إيمانويل ماكرون ودونالد ترامب
لم يعد الخلاف بين باريس وواشنطن يُختزل في تباين دبلوماسي عابر. ما يحدث منذ مطلع 2026، وتحديدًا بعد خطاب دافوس، يشي بأن إيمانويل ماكرون اختار نقل العلاقة مع إدارة دونالد ترامب إلى مستوى جديد: مواجهة سياسية-مؤسسية حول قواعد النظام الدولي نفسه. ليست المسألة غرينلاند وحدها، ولا الرسوم الجمركية فحسب، بل سؤال أعمق: هل تُدار العلاقات الدولية بالقانون والمؤسسات أم بالضغط والصفقات؟
التحوّل الأبرز في مقاربة ماكرون يتمثّل في تدويل الخلاف داخل الاتحاد الأوروبي. بدل الاكتفاء بردّ فرنسي، يدفع الرئيس الفرنسي نحو جعل أي ضغط أمريكي كلفةً أوروبية. في دافوس، قدّم سردية واضحة: العالم ينزلق إلى “قانون الأقوى”، وأوروبا مطالَبة بالردّ عبر أدواتها المؤسسية. هذه السردية لم تكن خطابًا إنشائيًا؛ بل مرافعة سياسية لتهيئة الرأي العام الأوروبي لاستخدام أدوات ردع اقتصادية وتنظيمية جماعية.
في صلب هذا التحوّل يبرز التلويح باستخدام أداة مكافحة الإكراه الاقتصادي داخل الاتحاد الأوروبي. هذه الأداة تتجاوز الرسوم المضادّة التقليدية، لتفتح المجال أمام تقييد وصول الشركات إلى السوق الأوروبية، والصفقات العمومية، والاستثمار. الرسالة إلى واشنطن واضحة: إذا استُخدمت الرسوم كابتزاز سياسي، فالردّ سيكون مؤسسيًا وبنقاط ألم حقيقية، لا رمزيًا.
عندما طُرحت غرينلاند بمنطق “الصفقة”، سارع ماكرون إلى إعادة تأطيرها كملف سيادة وأمن جماعي. الدعوة إلى معالجة القضية ضمن الناتو، والاستعداد للمشاركة الأوروبية، تعني سحبها من منطق الإكراه التجاري وإعادتها إلى الشرعية التحالفية. هنا، تتحوّل المواجهة من سجال ثنائي إلى اختبار لقواعد الأمن الأطلسي.
قرار باريس عدم الانضمام إلى المجلس الذي روّجت له واشنطن لتسوية نزاعات خارج الأطر التقليدية يحمل دلالات عميقة. الرفض لا يستهدف “السلام” كغاية، بل المنهج:
* رفض شرعنة إطار موازٍ يتجاوز الأمم المتحدة والمؤسسات متعددة الأطراف.
* رفض تحويل السلام إلى صفقة تُدار بالضغط والتهديد الاقتصادي.
* حماية وحدة الموقف الأوروبي ومنع سابقة قد تفتح الباب أمام تفكيك النظام المؤسسي الدولي.
بهذا، يضع ماكرون حدًا فاصلًا بين الشراكة مع واشنطن وبين القبول بإدارة أحادية لقضايا السلم والأمن.
التداعيات المحتملة: ثلاثة مسارات
1. تصعيد تجاري مضبوط: ردود متبادلة وإجراءات انتقائية، مع سعي الطرفين لتجنّب حرب تجارية شاملة نظرًا لتشابك المصالح.
2. توتر داخل الناتو: إعادة تسييس ملفات السيادة (كغرينلاند) قد تختبر تماسك الحلف، لكنها في الوقت نفسه تُقوّي منطق المعالجة الجماعية.
3. تماسك أوروبي… أو انقسام مكلف: نجاح ماكرون رهين بمدى اصطفاف العواصم الكبرى خلف هذا النهج. التماسك يعزّز الريادة؛ التردد قد يُظهر فرنسا متقدمة أكثر من اللازم على الإجماع.
هل يهدد هذا النهج منصب ماكرون أو ريادته؟
دستوريًا وسياسيًا، فقدان المنصب الرئاسي قبل نهاية الولاية احتمال ضعيف جدًا. المخاطرة الحقيقية ليست في “العزل”، بل في تآكل النفوذ إذا ارتدّ التصعيد اقتصاديًا على الداخل الفرنسي.
أما الريادة الأوروبية، فهي على المحك:
* تتعزّز إذا نجح ماكرون في توحيد موقف أوروبي يردع الابتزاز دون كلفة اقتصادية فادحة.
* تتراجع إذا انقسم الاتحاد أو تحوّل التصعيد إلى عبء اجتماعي واقتصادي ملموس.