بهيجة حساني: خلاصة "كان المغرب 2025" كان المغرب ومايزال وسيظل أمة وحده

بهيجة حساني: خلاصة "كان  المغرب 2025" كان  المغرب ومايزال وسيظل أمة وحده بهيجة حساني

يعلم أصدقائي المقربون أنني لست من متابعي مباريات كرة القدم، لكن أفراد عائلتي اعتادوا ممازحتي بتذكيري بهوسي أيام الصبا بهذه اللعبة؛ حيث كنت، وأنا بعد في المرحلة الإعدادية، أحفظ أسماء كل الفرق العالمية المشهورة، وأحفظ أسماء لاعبيها النجوم، وأجمع صورهم، وأعتبرها كنزي الثمين، حيث لا أحد من إخوتي كان يجرؤ على العبث بمحتويات علبة الكرتون التي احتفظت بها بعد أن اشترى لي أبي أول حذاء رياضي من اختياري، وكان شراء الحذاء الرياضي في حد ذاته انتصارا على إرادة والدتي التي كانت لها السلطة المطلقة في اختيار الأحذية والثياب لي ولبقية أخواتي، وطبيعي أن تميل الأم لاختيار الفساتين والتنورات والأحذية الجلدية البيضاء والوردية الأنيقة. وبحكم صغر سني كنت مرغمة على ارتداء ما تختاره أمي، كما كنت مرغمة على الاحتفاظ بشعري طويلا مضفورا بعناية فائقة، كيما أخدش صورة الفتاة التي ترسمها لي أمي. لكن بعد حصولي على الحذاء الرياضي أصبحت هذه العلبة مستودع كنزي الثمين. حيث ضمت صور اللاعبين وقصاصات من الجرائد والمجلات عامرة بأخبار هذا الفريق وذاك، وبأخبار اللاعبين ومكانتهم في الفرق، وقيمتهم،....


ولم أشف من هذا الهوس إلا بعد أن تجاوزت المرحلة الثانوية، ودخلت الجامعة، وتغيرت مداركي.
وأنا اليوم لا أكتب هذه الأسطر لأبخس قدر نجوم الساحرة المستديرة، بل بالعكس، أنا ككل المغاربة أثمن عاليا كل الجهود المبذولة في قطاع الرياضة، وفي كرة القدم بالخصوص، وإني أقولها على مسؤوليتي؛ لقد كانت الدبلوماسية الكروية معينا لنا في حسم العديد من الملفات، وتحقيق العديد من المكاسب، إن على الساحة المحلية، أو الإقليمية أو الدولية. وإنا إذ نشكر كل الساهرين على تنمية هذا القطاع وجعله بهذا التفوق والتألق والهيبة، ندعوا كل المسؤولين على بقية القطاعات للاقتداء بما تحقق من إنجازات في منظومة الكرة، ليخلصوا في عملهم وليكونوا في مستوى ما تحملوه من مسؤوليات لقطاعات عمومية كثيرة. كما نلفت الانتباه إلى أن باقي الجامعات الملكية الرياضية المغربية أصبحت تعتاش على نجاحات الجامعة الملكية لكرة القدم، فلا ألعاب القوى ولا باقي الرياضات يسمع لها حسيس، وقد شهدت تراجعات كبيرة، وما يزال المسؤولون بها يستظلون تحت جناح انتصارات الجامعة الملكية لكرة القدم، رغم ما يصرف عليهم من أموال طائلة، فنتائج مشاركات الأبطال المغاربة في السنوات الأخيرة هزيلة جدا، ولا ترقى للعناية التي يحظى بها قطاع الرياضة والقائمون عليه. 


إن متابعتنا لتفاصيل "كان المغرب 2025 "، جعلتنا ندرك أن المغرب كان وما يزال وسيظل أمة وحده. فلا أحد من العرب يشبهنا ونحن لا نشبه أحدا، ولا أحد من الأفارقة يشبهنا ونحن لا نشبه أحدا، ولا أحد من الدول العربية يحب الشعب المغربي والشعب المغربي الأحمق يحبهم جميعا. ولا أحد من الدول الإفريقية صديق لنا ونحن أصدقاء لهم جميعا. فلا وجود لمنطوق شقيق ولا صديق ولا خاوة خاوة إلا في تمثلات الشعب المغربي الأحمق.


فيا أيها الشعب المغربي الأحمق، ماذا تنتظر لتعود إلى رشدك؟
كل العالم الغربي يقول إن نسخة كان المغرب 2025 هي الأروع والأرقى على كل الأصعدة وبكل المقاييس. إلا الأشقاء العرب والأصدقاء الأفارقة، وحدهم يقولون إنها بطولة الفساد وسوء التنظيم وانعدام الأمن والجوع والناموس ...


كل العالم الغربي يشيد بإنجازات الفريق الوطني المغربي إلا الأشقاء والأصدقاء، يسهرون أمام الشاشات ينتظرون كبوة الأسود، ليجتاحهم فرح حقود، يجعل شوارع عواصم الدول الشقيقة مضاءة بشعلات الفرح الشامت إلى ما بعد الفجر.


بعض القنوات الإخبارية تنقل احتفالات الشعوب العربية والإفريقية، وتعلق على المشاهد بالقول فرحة الجماهير بفوز المنتخب السنغالي. لا والله إنما هي فرحة الجماهير بعدم فوز المنتخب المغربي.


فاعلم أيها الشعب المغربي الأحمق، أنك تهز أركانهم حتى وأنت غير متوج. وهذا كاف ليجعلنا نحن كمغاربة ندرك يقينا أن هذا الشعب كتب له أن يكون أمة وحده، وأن يقهر الإخوة الأشقاء والأصدقاء.


والحال هذه، وقد تجلى لنا موقعنا، وتميزنا أليس حريا بنا أن نشمر سواعدنا، كل فيما وكل إليه، لنزيد من قهرهم، ونضاعف غيضهم. 


أيها الشعب المغربي، إن طريق النصر على هؤلاء الحاقدين ليس بالوعر، إذا قمنا له قومة رجل واحد كما جاء في خطاب الفتح للملك الراحل الحسن الثاني، فلنجعل هذه الكان 2025 بداية لعهد جديد، عهد يعترف فيه كل مغربي أنه لبنة أساس في بناء مغرب قوي، موحد، يشد فيه شماله أزر جنوبه، وشرقه أزر غربه، ولا مكان لأخ أو صديق، فحين تكون قويا سيبحث عنك الضعفاء لتكون لهم الأخ والصديق، وإذ ذاك ستؤاخيهم بشروطك، وتصادقهم بإملاءاتك. وتكون كلمتك هي الأعلى وهم الأدنون.


إن هذه الكان 2025 لم تكن صفحة عابرة في السجل التاريخي للمملكة المغربية الشريفة، فلا يجب أن تطوى بعد صافرة النهاية، بل يجب أن تكون درسا حيا للمغاربة كبيرهم وصغيرهم. صحيح أننا نحن الراشدون نستطيع حفظ دروسها، واستخلاص العبر ليزداد يقيننا في أن قوتنا في وحدتنا، وأن تفوقنا في إخلاصنا وعملنا الجاد والمسؤول والنزيه، لكن جيل الصغار سرعان ما تمحي متعة الإثارة من أذهانهم، فينسون ما عاشه الشعب المغربي من حرب نفسية امتدت طيلة فترة البطولة وما بعدها. لأجل هذا فالدروس الوطنية المستخلصة من هذا التنظيم المتميز لكان المغرب 2025 يجب أن تكون حاضرة في النصوص القرائية المدرسية وبكل اللغات المدرسة في مدارسنا العمومية والخصوصية. يجب علينا أن نتحمل جميعا مسؤولياتنا في تربية النشء المغربي على القيم الأخلاقية التي تميزنا كشعب مغربي كتب عليه أن يكون أمة وحده، وعلى الوطنية الصادقة البعيدة عن زيف الشعارات، فليس كل حامل للعلم الوطني، فهو وطني، وليس كل مردد للنشيد الوطني فهو وطني، فالوطني الصادق هو الذي يكون في عمله قدوة بجديته وتفانيه وإخلاصه وإتقانه، وفي أسرته قدوة بتربية أبنائه، وإعدادهم ليكونوا نافعين لأنفسهم وذويهم وبلادهم. هذا عن المواطن العادي من يا أيها الناس، أما المواطنون المحسوبون على علية القوم من سياسيين ومفكرين وأصحاب المراكز السامية والنفوذ فمسؤوليتهم أجل وأعظم. فالسياسي المتمسك بالمنصب السامي والمقعد الرفيع وهو يعلم أنه يفسد في البلاد ولا يصلح، فليس من الوطنية في شيء ولو لوح بالعلم، والتف به، وزين به مكتبه الفخم، أما ذاك الذي يجلس عليه فقلمي مرفوع على أمثاله، لأن تخصيصهم بالقول فيه إهدار لوقتي ككاتبة ولوقتكم معشر القراء الأعزاء. ولا نملك لهؤلاء إلا الدعاء بأن يعجل المولى برفع مؤخراتهم عن المقاعد الفارهة التي يستمسكون بها ويورثونها لأشباههم. 


أيها الشعب المغربي الأبي؛ بيننا وبين احتضان جزء من مباريات كأس العالم 2030، بضع سنوات، فعسى أن تكون هذه الفترة كافية لنعيد تشكيل وعينا الجمعي، وليصبح كل مغربي مدركا تمام الإدراك أن المغرب أمة وحده. وأننا يجب أن نستعد جميعا لتكون بلادنا لوحة فسيفسائية متميزة بطابع التمغرابيت الذي يحمي هويتنا، ويضمن تميزنا. نحن لسنا أحسن من إسبانيا ولا نتفوق على البرتغال، لأنهم دول سبقتنا في البناء. لذا فنحن لا ندخل هذا التنظيم بعقلية المنافسة مع الدولتين، لكننا نريد لنسخة كأس العالم هذه أن تؤرخ لشعب طموح سائر في طريق بناء بلد قوي، بلد تمتزج فيه دماء تعربت بتمزيغت بترفيت بتشلحيت، لتشكل تلاحما وتماسكا يشبه روعة زليجنا المغربي الأصيل المتعدد القطع، والمختلف النقوش والأحجام والأشكال، لكنه متراص ومتماسك، فيه بهجة للناظرين.


أيها الشعب المغربي الأبي؛ إن تنظيم البطولات لا يعني في التعريف الاصطلاحي الفوز بها. فتاريخ المنافسات القارية والعالمية يشهد على خروج العديد من منتخبات البلاد المحتضنة للبطولة من الأدوار الأولى، أو من أدوار متقدمة أحيانا. وهنا يأتي دور إعلامنا الفقير، الذي لا يملك مؤهلات التغطية الإعلامية لتظاهرة رياضية يحتضنها المغرب. فعلى المسؤولين عن قطاع الإعلام الاشتغال، في هذه الفترة الزمنية التي تفصلنا عن تنظيم كأس العالم، على تطوير الفرق الإعلامية وتلقينهم قواعد التغطية المهنية للتظاهرات العالمية. حتى لا يجعل إعلاميونا البلداء، شغلهم الشاغل وتحليلاتهم منصبة على فريقنا الوطني. ويدفعون المتابعين للبطولة من جمهور محلي وقاري وعالمي، للاعتقاد أن كأس البطولة ملك لفريق البلد المستضيف للدورة. فهذا خلل إعلامي خطير يجب تصحيحه، وإذا لم يكن لدينا إعلاميين وصحفيين محترفين، قادرين على تحليل جميع المباريات وتقديم جميع الفرق بحيادية ومهنية، فقد آن الأوان لتحميل القائمين على الشأن الإعلامي الوطني كافة مسؤولياتهم في جزء من الاختلالات التي أثرت على التنظيم المتميز لكان المغرب 2025. 


أيها الشعب المغربي العاشق لفريقه الوطني، أنا وإن كنت لا أتابع مباريات كرة القدم، فإنني كغيري من المغاربة، أحبهم باعتبارهم من أبناء هذا الوطن، يسعون جهدهم لتحقيق النصر، وإني كغيري من المغاربة، أحب لهم النصر، وأحب لهم التميز وأحب لهم التألق، وكذلك كان فريقنا الوطني المغربي على امتداد أطوار هذه البطولة، كان منتصرا متميزا متألقا، نجما مشعا في سماء كان المغرب 2025. كان من الممكن أن نخرج من الأدوار الأولى، لأن مباراة كرة القدم ليست سوى لعبة، يتنافس فيها فريقان، ويمكن أن يأتي هدف وأكثر على خلاف مجريات اللعب ويحسم المباراة للفريق الخصم. لكن هل حبنا للفريق الوطني مرتبط بتحقيق النصر فقط؟ ألن نحبهم إذا انهزموا؟ 


أيها الشعب المغربي الأبي؛ إن تنظيم بلادنا لهذه البطولة، كان له مكاسب عدة، منها ماهو ظاهر يرصده كل متتبع، ومنها ماهو خفي لا يعلمه إلا المختصون القائمون على شأن البلاد ومكانتها بين الدول. فلا تحسبوا أن مثل هذه التظاهرات تتلخص في تهديف وتهليل وترتيب وكأس. إن لهذه الملتقيات غايات أجل وأكبر. والحمد لله أن رهانات المغرب على هذا التنظيم قد تأتت له في معظمها، وإن كان جمهور الساحرة المستديرة قد بات ليله غضوبا محبطا، فلنا العزاء في مكاسب ستبديها الأيام لنا. ولنا موعد مع فرق من العيار الثقيل ومباريات حبلى بالمتعة والإثارة لا فيها شد للأعصاب، ولا غضبة مدربين صغار. لنا موعد مع مباريات كأس العالم 2030 على أرض المملكة المغربية الشريفة، فلنكن في الموعد، ولتكن هذه الكان درسا لنا، فكما قلتها وأعيدها إن المغرب كان وما يزال وسيظل أمة وحده.