الكور: من رسالة ملكية إلى درس في الحكامة الرمزية.. كيف حوّل الملك نتيجة المنافسة الرياضية إلى انتصار معنوي للوطن

الكور: من رسالة ملكية إلى درس في الحكامة الرمزية.. كيف حوّل الملك نتيجة المنافسة الرياضية إلى انتصار معنوي للوطن خديجة الكور

على إثر المباراة النهائية لكأس أمم إفريقيا، التي تُوِّج فيها المنتخب السنغالي باللقب، وجّه الملك محمد السادس رسالة سامية إلى أعضاء المنتخب الوطني المغربي، أشاد فيها بمسارهم المتميز، وبالروح القتالية والأداء المشرف الذي بصموا به مشاركتهم في هذه التظاهرة القارية.


وقد ركزت الرسالة المولوية على الاعتزاز بما تحقق، والتنويه بالانضباط والعمل الجماعي، وربط الإنجاز الرياضي بالاستثمار في الرأسمال البشري وبالرهانات الاستراتيجية الكبرى للمملكة، خاصة في أفق احتضان تظاهرات كروية عالمية. 


كما حملت الرسالة معاني الدعم والثقة، مؤكدة أن ما تحقق يشكل لبنة إضافية في مسار بناء نموذج رياضي وتنموي متكامل.


غير أن هذه الرسالة، في عمقها، لا يمكن اختزالها في بعدها الرياضي أو في سياقها الظرفي، إذ تكشف القراءة المتأنية لمضامينها أنها نص سياسي متكامل الأبعاد، يحمل رؤية استراتيجية واضحة، ورسائل دبلوماسية دقيقة، وآليات محسوبة لتدبير الوجدان الجماعي.


إنها رسالة لا تتحدث عن كرة القدم فقط، بل تتناول الدولة، والوطن، وإفريقيا، وموقع المغرب في العالم.
إن أول ما يلفت الانتباه في هذه الرسالة هو الغياب التام لمفهوم الهزيمة بوصفها إخفاقًا. إذ يعمد الخطاب الملكي إلى إعادة تأطير النتيجة الرياضية ضمن مفاهيم المسار، والأداء المشرف، وبلوغ المباراة النهائية. وهذا الاختيار ليس بريئًا ولا محض تجميل لغوي، بل يعكس تصورًا سياسيًا عميقًا مفاده أن الإخفاق لا يصبح معيقًا حين يكون جماعيًا، ومُدارًا، ومندرجًا ضمن رؤية استراتيجية بعيدة المدى.


فالرسالة، في جوهرها، خطاب تربوي سياسي موجّه إلى المجتمع المغربي برمته، ومفاده أن القيمة لا تُقاس فقط بحصد الألقاب، بل بالقدرة على صون الكرامة، والحفاظ على الثقة، والاستمرار في البناء رغم العثرات.


ويتجاوز هذا الخطاب البعد الرياضي ليضع كرة القدم في صلب العقيدة التنموية للدولة. فالربط الصريح بين الأداء الرياضي، والاستثمار في الرأسمال البشري، وتحديث البنيات التحتية، وأفق تنظيم كأس العالم 2030، ليس تفصيلاً عرضيًا، بل إعلانًا واضحًا بأن الرياضة تُعد رافعة استراتيجية من روافع المصداقية الدولية للمملكة المغربية.


ويستهدف هذا الخطاب عدة دوائر في آن واحد: الشركاء والمؤسسات الدولية، والممولين والمستثمرين، والهيئات الرياضية العالمية، والرأي العام الدولي. فالمغرب يُقدَّم هنا كدولة تخطط، وتستثمر، وتستبق، وتشتغل وفق منطق الاستمرارية، حيث تتحول النتائج الرياضية إلى شهادة رمزية على نجاعة خيار تنموي أوسع وأعمق.


وتحضر إفريقيا بقوة في هذه الرسالة، ليس كفضاء جغرافي فحسب، بل كأفق سياسي وحضاري. فالإشادة بالشباب الإفريقي، وبقدرة القارة على التميز والإبداع، تعكس توجهاً واعياً نحو توظيف القوة الناعمة.


إن المغرب يقدّم نفسه، من خلال هذا الخطاب، لا كقوة مهيمنة، بل كفاعل واثق في قدرات إفريقيا، ومؤمن بإمكاناتها، وشريك في مسار نهوضها، وهي رسالة تنسجم تماماً مع التوجهات الكبرى للسياسة الإفريقية للمملكة، القائمة على التعاون جنوب–جنوب، وبناء الشراكات، وتعزيز الحضور الاستراتيجي بهدوء ودون ضجيج.


وفي سياق اتسم بارتفاع منسوب الانتظارات الشعبية، اضطلعت الرسالة الملكية بوظيفة أساسية، تمثلت في احتواء خيبة الأمل دون تضخيمها، وتحويل الإحباط إلى شعور بالفخر المتزن، ومنع الانزلاق نحو خطاب شعبوي أو انفعالي. فالخطاب لم يلجأ إلى المبالغة، ولم يُغرق في الوعود، ، بل اشتغل بمنطق التهدئة والتأطير، مؤكدًا أن الاستمرارية والرصانة قيم سياسية في حد ذاتها، وهو ما يعكس نموذجًا لقيادة هادئة، تستند إلى الثقة لا إلى الإثارة.


ولا يقتصر هذا الخطاب على مخاطبة الجمهور الرياضي، بل يحمل بين سطوره رسالة غير معلنة موجهة إلى النخب السياسية والمؤسساتية. فهو يثمّن الانضباط، والعمل الجماعي، والرؤية بعيدة المدى، والمثابرة، وفي المقابل يوجّه نقدًا ضمنيًا لكل مظاهر الارتجال، وقصر النفس، والصراعات الهامشية التي تُفرغ الفعل العمومي من مضمونه. وهنا تتحول كرة القدم إلى استعارة للحكامة: فلا نجاح مستدام دون رؤية، ولا إنجاز دون انسجام واستمرارية.


أما ما لم تقله الرسالة فلا يقل دلالة عما قالته. فلا تسمية لمسؤولين، ولا تشخيص لاختلالات، ولا فتح لنقاش عمومي آني، وهو صمت ليس غفلة، بل اختيار سياسي واعٍ، يُقدِّم أولوية التماسك الوطني على منطق المحاسبة الظرفية. إنه تأجيل للنقاش لا إلغاء له، ورفض لتحويل الإخفاق الرياضي إلى مادة للصراع السياسي.


و تأتي هاته الرسالة الملكية في سياق دولي وإقليمي متوتر، يتسم بتصاعد الخطاب العدائي، وباستغلال الأحداث الرياضية لأغراض سياسوية وبظاهرة “الفرح بالتراجع” لدى بعض الدول التي لا تكتفي بالتنافس الرياضي، بل بالتشفي حيث شهدت بعض الدول، مثل مصر والجزائر والسنغال وموريتانيا، ردود فعل انفعالية احتفلت بما اعتُبر “هزيمة ” المغرب، هذا التراكم من العداء، الذي يتخذ أحيانًا شكل حرب إعلامية أو استفزازات سياسية، يجعل من الرسالة الملكية ليس مجرد خطاب رياضي، بل صرخة حكمة في عالم ينهار أمامنا، و”موقف دولة” يرفض أن تتحول الرياضة إلى ساحة للصراع والابتزاز، أو إلى منصة لتغذية  الخقد و الكراهية بين الشعوب. فالمغزى هنا ليس في “النتيجة” بحد ذاتها، بل في كيف تُدار النتيجة؛ وكيف تُحوّل من مناسبة للتشفي والتفرقة إلى مناسبة للتماسك، ولتأكيد قيم الاحترام، ولإظهار أن المغرب، في لحظة فخره أو في لحظة امتحانه، يظل متمسكًا بكرامته، وبثوابته، وبسياسته التي لا تُستبدل بمشاعر انتقامية أو ردود فعل عاطفية. بهذه الرسالة، يرسّخ الملك معنىً عميقًا: أن الدولة العاقلة لا ترد على الحرب بالكراهية، بل ترد بالحكمة، وبالرسالة التي ترفع من شأن الوطن وتُعيد للرياضة مكانتها كجسر للتقارب لا كأداة للتصعيد.


وفي المحصلة، لا يمكن اختزال هذه الرسالة في كونها خطابًا موجهًا للاعبين. إنها خطاب دولة، متعدد المستويات، يخاطب في آن واحد الداخل الوطني، والفضاء الإفريقي، والساحة الدولية، ويؤكد أن المغرب يمضي في مساره بثبات، ورؤية، وهدوء، حتى حين لا تتحقق الانتصارات الفورية. إنها رسالة ترسّخ صورة دولة واثقة، وقيادة متزنة، ومشروع وطني يتجاوز منطق النتائج الظرفية، وهنا تحديدًا تكمن قوتها السياسية.

 

 خديجة الكور/ رئيسة منظمة النساء الحركيات