حميدي عبد الرفيع: الحكامة الترابية وحقوق الإنسان حين يُختبر الدستور في الجغرافيا

حميدي عبد الرفيع: الحكامة الترابية وحقوق الإنسان حين يُختبر الدستور في الجغرافيا حميدي عبد الرفيع

ليس من المبالغة القول إن حقوق الإنسان لا تُنتهك فقط في غرف التحقيق أو في لحظات القمع المباشر، بل تُنتهك أيضًا، وبصمت، حين يولد المواطن في مجال ترابي محكوم بالهشاشة، وضعف الخدمات، وغياب القرار المحلي الفعّال هنا بالضبط، عند تقاطع الجغرافيا بالسياسة، تُطرح مسألة الحكامة الترابية باعتبارها أحد الامتحانات الكبرى لصدقية الالتزام الحقوقي في المغرب.


منذ دستور 2011، دخل مفهوم الجهوية المتقدمة إلى القاموس السياسي والمؤسساتي، بوصفه رافعة للديمقراطية المحلية، وأداة لتقليص الفوارق المجالية، ومدخلًا لإعادة توزيع السلطة والموارد غير أن السؤال الذي ظل معلقًا هو هل تحوّلت الحكامة الترابية إلى ممارسة تُنصف الإنسان، أم بقيت مجرد هندسة قانونية متقدمة بواقع تنفيذي متعثر
حقوق الإنسان، في جوهرها، تجربة معيشة قبل أن تكون إعلانًا قانونيا فالحق في التعليم يُختبر في المدرسة القريبة أو الغائبة، والحق في الصحة يُقاس بمستشفى يعمل أو مركز مغلق، والحق في الكرامة يتجلى في إدارة تحترم المواطن أو تُهينه.


لذلك، لا يمكن فصل الحقوق عن المجال الترابي الذي تُمارَس فيه في المغرب، ما تزال الفوارق المجالية تطرح نفسها بقوة، ليس فقط كاختلال تنموي، بل كإشكال حقوقي عميق حين تختلف فرص الولوج إلى الخدمات الأساسية بين جهة وأخرى، وبين المدينة والقرية، فإننا لا نكون أمام تفاوت جغرافي فحسب، بل أمام تمييز غير معلن في التمتع بالحقوق.


الحكامة الترابية: من النص إلى الأثر على المستوى الدستوري، تبدو الصورة متقدمة تنصيص على اللامركزية، ربط المسؤولية بالمحاسبة، آليات للديمقراطية التشاركية، وقوانين تنظيمية تُفصّل اختصاصات الجماعات الترابية لكن المعضلة تكمن في الانتقال من منطق النص إلى منطق الأثر.


فالعديد من الجماعات الترابية ما تزال تشتغل بمنطق التدبير اليومي المحدود، في ظل ضعف الموارد، وهشاشة الكفاءات، واستمرار مركزية القرار الفعلي وبدل أن تتحول المجالس المنتخبة إلى فضاءات لصناعة القرار المحلي، غالبًا ما تُختزل أدوارها في تنفيذ اختيارات لم تُصغ في المجال الترابي نفسه.


رغم الاعتراف الدستوري بالمشاركة المواطنة، فإن الديمقراطية التشاركية لم تجد بعد طريقها إلى الفعل المؤثر فالعرائض نادرة، والهيئات الاستشارية غالبًا شكلية، والمواطن يُستدعى في أحسن الأحوال للتشاور، لا للمشاركة في القرار.


وهنا تُطرح إشكالية عميقة كيف يمكن الحديث عن حكامة ترابية ديمقراطية، دون إشراك فعلي للساكنة في تحديد أولوياتها وكيف يمكن حماية الحقوق، إذا كان أصحابها خارج دائرة التأثير العدالة المجالية كشرط حقوقي.


أحد أكبر أوهام السياسات العمومية هو التعامل مع العدالة المجالية كملف تقني، في حين أنها في جوهرها مسألة حقوقية بامتياز فالمجالات المهمشة لا تحتاج فقط إلى مشاريع، بل إلى اعتراف مؤسساتي بأن التفاوت القائم هو نتاج اختيارات، وليس قدرًا جغرافيًا.


إن اعتماد التمييز الإيجابي، وإعادة توجيه الاستثمار العمومي، وربط التخطيط الترابي بمؤشرات الحقوق الاجتماعية، ليست امتيازات، بل استدراك لخلل بنيوي طال أمده.


الرهان اليوم لم يعد في إنتاج نصوص جديدة، بل في تغيير منطق التدبير حكامة ترابية تُقاس بقدرتها على تحسين حياة الناس، لا بعدد المخططات وبقربها من المواطن، لا بتراكم الهياكل.


فحين تُدار الجهات والجماعات بمنطق الحقوق، تتحول التنمية من خطاب إلى أثر، ومن وعد إلى ممارسة وحين تُختبر السياسات العمومية في الجغرافيا، يصبح الدستور وثيقة حية، لا مرجعًا مؤجلًا.


في النهاية، قد لا تكون الحكامة الترابية كل الحل، لكنها دون شك أحد مفاتيحه الأساسية لأنها ببساطة، المكان الذي تلتقي فيه الدولة بالمواطن، وجهًا لوجه، بلا وسائط ولا شعارات.