عبد الرفيع حمضي
يقصد بـ«قضاء الشارع» ذلك السلوك الذي يستبدل فيه الاحتكام إلى القواعد والمؤسسات بمنطق الانتقام، حيث يتحول الخلاف من بحث عن الحق إلى رغبة في تحقيق انتصار رمزي يعوض هزيمة لم تحتمل. في هذا السياق، لا يعود الهدف تصحيح القرار أو مساءلة الخطأ، بل فرض الشعور بالقوة عبر الضغط الجماعي والانفعال الآني. وهو سلوك لا مدني في جوهره، لأنه ينقل النزاع من دائرة القانون إلى دائرة الغريزة، ومن منطق القاعدة إلى منطق الغلبة.
في هذا الإطار، لا يمكن قراءة ما قام به المدرب السنغالي بابي ثياو، حين أمر لاعبيه بالانسحاب احتجاجا على قرار الحكم، باعتباره مجرد اختلاف تقني أو لحظة غضب عابرة. نحن أمام فعل اختار نقل النزاع من منطق اللعبة إلى منطق الضغط، ومن فضاء القانون إلى منطق الشارع. فالانسحاب هنا لا يشكل إجراء رياضيا مشروعا، بل تعطيل مقصود للمباراة، ورسالة ضغط موجهة عبر الجمهور لا عبر المؤسسات المختصة.
وقد جرى هذا السلوك داخل ملعب يضم أكثر من ستة وستين ألف متفرج، أغلبهم مغاربة وقلة من السنغاليين. في فضاء بهذه الكثافة، لا تكون الإشارات محايدة، ولا القرارات معزولة عن آثارها. أي تصرف غير محسوب قد يفتح مسارا من التفاعلات يصعب التحكم فيها. لذلك، فإن الدعوة إلى الانسحاب في لحظة توتر، وأمام جمهور مشحون، ليست احتجاجا تقنيا، بل مجازفة حقيقية بأمن الملعب وسلامة الحاضرين.
وتزداد خطورة هذا السلوك حين نعلم أنه وقع بحضور شخصيات سيادية، أمير ، وشخصيات وازنة، رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، ورئيس الكونفدرالية الإفريقية، إلى جانب مسؤولين آخرين. وهو ما يعني أن المدرب كان واعيا بأن ما يقوم به يتجاوز خلافا داخليا محدودا، ليأخذ شكل رسالة علنية تحرج المؤسسة الرياضية في أعلى هرمها. ومع ذلك، اختار التصعيد بدل الاحتكام إلى المساطر، والضغط بدل الانتظار، والمواجهة الرمزية بدل الطعن المؤسسي.
الجميع يعلم ان الرياضة الحديثة قامت، في جوهرها، على مبدأ أساسي يتمثل في نقل النزاع من الشارع إلى المؤسسة. الحكم، مهما أخطأ أو أصاب، يظل قاضيا داخل الملعب، وقراراته لا تواجه بالتعطيل ولا بالانسحاب، بل تناقش ويطعن فيها داخل الآليات المعتمدة لدى الاتحادات القارية والدولية. هذا هو جوهر المدنية الرياضية، وهو الدرس الذي راكمته التجارب الدولية بعد كوارث دفعت ثمنا باهظا للخلط بين الانفعال والقانون.
تما استدعاء الشارع، ولو بشكل غير مباشر، لفرض القرار، فهو يمثل عودة صريحة إلى منطق ما قبل الدولة، حيث يحسم الخلاف بالصوت العالي لا بالحجة، وبالتأزيم لا بالإجراءات. لذلك، فإن قضاء الشارع سلوك همجي، لأنه يقوم على الانتقام لا على الحق، وعلى تعطيل القواعد لا على تطويرها، وعلى مخاطبة الغرائز لا العقول.
ويزداد هذا السلوك خطورة حين يكون محكوما بحسابات أنانية ضيقة. أن تغامر بأمن الآلاف، وتضع الجماهير على حافة الانفلات، وتهدد علاقات شعبين تجمعهما روابط إنسانية وتاريخية عميقة، فقط لتحسين شروط تفاوض أو رفع تعويض محتمل، فذلك سقوط أخلاقي قبل أن يكون خطأ مهنيا. فالرياضة، حين تساء إدارتها، تتحول من جسر للتقارب إلى عبء اجتماعي.
ومن الضروري التوضيح أن هذا الأمر لا يستهدف السنغال ولا الشعب السنغالي، ولا كل جمهوره الذي ظل في أغلبه بعيدا عن أي سلوك منفلت. بل الحديث هنا ينصب حصرا على سلوك مدرب واحد، في لحظة محددة، اختار فيها الخروج عن منطق اللعبة وقواعدها. فالمعيار في النقد ليس الهوية ولا الانتماء، بل احترام القانون.
ولعل التجارب الدولية تؤكد أن أغلب كوارث الملاعب لم تبدأ بعنف مباشر، بل بسلوكات غير مسؤولة من فاعلين يفترض فيهم الوعي بثقل مواقعهم. لذلك شددت الاتحادات الكبرى العقوبات على المدربين واللاعبين، ليس لمنع الاحتجاج، بل لحماية الفضاء العمومي الرياضي من الانزلاق، لأن لحظة انفلات واحدة قد تحول الاحتفال إلى مأساة.
المسألة، في النهاية، ليست في قرار تحكيمي، بل في اختيار طريقة التعامل معه. الانسحاب الاحتجاجي في هذا السياق ليس بطولة، بل تهرب من منطق اللعبة، ومحاولة لإحراج المؤسسة عبر الجمهور لا لمساءلتها عبر القانون. والفرق بين الأمرين هو الفرق بين المدنية والهمجية.
ولم اجد ابلغ تعبير على ما حدث هو ان أستعير بتصرف ما قاله الصحفي فارس عوض من
ان المنظمين حاولوا
أن ينتشلوا الضفدع من المستنقع، لكن الضفدع مكانه الطبيعي هو المستنقعات.
ليست العبارة شتيمة، بل توصيف قاس لحالة ذهنية ترفض الارتقاء إلى منطق القواعد، وتصر على البقاء أسيرة ردود الفعل الغريزية. ففي الرياضة، كما في غيرها، لا يكفي وجود القوانين، إذا كان من يرفض الاحتكام إليها يفضل الفوضى على النظام، والضغط على الحق، والشارع على المؤسسة.