الملك محمد السادس وعبد الواحد غيات باحث في العلوم السياسية متخصص في العلاقات الدولية
يأتي هذا المقال في إطار قراءة استشرافية لمستقبل التوازنات الدولية، حيث نستقرئ ملامح التحول الذي يقوده جلالة الملك محمد السادس في الدبلوماسية المغربية بناءً على المعطيات الجيوسياسية الراهنة مطلع 2026. إن السيناريوهات المطروحة هنا — وعلى رأسها انضمام العاهل المغربي لـ "مجلس السلام" كعضو مؤسس — تمثل رؤية تحليلية لما آلت إليه الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، بالنظر إلى الثقل المتزايد لسيادته كصانع قرار دولي وركيزة أساسية للأمن والتنمية في المنطقة.
مع فجر هذا العام، شهد المشهد الجيوسياسي العالمي تحولاً جذرياً؛ حيث سيُخلد يوم 19 يناير 2026 في الذاكرة باعتباره التاريخ الذي رسخ فيه جلالته مكانته كصانع قرار رائد على الساحة الدولية. إن هذا الانضمام هو تجسيد لسيناريو استراتيجي تم التحضير له في أروقة صناعة القرار الدولية كبديل للمؤسسات التقليدية. وبقبوله دعوة الرئيس الأمريكي، يكون الملك قد أعاد تعريف موازين القوى بين الشمال والجنوب، في قرار يرمز للاعتراف العالمي برؤية ملكية بنيت على مدى عقدين، وتتسم بالوضوح والطموح والواقعية.
وفي الوقت الذي يواجه فيه النظام الدولي شللاً بيروقراطياً، يبرز "مجلس السلام" كبديل راديكالي يعيد صياغة الواقع العالمي. وضمن هذا التحول، يأتي اختيار العاهل المغربي كعضو مؤسس ليكون صمام أمان وحكمة في هذا الكيان الجديد. إن هذه الدعوة هي تزكية أمريكية لمنهج "الوساطة الهادئة" الذي يتبعه؛ ذلك النهج الذي يثبت يوماً بعد آخر تفوقه في بناء جسور الحوار وتحقيق الحلول المستدامة وسط عالم شديد الاستقطاب.
تستند أهمية هذه الخطوة إلى ثلاث ركائز استراتيجية تملكها شخصية الملك القيادية؛ أولها الشرعية المزدوجة بصفته أميراً للمؤمنين ورئيساً للجنة القدس، مما يمنحه سلطة معنوية تتيح له تقديم خطاب يوفق بين الدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني والالتزام بسلام إقليمي شامل. وثانيها دور "الجسر الدبلوماسي"، حيث أثبت قدرة فائقة على فهم الرؤى الغربية مع الحفاظ على الجذور الإفريقية والعربية. أما الركيزة الثالثة فهي عقيدة "السلام عبر التنمية"، إذ يؤمن بأن الأمن لا يكتمل إلا بالازدهار، واضعاً التجربة المغربية الرائدة في الموانئ والمناطق الصناعية كخبرة ميدانية تحت تصرف المجلس.
وتُعد إعادة إعمار غزة من أهم ملفات هذا المجلس، وهنا يبرز دور المملكة كركيزة تجمع بين العمق الأمني والالتزام الأخلاقي. حيث يحرص السمو الملكي على نقل خبرات الاحترافية والحياد في بناء المؤسسات وتكريس الحوكمة الأمنية. وبصفته رئيس لجنة القدس، يضطلع بدور "الضامن الأخلاقي" لعملية السلام، لضمان استعادة الكرامة الوطنية للفلسطينيين والتلازم بين النمو الاقتصادي والحقوق السياسية.
كما تلعب القيادة المغربية دوراً محورياً في "ميثاق إعادة الإعمار الإقليمي"، عبر تكريس مكانة المملكة كمنصة لتوجيه الاستثمارات نحو إفريقيا والشرق الأوسط، ونقل نجاحات مشاريع مثل "طنجة المتوسط" لتحويل بؤر الصراع إلى أقطاب نمو. ومع جلوس صاحب الجلالة على طاولة الأعضاء المؤسسين، نشهد مرحلة جديدة لم يعد فيها المغرب يواكب الأجندات فحسب، بل أضحى فاعلاً في صياغتها، مما يمنحه قدرة على حماية الثوابت وتصدير الخبرة المتميزة في مكافحة التطرف ونشر قيم التسامح.
ختاماً، إن هذا الحضور الدولي هو التكريس التاريخي لصحة الخيارات الاستراتيجية للمملكة. ومع حلول عام 2026، يرسخ المغرب بقيادة جلالة الملك موقعه كحلقة وصل لا غنى عنها في بنية النظام العالمي، حيث أصبح صوت الحكمة المغربي يتردد بدافع التأثير في أروقة صناعة القرار، لقيادة العالم نحو ضفاف الأمن والازدهار.