بوشعيب حمراوي
لا يمكن لأي دولة تحترم نفسها، ولا لأي نظام يسعى إلى الاستقرار والأمن، أن يستمر في احتضان أجناس مختلفة بطرق غير شرعية وغير نظامية، خارج ضوابط القانون ومنطق الدولة.
فالإنسانية لا تعني الفوضى، والتسامح لا يعني غياب الوثائق، وحقوق الإنسان لا تُمارَس خارج إطار القانون.
لقد كتبت هذه المقالة أساسًا للتنبيه إلى ما يقع اليوم في المغرب، حيث أصبح الباب مفتوحًا على مصراعيه أمام آلاف المهاجرين الأفارقة، من مختلف الأعمار، ذكورًا وإناثًا، الذين يتدفقون يوميًا على التراب الوطني بطرق غير شرعية وغير نظامية.
كثيرون منهم دخلوا المغرب وهم يخططون للمرور عبره نحو أوروبا، غير أن عددًا مهمًا منهم وجد في المغرب بلدًا آمنًا ومستقرًا، تتوفر فيه شروط العيش، فاختار المكوث والاستقرار بدل مواصلة الهجرة غير الشرعية نحو الضفة الأخرى.
وهذا في حد ذاته مؤشر إيجابي على جاذبية المغرب، وعلى ما يوفره من أمن واستقرار مقارنة بمحيطه الإقليمي.
غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في الاستقرار في حد ذاته، بل في طريقة هذا الاستقرار.
ففئة واسعة من هؤلاء اختارت العيش خارج أي إطار قانوني، وفضّلت امتهان التسول في الطرقات، والشوارع، ومحطات القطارات، والحافلات، وإشارات المرور، في مشاهد يومية تسيء إلى صورة المدن، وتطرح أسئلة مقلقة حول دور الدولة، وحدود التسامح، ومنطق التنظيم.
وفي المقابل، يشتغل آخرون في أوراش وقطاعات مختلفة بطرق غير قانونية،
دون عقود عمل،
ودون حماية اجتماعية،
ودون احترام لمدونة الشغل،
وهو ما يفتح الباب أمام الاستغلال، ويُغذي اقتصادًا موازيا هشًا، ويُكرّس ثقافة اللاقانون، ليس فقط في حق الأجنبي، بل في حق العامل المغربي أيضًا.
إن ترك أجانب يقيمون فوق التراب الوطني دون أي سند قانوني:
لا شهادة إقامة،
ولا وضعية لجوء،
ولا تصريح عمل،
ولا مسطرة جنسية،
يُعدّ تفريطًا في هيبة الدولة قبل أن يكون خللًا إداريًا أو إنسانيًا.
فالعيش في العشوائية ليس وضعًا طبيعيًا ولا صحيًا، لا للمواطن ولا للأجنبي.
وحين تُرفع يد القانون، لا تُفتح أبواب الرحمة فقط، بل تُفتح معها أبواب الفوضى، والانحراف، وأحيانًا الجريمة.
الفوضى لا تُجزَّأ… والقانون لا يُنتقى
الفوضى لا تقبل التجزئة، والقانون لا يُنتقى حسب الأشخاص أو الفئات.
ولا يمكن القبول بمنطق الكيل بمكيالين:
غضّ الطرف عن خرق القانون حين يتعلق بفئة معيّنة،
وتطبيقه بصرامة على فئة أخرى.
هذا المنطق هو أخطر ما يمكن أن يصيب دولة،
لأنه لا يهدم القانون فحسب، بل يهدم الثقة في القانون.
وللأسف، نمارس هذا التناقض في المغرب يوميًا، وفي أكثر من قطاع ومجال.
نراه في التجارة العشوائية، حيث يُسمح للباعة المتجولين باحتلال الشارع خارج أي إطار قانوني، بدل مساعدتهم على تقنين نشاطهم وإدماجهم في الدورة الاقتصادية المنظمة.
ونراه في قطاعات يُدار فيها العمل بـ“العُرف” بدل النص القانوني، كما هو الحال في بعض ممارسات سيارات الأجرة، حيث تُقام في بعض مداخل ومخارج المدن سدود غير قانونية يشرف عليها سائقون، فيما يُعرف بـ“الكالة”.
كما نراه في التساهل مع خرق قواعد السلامة، كالسماح بعدم استعمال حزام الأمان داخل سيارات الأجرة، مقابل فرض الغرامات ضنفسها على مستعملي السيارات الخاصة.
الخطأ لا يُنجب إلا أخطاءً أكبر،
واللا قانون لا ينتج إلا تمييعًا للدولة،
وتشويهًا لصورتها،
وتقويضًا لثقة المواطنين في مؤسساتها ودستورها.
حتى الأجنبي… ضحية هذا العبث
المفارقة المؤلمة أن الأجنبي نفسه يُعدّ ضحية هذا الوضع.
فحين يعيش في بلد دون وثائق، ودون إطار قانوني واضح،
لا يشعر بالأمان،
ولا بالاندماج،
ولا بالاحترام.
يجد نفسه في واقع تُقدَّم فيه الخدمات بطرق غير قانونية،
ويعيش هشاشة دائمة،
فيُكوِّن صورة سلبية عن الدولة،
وينقل شهادات ووقائع مهينة عن النظام والشعب،
ليس بالضرورة بسوء نية،
بل لأن الواقع الذي عاشه كان فوضويًا ومهينًا.
الدولة القوية لا تخاف من القانون
الدولة القوية لا تخشى تطبيق القانون،
ولا تعتبر تنظيم الهجرة قسوة،
ولا ترى في الوثائق إهانة للإنسان.
بل على العكس:
التنظيم حماية،
والوثائق ضمان،
والقانون صمام أمان للجميع.
لا يمكن الحديث عن الأمن، والاستثمار، والسياحة، والكرامة،
في ظل فوضى الإقامة والعيش والعمل.
ولا يمكن الدفاع عن صورة الوطن،
ونحن نسمح بتحويله إلى فضاء بلا قواعد.
الإنسانية الحقيقية تمر عبر القانون،
والعدالة لا تعيش في الاستثناء،
والدولة التي تتسامح مع الفوضى…
تُعلّم شعبها، من حيث لا تشعر،
أن القانون خيار لا التزام.