منير لكماني
الضجيج لا يأتي دائما من العنف والخصام. قد يأتي من حب بسيط يتضخم حتى يصير قادرا على إحتلال اليوم كله. كرة القدم متعة مشتركة، وفسحة يلتقي فيها الناس على فرح سريع ومشهد جميل. لكن شيئا ما يحدث حين تتحول اللعبة من تسلية إلى معيار للكرامة، ومن متابعة عابرة إلى هوية كاملة، ومن هواية إلى وعد بالمجد. عند هذه العتبة يبدأ الإرتباك: إرتباك القيم، وإرتباك الوقت، وإرتباك معنى النجاح نفسه.
فتنة هادئة
لا خلاف على سحر اللعبة. تجمع الناس، وتعلمهم روح الفريق، وتمنحهم لحظة إنتصار يتقاسمونها دون موعد مسبق. المشكلة لا تبدأ من الملعب، بل من اللحظة التي يصبح فيها الملعب مركزا لكل شيء. حينها يفقد الجمال خفته، ويصير عبئا ثقيلا: إنتظار دائم، توتر دائم، وحاجة متصاعدة لجرعة جديدة من الإثارة. يتحول التشجيع من علاقة صحية إلى علاقة إستهلاك، ترفع المزاج ثم تتركه يسقط أسرع مما إرتفع.
مجد خاطف
تغري كرة القدم بوعدين متشابهين: شهرة قريبة لمن يلعب، ونصر قريب لمن يشجع. هذا القرب يغري الكثيرين بتعليق آمالهم كلها على باب واحد. غير أن الواقع لا يوزع الفرص بعدل، ولا يفتح الأبواب للجميع. من هنا ينشأ الخلل: أحلام واسعة تختصر في مسار ضيق، وتوقعات كبيرة تضعف القدرة على الصبر والعمل في مجالات أخرى. حين يضيق معنى النجاح، تصير بقية المعاني ظلالا باهتة.
نزيف الوقت
أخطر ما في الظاهرة أنها لا تبدو خطيرة. ساعات طويلة تذهب في المتابعة، والتحليل، والنقاش، والجدال، ثم يعود المرء ليكتشف أن يومه تقلص دون أن يشعر. الوقت الذي كان يمكن أن يثمر علما أو مهارة أو علاقة أسرية دافئة يذوب في هواء الشاشات. لا يحتاج الأمر إلى أرقام كي يكون واضحا؛ يكفي أن تسأل نفسك: كم مرة أجلت شيئا نافعا لأن مباراة كانت أهم؟ وكم مرة عاد الغضب إلى البيت بسبب خسارة لا تمس لقمة العيش؟
تجارة الانفعال
حين تدخل الشركات بقوة، تتغير اللغة. يصبح القميص سلعة، واللاعب علامة، والجمهور هدفا إعلانيا. لا يعود الإنتماء بريئا تماما، بل يصير جزءا من إقتصاد كبير يبيع الفرح ويشتري الإنتباه. هنا يتعلم بعض الناس أن يفرحوا حين يطلب منهم الفرح، وأن يغضبوا حين يطلب منهم الغضب. يتحول القلب إلى شاشة صغيرة داخل الشاشة الكبيرة.
حياة مستعارة
تظهر ملامح ظاهرة أخرى: أن يعيش الإنسان مجده عبر أقدام غيره. يصرخ كأنه سجل الهدف، ويحزن كأنه خسر بنفسه، ويعلق حياته على نتائج لا يملك منها شيئا. لا بأس بالفرح والحزن، لكن الخطر أن يصير ذلك بديلا عن بناء حياة واقعية. حين يغيب المشروع الشخصي، تصبح إنتصارات الآخرين قناعا يغطينا مؤقتا، ثم ينكشف عند أول صمت.
ميزان المتعة
لا يطلب من الناس ترك اللعبة ولا كرهها. المطلوب فقط إعادة الحجم إلى حجمه. الحياة أوسع من ملعب، والنجاح أعمق من لقب، والكرامة لا تقاس بصوت المدرجات. من يضع للمتعة حدودا يربح المتعة نفسها، ومن يمنحها كل شيء قد يخسر أشياء كثيرة دون أن ينتبه. التوازن ليس عدوا للفرح، بل حارسه.
مرآة الموسم
قد تسأل نفسك بعد كل موسم: ماذا أضافت هذه المتابعة إلى شخصيتي؟ هل قربتني من أهلي أم أبعدتني؟ هل علمتني صبرا أم زادتني إستعجالا؟ هل جعلتني أوسع أفقا أم أضيق رأيا؟ ثم سؤال أخير يطرق بهدوء: إذا توقفت الكرة يوما عن إبهاري، فبماذا سأملأ فراغي؟ ومن أكون حين تنطفئ الشاشة؟.