يوسف عبد القاوي
إن إجماع هيئات المحامين بالمغرب، قاطبة وفرادى، على المطالبة الصارمة بسحب مشروع القانون رقم 66.23، ليس مجرد موقف عابر أو ترف نضالي، بل هو ضرورة حتمية تمليها مبادئ الحق والعدالة، و دفاع مستميت عن مهنة حرة أبية ترفض التدجين والوصاية.
فقد جاء هذا المشروع منقلبا على كل التوافقات، ضاربا عرض الحائط بكل ما استقر عليه الرأي في الحلقات والمشاورات؛ حيث نقض السيد وزير العدل عهده الذي قطعه أمام الملأ، فخلف الوعد وأكذب الأهل والخلان، بإحالة مشروع لم تنضج فصول التوافق فيه، مستقويا بأغلبية عددية في ممارسة جلية للاستبداد التشريعي، وفرض سياسة الأمر الواقع بأسلوب يفتقر للحوار البناء والمنطق السليم.
لقد نسجت خيوط هذا المشروع في عتمة السرية بعيدا عن أعين أصحاب الشأن، في تغييب تام للمقاربة التشاركية وخرق صارخ للأعراف الدستورية، فجاء مسخا هجينا لا يعكس طموحات وتوصيات المؤتمرات المهنية، ولا يمت بصلة لروح دستور 2011، ولا للاتفاقيات الدولية التي ترعى حصانة الدفاع وتصون استقلاله.
ويظهر جليا أن المشروع يبتغي تأميم المهنة وتدجين فرسانها، عبر نزع اختصاصات التكوين والتسجيل من الهيئات التي هي أصل التقاليد وموئل الأعراف، وإحالتها لمؤسسات تحت إشراف جهات غريبة عن الجسم المهني، قد لا تدرك كنه الرسالة ولا قدسية الأمانة؛ فالدفاع هو الأحق بالإشراف على التكوين وفق مبادئ المهنة وأصولها، لا وفق إملاءات خارجية تفقدها جوهرها.
ولم يقف الحد عند هذا النكوص، بل سلب المشروع من مؤسسة النقيب مبررات وجودها، محولا إياها إلى هيكل صوري بلا مهام، ومؤسسة جوفاء بلا صلاحيات، مع تضييق الخناق على شروط الترشح لها باعتبارات انتخابوية ضيقة، وشروط تعجيزية تضرب في العمق مبدأ الكفاءة وتكافؤ الفرص.
إن ما رفع من شعارات التحديث ليس إلا غطاء لسياسة الضبط والتضييق، إذ خنق المشروع مجال عمل المحامي بدلا من توسيعه، واستهدف إضعاف مكانته بدلا من تحصينها، غافلا عن الحقيقة الكبرى: أنه لا عدالة بدون دفاع قوي وحصين. وإن محاولات هدم وحدة الصف أو اختراق نضالات المحامين لن تزيد الجسد إلا تماسكا، ويبقى سحب هذا المشروع هو المطلب الأسمى لتصحيح المسار، وحفظ كرامة الدفاع، وضمان استقرار مرفق العدالة.