أريري.. مونديال 2030 والحاجة لتحرير الدارالبيضاء من عقلية الأقزام

أريري.. مونديال 2030 والحاجة لتحرير الدارالبيضاء من عقلية الأقزام عبد الرحيم أريري

لنقلها بكل وضوح: إن لم نستغل مونديال 2030 لتحسين المشهد الحضري بالدارالبيضاء وتشذيب الأعطاب والاختلالات، فلن تتاح الفرصة مجددا لتقليص الشرخ المجالي بين أحياء محظوظة بالاستثمار العمومي وأحياء مشطب عليها من رادار السلطة العمومية بأكبر مدينة بالمغرب.

 

خذوا نموذج شق المحج الملكي، الذي يعد أحد أضخم المشاريع الحضرية المهيكلة ليس لتراب الدارالبيضاء فحسب، بل وللمغرب ككل. هذا الورش، ظل في الثلاجة طيلة 40 سنة، وبين عشية وضحاها تجندت الدولة للهدم و"الترياب" لتنزيله بمناسبة المونديال. إذ بدل اعتماد مقاربة مواطنة يحس فيها المواطن المتضرر( مالكا أو مكتريا أو تاجرا )، أنه مدمج في مقاربة تستحضر تعويضه وحمايته من التعسف، وتأمينه ضد سياسة "التفزاع" و"النفي" إلى الضواحي البعيدة والبئيسة الفاقدة لكل مقومات جودة العيش، تم اعتماد "سياسة الطراكس" التي تدك البنايات السكنية والمتاجر بمنطق "اذهب وربك فقاتلا ".  


نفس الأمر ينسحب على خط التيجيفي وباقي الأوراش المعنية باحتضان المغرب لهذا الحدث الدولي.

والحال أن هناك أمثلة حية ماثلة أمامنا في دول متمدنة باشرب تجديدا لنسيجها الحضري وسوت أحياء بأكملها مع الأرض، وأخرجت أساسات بنيات عملاقة مكان أحياء متآكلة وقديمة، لكن مع استحضار البعد الاجتماعي بل والإنساني والمقاربة التشاركية في عمليات الترحيل والتعويض وتوفير الحد الأدنى من ضرورات التمدن بالأحياء والمدن الجديدة( نقل حضري مهم بعرض كاف، ربط الأحياء الضاحوية بشبكة خطوط مهمة، بنية طرقية متينة، مرافق قرب، حدائق، مناطق أنشطة اقتصادية،إلخ...).

 

للأسف الدار البيضاء دائما تخلف الموعد، دون أن تحظى بمدبرين لشؤونها، يتميزون بحس التقاط الإشارات الملكية بشأن انتظاراته من العاصمة الاقتصادية، وهي إشارات قوية توالت طوال حكمه من صيف 1999 إلى اليوم.

 

فالملك محمد السادس أصر على أن تكون أول خرجة رسمية له بعد توليه الحكم، هي زيارة البيضاء في شتنبر من عام 1999. وهي الإشارة الأولى التي لم يدرك معناه العديد من المدبرين لشؤون الدارالبيضاء.

 

كما لم يلتقطوا إشارته حين تم استثناء الدارالبيضاء من مونطاج «مدن بدون صفيح» عام 2004 وإخراج البيضاء من هذا التصور، مع تمتيعها بشركة خاصة تتولى العملية (أي إدماج سكن).

 

ولم يلتقطوا الإشارة عام 2006 حين نزع الملك محمد السادس « مسمار جحا ديال الجيش» المتمثل في إخراج العسكر من مطار أنفا، وأهدى عقار المطار العسكري للمدينة لخلق قطب مالي يتماشى مع التمطط المغربي نحو إفريقيا.

 

ولم يلتقطوا الإشارة عام 2008 حين حرص الملك محمد السادس على أن يبارك بنفسه في القصر الملكي بحي الحبوس، أول مخطط مديري للتهيئة الحضرية للدارالبيضاء يصدر في عهده، وهو المخطط الذي قلب المعادلة بجعل ضاحية البيضاء هي المنقذ لمشاكل البيضاء، فتم وضع معظم المشاريع المهيكلة واللوجيستيكية بحزام البيضاء.

 

ولم يلتقطوا الإشارة عام 2011 حين ترأس الملك بالهراويين اتفاقيات التأهيل الحضري لكافة أحزمة البؤس بضاحية المدينة.

 

ولم يلتقطوها عام 2013 حين خص الملك الدارالبيضاء بخطاب تاريخي بالبرلمان.

ولم يلتقطوا الإشارة عام 2015 حين أشرف الملك على أضخم برنامج حضري بالمغرب، تجلى في رصد حوالي 34 مليار درهم لبرنامج خماسي للبيضاء يمتد إلى سنة 2020، وهو مبلغ ضخم لم يسبق أن خصص لمدينة مغربية بهذا الشكل.

 

كل هذه الإشارات ومسؤولو البيضاء «نيام»، ولا يتجاوبون مع رسائل الملك المشفّرة، ويدركون القيمة التي تحظى بها الدارالبيضاء كرئة اقتصادية للمملكة.

 

للأسف بدل أن يكون السقف هو استغلال التحضير لمونديال 2030، لجعل الدارالبيضاء عاصمة جذب في محيطها الجهوي( ولم لا في محيطها العالمي)، يتم التعامل مع مستقبل الدارالبيضاء بعقلية الأقزام.