فؤاد إبن المير: لماذا يُستهدف المغرب؟

فؤاد إبن المير: لماذا يُستهدف المغرب؟ فؤاد إبن المير

في العداء المُصنَّع، والحصار التاريخي، وضرورة الوعي الاستراتيجي

ليس العداء الذي تواجهه المملكة المغربية من بعض دول إفريقيا جنوب الصحراء، ومن أطراف في العالم العربي، مجرد اختلافات سياسية عابرة أو سوء فهم دبلوماسي. بل هو ظاهرة مركّبة، تُدار وتُغذّى بشكل منهجي، وتندرج ضمن صراع أعمق حول المكانة الإقليمية، والشرعية التاريخية، والقدرة على الفعل المستقل.

فالمغرب، بحكم تاريخه، وموقعه، واستمرارية دولته، لم يكن يومًا دولة عادية في محيطها. وكل دولة تتجاوز حجمها الجغرافي بوزنها الرمزي والسياسي، تجد نفسها بالضرورة عرضة للاستهداف.

عداء لا يخدم أصحابه

المثير للانتباه أن جزءًا مهمًا من هذا العداء لا يخدم المصالح الحقيقية للدول التي تُعبّر عنه. فلا منطق اقتصادي، ولا أمني، ولا تنموي، يبرّر مواقف عدائية تجاه المغرب من دول إفريقية أو عربية يفترض أن تجمعها به روابط التاريخ والدين والجوار والمصالح المشتركة.

ما يحدث في الواقع هو تصريف سياسي لعداء مُصنَّع، يتم تغذيته عبر المال، والضغط الدبلوماسي، والاستثمار في هشاشة بعض الأنظمة أو ارتهانها. وفي قلب هذا المسار، يبرز دور الجار الشرقي الذي جعل من معاداة المغرب خيارًا استراتيجيًا ثابتًا، تُصرف من أجله ملايين الدولارات، ليس لبناء الداخل، بل لعرقلة الآخر.

نحن أمام نموذج واضح لـ«العداء بالوكالة»: أطراف تُحرّك، وأخرى تُنفّذ، وثالثة تلتزم الصمت.

المغرب… دولة مركز لا دولة هامش

لفهم هذا الاستهداف، لا بد من العودة إلى التاريخ. فالمغرب لم يكن يومًا كيانًا طارئًا أو دولة وُلدت من فراغ. هو دولة ضاربة في العمق، امتد إشعاعها السياسي والديني والتجاري عبر الصحراء وإفريقيا الغربية والمتوسط.

الدول المركزية، عبر التاريخ، لا تُحارَب لأنها ضعيفة، بل لأنها مُزعجة لتوازنات قائمة. والمغرب، منذ قرون، يعيش هذا الوضع: حصار حينًا، تشكيك حينًا آخر، ومحاولات عزل أو تطويق كلما أعاد ترتيب أوراقه.
الاستهداف، في هذا السياق، ليس استثناءً مغربيًا، بل قاعدة تاريخية.

الخلل في وعينا نحن

غير أن الإشكال الأكبر لا يكمن فقط في الخارج، بل في طريقة تلقينا نحن لهذا العداء. فغالبًا ما يُقابل بالدهشة أو الغضب، دون أن يُفهم كجزء من منطق الصراع بين الدول.

نادرًا ما نُدرّس لأبنائنا أن المغرب:
    •    كان دائمًا في قلب تنافس إقليمي.
    •    لم يكن محاطًا ببيئة ودّية بالكامل.
    •    وأن السيادة مسار دائم لا وضع نهائي.

غياب هذا الوعي يجعل المجتمع عرضة للتأثر بالدعاية، أو للاستغراب الساذج من مواقف لا يجب أن تُفاجئنا.

منطق «الجزيرة» كخيار واقعي

في هذا السياق، يبرز ما يمكن تسميته بـمنطق الجزيرة. لا بمعنى الانغلاق أو القطيعة، بل بمعنى التحصين واليقظة. أي:
    •    بناء علاقات على أساس المصالح الواضحة لا النوايا المفترضة.
    •    التعامل بحذر مع المحيط، دون عداء ودون سذاجة.
    •    حماية الجبهة الداخلية ثقافيًا وإعلاميًا قبل أي شيء آخر.

الدول التي تنجو اليوم ليست الأكثر أخلاقية، بل الأكثر وعيًا بحدود الثقة.

نجاح المغرب… سبب إضافي للاستهداف

المفارقة أن ما يزيد من حدة العداء هو نجاح المغرب نفسه: عودته الإفريقية، حضوره الاقتصادي، استقراره السياسي، وتقدّم ملف وحدته الترابية وانتصاراته الرياضية ..... فالدول لا تُهاجَم حين تفشل، بل حين تُربك حسابات غيرها.

وهذا ما يفرض علينا الانتقال من منطق ردّ الفعل إلى منطق الفهم، ومن منطق الشكوى إلى منطق بناء الوعي.

خاتمة

المغرب لا يعيش مؤامرة دائمة، لكنه يعيش صراعًا دائمًا على الموقع. ومن لا يفهم هذا الصراع، يسيء قراءة الواقع.

ليس المطلوب تعبئة عدائية، ولا خطاب ضحية، بل وعي هادئ بحقيقة التاريخ والجغرافيا:
أن المغرب كان وسيظل دولة قائمة بذاتها، والمستقلّون دائما مستهدفون ؟

الدكتور فؤاد إبن المير أستاذ باحث في السوسيولوجيا