لحسن العسبي وباب ثياو مدرب المنتخب السنغالي
كان الزعيم المصري جمال عبد الناصر قد قال في تفسير أسباب هزيمة يونيو 1967 أمام الطيران الإسرائيلي:
"كنا ننتظرهم من الشرق فجاءونا من الغرب".
تليق تماما، بالنسبة لنا مغربيا، مقولة جمال هذه مع ما تم تسجيله من سيناريو محبوك (بنية الغدر) من قبل السلطات السنغالية في نهائيات كأس أمم إفريقيا التي كان ربما من سوء حظنا أننا نظمناها ببلادنا (لأن للكفاءة كلفة سلبية أيضا حين لا تليق بمن تتوجه إليهم).
كنا مغربيا ننتظر استفزازات وشغبا من البعثة الجزائرية أو النيجيرية أو الجنوب الإفريقية، للأسباب السياسية والثقافية التي نعرفها جميعا في علاقتنا مع حكومات ونخب هذه البلدان الإفريقية، التي قد تحركها غاية الإساءة لصورة بلدنا من خلال الطعن في مستوى التنظيم والإستقبال. لكنها جاءتنا من آخر من كنا نشك أو حتى نتخيل أنها قد تأتينا منهم الإساءة: السنغال. بحكم ما كنا نوهم أنفسنا به أننا وإياهم أشبه بالتوائم ثقافيا وروحيا وسياسيا وشعبيا.
لنترك الوقائع تتكلم ثم نستخلص الخلاصات الواجبة بخصوصها.
شكل الحضور السنغالي (منتخبا ومدربا وجماهير) في المجال العام لمدينة طنجة، سواء داخل ملعب ابن بطوطة أو خارجه، منذ بداية منافسات نهائيات كأس الأمم الإفريقية نموذجا للفرح باللعبة فنيا وجماهيريا سجله المغاربة بتقدير واعتزاز، بل بفخر أيضا.. حيث تصدرت صور جمهور السنغال بألوانه الصفراء والخضراء والحمراء مختلف المواقع المغربية كنموذج لجمهور منظم، محترم وراق.. كان أغلب المغاربة فرحين بهم كما لو أنهم أفراد من العائلة.. ومع توالي المباريات كان الفريق السنغالي مسنودا بالجمهور المغربي في الملعب والشارع ومقر الإقامة الفاخرة، اعتزازا بزملاء ساديو ماني، فيما كان مدرب الفريق يصدر عن رصانة وهدوء لافتين..
فجأة سيتغير كل شيء بمجرد انتهاء مقابلتي نصف النهاية وتأكد تأهل المنتخبين السنغالي والمغربي إلى المباراة النهائية المقرر إجراؤها يوم 18 يناير 2025 بالرباط.
هنا ابتدأت ملامح سيناريو مثير..
كانت بدايته حين أصدرت جامعة كرة القدم السنغالية بلاغا تخبر فيه جمهورها أن منتخب بلادها سيغادر طنجة في الساعة كذا لركوب قطار "التيجيفي المغربي – البراق" (أسرع قطار في إفريقيا)، وأنه سيصل إلى محطة الرباط – أكدال في الساعة كذا.. إلى هنا قد يبدو الأمر تواصليا عاديا. لكن التطورات التي تلت ذلك أكدت العكس تماما للأسف.. حيث اتضح أن النية مبيتة لأمور أخرى غير رياضية..
كان الفخ هو تحقق ارتباك تنظيمي بمحطة القطار بالرباط للبناء عليه، سببه العدد الكبير من الجماهير السنغالية الحاضرة، في مقابل عدد غير كاف من رجال الأمن المغاربة، اعتبارا ربما لأن الجهات الأمنية رأت أن لا حاجة لحضور استثنائي لعناصرها بيقين ثقتها في الجمهور السنغالي الذي نعتبره جميعا مغربيا أنه "ابن الدار" وأنه لن يتسبب في مشاكل مثلما كان يخشى من جماهير إفريقية أخرى.. هنا كان خطأ الثقة، الذي نفذت من خلاله جامعة كرة القدم السنغالية سيناريو خبيث لم يكن يتوقعه منها أحد..
هل الأمر متعلق فقط ب "تقنيات الضغط" قبل مباراة نهائية حاسمة أحد طرفيها منتخب البلد المضيف المغرب؟.
للأسف تطورات الأمور أبرزت أن الأمر أكبر من ذلك.. ما الدليل؟
فجأة وخرجت الجامعة السنغالية ببلاغ فيه من الإساءة لصورة المغرب ما لا يمكن تصوره، اعتمادا على منطق التشكيك والتخوين. بلاغ كان من أثر تطاوله أن سارعت وزارة الخارجية السنغالية لإصدار بلاغ بعد ثلاث ساعات فقط تقول فيه النقيض تماما، بما يفهم منه أنها تتبرأ من بلاغ جامعة الكرة.
قلنا هي هفوة وتم تجاوزها..
لكن سيأتي مدرب المنتخب السنغالي في ندوته الصحفية ليواصل الهجوم على صورة المغرب والمغاربة صباح يوم الجمعة 16 يناير 2025، بكلام ليس فقط خطيرا واتهاميا، بل بإسقاطات سياسية ومواقف سياسية لا علاقة لها بشؤون اللعبة وتاكتيكها:
- سيطعن في التنظيم إلى الحد الذي بلغ فيه الإتهام بحدوث مخاطر تهدد حياة أعضاء المنتخب السنغالي بمحطة القطار بالرباط.
- سيطعن في ملعب التداريب بشكل مثير، كما لو أننا في جمهورية للموز، بما يُفهمُ منه أن المغاربة سيتجسسون على تداريب وخطط المنتخب السنغالي.
- سيطعن في مقر الإقامة كما لو أن هناك نية مغربية للتشويش على راحة لاعبي الفريق السنغالي وتركيزهم الذهني والصحي.
- سيجتهد بخبث لتقديم مقارنة لا يطلبها السياق بين نهائيات كأس أمم إفريقيا ونهائيات سابقة لبطولة الشان أقيمت بالجزائر، في تصرف طفولي منه، غايته اللعب على وتر الخلاف السياسي بين الجزائر والمغرب، مفضلا ظروف الجزائر على ظروف المغرب (أمنيا).. إلى هذه الدرجة؟؟.
- التشكيك في التحكيم بما يتكامل مع مخطط جهنمي عبر الأنترنيت تزعمته شبكة جزائرية ومصرية منذ بداية النهائيات بالمغرب، لها توجه وحيد هو الطعن في نزاهة البلد المضيف المغرب (بينما كل خبراء التحكيم في العالم أكدوا كذب ذلك).
- الطعن في أحقية لاعب المغرب أشرف حكيمي في جائزة الكرة الذهبية الإفريقية وأن من يستحقها هو نجم السنغال ساديو ماني (مثير طرح هذا الأمر في ندوة صحفية لا مكان له فيها أصلا).
هنا انطلق مسلسل التصعيد والتوتر، الذي اعتقد البعض أنه مندرج في خانة الحرب النفسية الماكرة التي تسمح بها مباريات كرة القدم، بينما حقيقة ما سجل ليلة 18 يناير 2025 بملعب الأمير مولاي عبد الله أثناء المباراة أبان عن عناصر مخطط أكبر وأخطر.
رياضيا لم تخطئ المباراة موعدها مع الفرجة الرفيعة بين لاعبي الفريقين (شوط أول مثالي كرويا)، أكد بالملموس أن منتخبي المغرب والسنغال لا يحتلان المرتبة الأولى والثانية في إفريقيا عبثا ولا مراتب متقدمة في تصنيف الفيفا الشهري.
بدأت تتغير استراتيجية مدرب السنغال ومن هم وراءه، مع انطلاق الشوط الثاني.. بدأ يتضح عُنفٌ أكبر في تدخلات لاعبي السنغال (بعضه كان يستوجب بطاقة حمراء مثل الإعتداء الخطير على لاعب الإرتكاز الحاسم في وسط المنتخب المغربي نائل العيناوي الذي أتعب الفريق السنغالي).. بالتوازي بدأ يُسَجلُ توتر أكبر مع حكم المباراة بغاية تسجيل تراكمٍ في الإحتجاجات غايتهُ ترسيخ خلاصة أن لاعبي التيرانغا مُستهدَفُون من التحكيم وأنهم ضحايا، وهي على كل حال تقنيات معروفة في لعبة كرة القدم.. كان الخبث الكروي واضحا في استراتيجية اللعب (لم يحسن التعامل معه ربما المدرب المغربي وطاقمه بما يجب له من قوة ضغط واحتجاج، حفاظا منهم على صورة أننا بلد الإستقبال).
سيُعلِنُ السيناريو عن وجهه القبيح سافرا بمجرد إعلان الحكم ضربة جزاء واضحة ومشروعة للمغرب (جاءت مباشرة بعد إلغاء هدف سنغالي بسبب خطأ واضح من مهاجم سنغالي على المدافع المغربي أشرف حكيمي).
أصبح الأمر هو الطعن في شرف المغرب والكاف وفي نزاهة التنظيم وإنهاء البطولة بتلطيخ سمعة الدورة وتنفيذ قرار الانسحاب من المباراة (واضح أنه كان متفقا عليه مسبقا، مُفَكَّرًا فيه وفي تبعاته القانونية، فالجامعة السنغالية ليست بليدة ولا مدرب الفريق بتلك السذاجة الإنفعالية التي قد يعتقدها البعض، كما حاول الكاميروني إيتو لحسابات أخرى تخصه ضمن صراعات الكاف الدفاع بها عن موقف المدرب السنغالي في قناة فرنسية).
تَكامَلَ السيناريو مع إطلاق العنان لجزء من المشجعين السنغاليين بالمدرجات (واضح أنهم مختارون بهيئات بدنية رياضية قوية) مهمتهم النزول إلى الملعب لإتمام عناصر الفضيحة.. كانت من نتائجه ممارسة العنف بقوة ضد المكلفين بالتنظيم من الموظفين المغاربة، سقط منهم عدد من الجرحى واحد منهم حالته اليوم جد حرجة حيث يرقد في المستشفى في غيبوبة وحياته مهددة جديا لا قدر الله..
وحده اللاعب السنغالي ساديو ماني من تردد في إكمال السيناريو الذي كان واضحا أنه غير متفق معه، حيث ارتبك كثيرا في مغادرة الملعب قبل أن يجد أمامه بالصدفة المدرب الفرنسي كلود لوروا (ما الذي يفعله هذا المدرب أصلا داخل رقعة الملعب؟ فمكانه الطبيعي أن يكون في المدرجات)، حيث التجئ إليه فيما يشبه التعلق بقشةِ إنقاذٍ طالبا منه النصيحة. فألح عليه المدرب الفرنسي في العودة للمباراة، فذهب يجري لإعادة لاعبي فريقه إلى الميدان..
كانت الفضيحة قد وقعت والغايات منها قد تحققت..
تأثر اللاعبون المغاربة وخرجوا من المباراة، فيما ذُهِلَ رئيس الفيفا من المشهد العبثي الذي أمامه عنوانا على التخلف الذي لا يزال يحكم اللعبة في قارتنا الإفريقية.. فيما كانت نظرات رئيس الكاف موتسيبي تائهة ومصدومة..
مثلما اتضح أن طاقم المنتخب المغربي غرق في ارتباك أنساه القيام بما يفرضه عليه حقه القانوني وهو التوجه إلى الحكم الرابع وحكم المباراة لتطبيق القانون المتمثل في إعلان نهاية المباراة بعد انسحاب أحد الفريقين وإعلان المنتخب المغربي فائزا بنتيجة ثلاثة لصفر..
سارعت مرة أخرى وزراة الخارجية السنغالية لتدارك ما تراه يوجب التدارك، المتمثل في التنويه بالمغرب دولة ومجتمع وبظروف التنظيم والإقامة والإستقبال. هل هو إدراك لخطورة ما وقع على مصداقية دولة السنغال أمام العالم وأمام أنظار الملايين؟. أم هو مجرد توزيع أدوار؟. الأمور بنتائجها..
إن النتائج هي:
- أن السنغال فازت بالكأس لكنه سيكون لا قدر الله ملطخا بدم مصاب مغربي حياته مهددة.
- أن المدرب السنغالي والجمهور السنغالي قدما أسوأ نموذج رياضي تنافسي وتربوي للملايين من المشاهدين من الأطفال والشباب عبر العالم وفي إفريقيا..
- أن قيمة التنافس الشريف والقبول بشروط اللعبة قد ضُربَتْ في الصميم من قبل جامعة كرة القدم السنغالية.. بمخطط إما الكأس وإما الفضيحة سياسيا وتنظيميا للمغرب وللكاف..
- أن القوانين لا قيمة لها سواء كانت من الكاف أو من الفيفا وشيطنتها..
- أن مخاطر التجييش قد بلغت حد الإعتداء على التجار والطلبة المغاربة بالسنغال دون توفر الحماية الأمنية الواجبة بمنطق مسؤولية الدولة.
- أن بعض الإعلام السنغالي أصبح يصدر عن مواقف عدائية مقيتة اتجاه المغاربة وحقوقهم الوطنية بشكل مهني بئيس، ليس فيه ما هو مبدئي قدر ما فيه روح انتقامية مجانية.
- أن الجمهور المغربي أبان عن سمو رفيع في التعامل مع تطورات الأحداث بالملعب ولم يسجل عليه أي اعتداء أو رد فعل صبياني أو عنيف بعد خسارة منتخبه المباراة، بل غادر الملعب في هدوء كما دخله في نظام.
هل هذه أول مرة تقوم الجامعة السنغالية والمنتخب السنغالي والجمهور السنغالي بذلك؟
للأسف لا..
تكفي العودة إلى ما هو مدون في أرشيف الكرة الإفريقية للبرهنة على ذلك. ها هنا بعض عناوينه:
- في أكتوبر 2012، بملعب دكار سيعتدي الجمهور السنغالي على المنتخب الإيفواري بالحجارة (أصيب بسببها نجم الفريق دروغبا بجروح) ضمن منافسات التأهل لكأس العالم 2014 بالبرازيل. كانت نتيجته إيقاف ذلك الملعب من أي منافسة دولية.
- في نهائيات كأس أمم إفريقيا الماضية بالكوت ديفوار سنة 2023، سُجلت مواجهات خطيرة بين الجمهور السنغالي والجمهور الإيفواري وبينها وبين الجمهور الجزائري. حيث سجلت اعتقالات.. بكل ما تبعه ذلك من حروب إعلامية عبر وسائط التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية.
إن الدرس الذي ممكن أن نكون قد تعلمناه مغربيا، هو أن الموقف السنغالي المعيب تتوفر فيه كامل عناصر النية المبيتة للإساءة لصورتنا المغربية. وأنه موقفٌ تَكَامَلَ وتَطابَقَ مع مخطط جهنمي تواصليا للتشكيك في نزاهة الدورة فقط لأنها مقامة بالمغرب، الذي مفهوم تماما من يقف وراءه ومن له مصلحة استراتيجية فيه رصد لها ملايين الدولارات (الحكومة والإعلام الجزائريان). حيث أصبح واضحا أن فقرنا المغربي تواصليا (بما نملكه للأسف من تافه الإعلام وضعيف المواقع وسفاسف المؤثرين) جعلنا نفشل في مواجهة هذه الموجة العالية للإساءة..
إن الدرس الآخر الذي تعلمناه (بغير قليل من المرارة العابرة أكيد) هو أن الحكمة الخالدة التي تقول "احذر عدوك مرة واحذر صديقك ألف مرة" ليست كاذبة دائما..
بل إن كان هناك من ربحٍ آخر ربحناهُ مغربيا هو جماهير تونس الراقية وجماهير الكونغو الفاعلة والمنظمة بنجمها "كوكا مولادينجا" المجسد لشخصية الزعيم باتريس لومومبا، وصفُ طويل مُنصفٌ من إخوتنا المصريين.. مثلما ربحنا مكاسب تنموية راسخة وربحنا ثقة مؤسسات عالمية مالية واستثمارية وإعلامية، وأصبحنا مرجعا تنظيميا في مسابقات رياضية عالمية حملت مؤسسات أمنية دولية رفيعة من قيمة "F . B. I." الأمريكية والسكوتلانديار البريطانية للسعي إلى الإستفادة منها..
على أن أعظم ما ربحناه هو ثقتنا في أنفسنا كمغاربة وتعزيز لُحمَتِنَا الوطنية كأمة تَعوَّدَتْ رفع التحديات.. هما الأمل والرضى نعمتان فزنا بهما..
قيل له "هل تألمت؟" قال: "تعلمت". والأيام دول بين الناس..