدات تنفيذية ومحدودة

استهداف قواعد أمريكية أو سفن حربية في الخليج يرتقي الصراع مباشرة إلى مستوى للدفاع عن النفس (الفصل 51 من ميثاق الأمم المتحدة). وهذه التهديدات ليست مجرد خطاب، بل ورقة ردع تمنع خصمها من اختبار القوة دون تحمل مخاطر كبيرة.

 

المعادلة الأمريكية

وفق تقييم البنتاغون والعقيدة العسكرية منذ حرب الخليج 1991 (عقيدة كولين بأول): أي حرب يجب أن تكون سريعة، حاسمة، منخفضة الكلفة، وقابلة للتسويق السياسي. والتهديد الإيراني المباشر يجعل أي هجوم محدود مستحيلًا من الناحية العملية، بسبب: عدم ضمان منع الرد الإيراني. وعدم ضمان حماية إسرائيل. وعدم ضمان تحمّل دول الخليج للارتدادات الاقتصادية والعسكرية.

 

خيارات ترامب وفق نظرية اللعبة

الهجوم العسكري: مكسب غير مضمون، خسائر عالية، تصعيد غير قابل للتحكم.    

  التراجع التكتيكي: كلفة سياسية محدودة، الحفاظ على الضغط، استمرار الغموض الردعي.
الاختيار العقلاني تحت عدم اليقين: كان التراجع التكتيكي، وليس ضعفًا استراتيجيًا.

 

الخطاب الشخصي كأداة استراتيجية

هجوم خامنئي على ترامب

وصف ترامب بالمجرم والمشارك في قتل المحتجين: حرب رمزية لتعزيز الشرعية الداخلية.    

 رفع سقف التفاوض والردع الكلامي مع إبقاء الخيار العسكري الأمريكي تحت الضغط.

 

 رد ترامب

التشكيك في صحة خامنئي: محاولة غربية لتقليل رمزية الخصم.      

 أثر محدود استراتيجيًا، ويعكس إسقاط تقييم غربي على منظومة شرقية، مع تجاهل قواعد اللعبة الثقافية والسياسية لإيران.

 

التفاعلات الاستراتيجية

الخطاب الشخصي الإيراني يرفع تكاليف الهجوم الأمريكي، ويؤكد قدرة إيران على التحكم في مستوى التصعيد الرمزي.  الرد الأمريكي الشخصي قد يقلل من مصداقية الرسائل ولكنه لا يزيل التهديد التنفيذي.

 

نتائج التحليل

  1. تحول الصراع من حرب وكلاء إلى اشتباك دولي مشروط.

  2. التهديد الإيراني مصداقي، محدود، ومتكامل ضمن العقيدة الدفاعية، ما يجعل أي ضربة أمريكية محفوفة بالمخاطر.

  3. إسرائيل ودول الخليج لا يمكن اعتبارها قواعد صلبة للتحرك العسكري الأمريكي دون تحمل تكاليف سياسية واستراتيجية عالية.

  4. التفاوض الضمني يتم عبر التهديدات العلنية والخطاب الشخصي، وليس فقط عبر القوة العسكرية.

  5. أي تصعيد مباشر سيكون غير قابل للتحكم ويقوض مفاهيم الحسم العسكري الأمريكي التقليدي.

 

أفق البحث والخاتمة

إن التحليل العلمي الموضوعي من منظور علم الاستراتيجيا يوضح أن إيران نجحت في تحويل أي تهديد أمريكي محدود إلى آلية تصعيد مشروط، مستندة إلى مصداقية تهديدها، الغموض الاستراتيجي، والشخصنة الرمزية للخصم.
التصعيد الكلامي لم يكن عشوائيًا، بل أداة تفاوضية دقيقة للحفاظ على الردع والضغط الإقليمي، بينما التراجع الأمريكي كان الخيار العقلاني تحت عدم اليقين، وليس ضعفًا.
هذا السيناريو يمثل مثالًا حيًا على الردع الحديث، نظرية اللعبة، والديناميكيات الرمزية في العلاقات الدولية.