عثمان بن شقرون
خيم الصمت في الملاعب، وانفضت الحشود، وطُويت صفحة المنافسة، لكن الحدث في جوهره لم ينتهِ، بل لعلّه بدأ للتو كظاهرة سوسيولوجية تستحق التفكيك العميق والاشتباك النقدي. فبينما كانت الصحافة الدولية تحتفي بما وصفته بـ «النسخة الأفضل في تاريخ كأس إفريقيا»، وتقدّم مدرجات الملاعب المغربية، في ست مدن كبرى، صورة تنظيمية وبشرية وبنيوية أعادت للقارة الإفريقية ثقتها بذاتها الكروية وقدرتها على مضاهاة الكبار، انسلّت من بين هذا المشهد العام تصرفات نشاز بدت، منذ الوهلة الأولى، غير متناسبة مع السياق الاحتفالي الباذخ. لم تكن تلك اللحظات مجرد انفعالات رياضية عابرة أو ردود فعل لحظية على خسارة مباراة، بل كانت مؤشرات ساطعة على خلل أعمق في بنية التلقي لدى الآخر، حيث استحال الفضاء الكروي الإفريقي المفتوح مرآة عاكسة لتوتر نفسي جماعي مكبوت، وجد في الميدان الأخضر مجالاً حيوياً وآمناً للظهور والتفريغ.
إن الهجوم الضاري الذي استهدف التنظيم المغربي لم يكن نابعاً من خلل في الخدمات أو تعثر في اللوجستيك، بل كان نابعاً، في مفارقة عجيبة، من فائض في الجودة. فحين يبدو جمهور واحد ، من وسط فسيفساء قارية متعددة الثقافات والأهواء، عاجزاً عن الاندماج في مناخ الفرح العام، ومشدوداً بصلابة إلى سردية عدائية ثابتة، فإن الأمر لا يُقرأ بوصفه مجرد اختلاف في أساليب التشجيع، بل بوصفه عجزاً بنيوياً عن تحمّل التجربة الجماعية الناجحة ذاتها. هنا لا يكون الحدث الرياضي هو المشكلة في حد ذاته، بل المشكلة تكمن في الحمولة النفسية المسبقة التي تُسقَط عليه؛ هذا الاستعداد الذهني السابق على الصافرة يجعل من أي نجاح يحققه المغرب مادة للقلق الوجودي لا للاحتفاء الإنساني. إننا هنا أمام حالة من الإنكار الممنهج، حيث لا تُستهدف الكرة ولا النتيجة، بل تُستهدف صورة الذات الناجحة في مرآة الآخر المأزوم؛ إذ يتحوّل الإنجاز الميداني القريب إلى تهديد رمزي لسردية الفشل الداخلية، لا يُواجَه بالاعتراف، وإنما بالإنكار أو بالعدوان الرمزي كآلية دفاعية أخيرة لحماية تلك السردية المتهالكة من الانهيار التام.
لقد انتقلت هذه المواجهة من ردهات الصحافة المأجورة وشاشات التلفزة الموجهة بنقل الأخبار الزائفة والمضللة لتمارس إرهاباً تكتيكياً وقحاً داخل المستطيل الأخضر، محولةً الأدوار النهائية إلى ساحة لتصفية حسابات حروب الوعي. لقد كشفت المباريات الحاسمة عن أنياب كانت تتخفى وراء قناع اللطف الأولي والدبلوماسية الهشة؛ فما أبان عنه الإطار الفني لدولة مصر من تشنج وعدائية، يثبت أن الآخر يتقبل نجاحك طالما أنك تكتفي بدور الخادم للدورة والمنظم الكفء لها، لكنه ينتفض برعب وتشنج حين تطمح لأن تكون سيداً للميدان ومتوجاً بالكأس فوق أرضك.
أما ليلة النهائي المشهودة أمام السنغال، فقد كانت تجسيداً حياً لتحول الملعب إلى جبهة لابتزاز الإرادات وتحطيم الروح الرياضية عبر الإرهاب التكتيكي. إن ما أقدم عليه المدرب السنغالي بتوجيه لاعبيه لمغادرة الميدان وتوقيف المباراة لأكثر من ربع ساعة لم يكن مجرد احتجاج على ضربة جزاء مشروعة، بل كان تكتيكاً مدروساً بعناية لممارسة ضغط نفسي هائل على الحكام وتهديد المنظمين بفساد ليلة الختام أمام أنظار العالم. لقد وُضع المغرب تحت مقصلة الابتزاز، إما الرضوخ لهذا التمرد أو تحويل العرس الأفريقي إلى فضيحة دولية مشهودة. هنا، يلتقي الخبث الكروي بالخرق القانوني الصريح للوائح "الكاف"، حيث فُرِض على اللاعب المغربي ضريبة التحضر؛ ومن البديهي أن يفقد تركيزه وسط هذه الغوغائية واجتياح الجمهور للأرضية، وليُحتسب ضده هدف مسبوق بخطأ واضح، في مشهد غاب فيه الإنصاف الرياضي أمام رغبة الخصم في تحطيم هيبة الاستقرار المغربي بأي ثمن.
وفي موازاة هذا التغول الميداني، كانت حروب الوعي الاستراتيجية بلغت أقصاها وصارت تدار بمبضع إعلامي جزائري اشتغل لأكثر من عام قبل انطلاق البطولة على هدم اليقين والتشكيك الممنهج في قدرات المغرب التنظيمية. وحين سقطت هذه الأوهام أمام حقائق الملاعب العالمية الستة، انتقلت هذه الحروب لتُمارس عبر سلوكيات تدنيسية مشينة؛ إن تلك الصور التي نُقلت عبر الهواتف، من تعمد البعض التبول داخل المنشآت الرياضية على المباشر، أو تمزيق العملة الوطنية كرمز للسيادة والتنمية، أو توثيق إهانات عنصرية وقذف في حق المغاربة على أمل نشرها لاحقاً، ليست مجرد تصرفات فردية طائشة، بل هي تطبيقات ميدانية لعملية تنشئة معكوسة أنتجت الإنسان المقهور المعبَّأ. إن هذا الفرد الذي تم شحنه لسنوات بمؤامرة الفشل المغربي وجد نفسه أمام فائض في الجودة يدين فشله الشخصي، فلجأ إلى تلويث المرفق العام أو تمزيق العملة كآلية دفاعية أخيرة لتمزيق صورة نجاح لم تستطع ذاته المأزومة استيعابها أو مجاراتها.
إن الدرس الأكبر الذي خرج به المغرب يتجاوز النتائج الرياضية المحضة؛ لقد كانت لحظة سقوط الأوهام الكبرى حول ما سمي طويلاً بـالدبلوماسية العاطفية. لقد اكتشف الوعي الجمعي المغربي، في مختبر الجحود هذا، أن اللطف المفرط وفتح الملاعب بالمجان وتشجيع فرق منافسى في البطولة لا ينتج بالضرورة حلفاء، بل قد ينتج شعوراً بـالاستحقاق الزائف وجحوداً مريراً لدى طرف اعتاد الأخذ دون العطاء؛ ليؤكد المغرب، من خلال هذا الاختبار القاسي، أن القوة الناعمة الحقيقية لا تُستجدى بالعواطف، بل تُبنى بمنطق مغاير تماماً يقوم على التنظيم المحكم، والصمود الرصين أمام الاستفزاز، والترفع السيادي عن الغوغائية.
يخرج المغرب اليوم من هذه الكأس بمنطق جديد وشجاع. إنه لا يطلب الود من أحد، بل يفرض الاحترام بمنطق الإنجاز السيادي الملموس على الأرض. فالوطنية الحقيقية لا تُقاس بقسوة الشتيمة، بل بقدرة المجتمع على تربية فرد متوازن يحترم سيادة الآخرين، ويدرك أن الملاعب خُلقت للتقارب، لا لبناء جدران الكراهية التي لا توجد إلا في عقول من استمرأوا الهزيمة النفسية أمام حقائق الميدان الساطعة.