محمد العمارتي
أولا – تقديم
ليس ثمة شك في أن العملية العسكرية التي نفذتها وحدات من القوات العسكرية الأمريكية من خلال شنها هجمات مسلحة في 03 يناير 2026، استهدفت عدة مواقع عسكرية ومدنية خاضعة للسيادة الإقليمية لدولة فنزويلا، واعتقال رئيسها "نيكولاس مادورو" واقتياده رفقة زوجته إلى الولايات المتحدة حيث تم إيداعه بأحد سجون نيويورك قبيل مثوله أمام قاض فيدرالي أمريكي، تعتبر حدثا يكتسي أبعادا جيوسياسية إقليمية وعالمية بالغة الخطورة ، غير أنه يكشف أيضا حصول مجموعة من الوقائع والأفعال المكونة لعدة انتهاكات سافرة لمبادئ وقواعد القانون الدولي.
وقد كان إقدام القوات الأمريكية على ارتكاب هذه الأفعال مسبوقا طيلة أسابيع بتصريحات عدائية واضحة للرئيس "ترامب" ضد الرئيس «مادورو" ونظامه السياسي، وتوجيه تهديدات مباشرة باستعمال القوة ضد دولة فنزويلا. وتعتبر هذه التهديدات في حد ذاتها عملا محظورا بموجب ميثاق الأمم المتحدة ومنافية لمبادئ العلاقات السلمية والودية بين الدول.
وقد فرضت عملية " العزم المطلق" التي نفذت بهجوم عسكري على دولة مستقلة واعتقال رئيسها في ظروف غامضة ، وخلفت عددا من القتلى من العسكريين والمدنيين الفنزويليين، (فرضت) نفسها كواقعة بالغة الخطورة من زاوية القانون الدولي المعاصر ، وذلك ليس فقط، بسبب الذرائع و المبررات التي أعلنت عنها الولايات المتحدة والمتمثلة أساسا في توجيه تهم للرئيس "مادورو" بارتكاب أفعال جرمية بمقتضى التشريعات الجنائية الأمريكية، وإنما أيضا، اعتبارا للطريقة التي لجأت إليها قوات دولة أجنبية لاعتقال رئيس دولة أخرى أثناء ولايته الرئاسية وممارسته لاختصاصاته السيادية في دولته .
إن الهجوم العسكري الأمريكي على دولة مستقلة وذات سيادة – بصرف النظر عن سياقه العام وخلفياته ودوافعه وأهدافه -يثير في عمقه سؤالا بسيطا لكنه آني وملحّ، لكونه ينذر بزعزعة الاستقرار النسبي الذي ظل يطبع عدة مبادئ أساسية في القانون الدولي لما بعد الحرب العالمية الثانية وتأسيس منظمة الأمم المتحدة. ويتمثل هذا السؤال فيما إذا كان من حق دولة عضو في الأمم المتحدة وعضو في مجلس الأمن المسؤول عن حفظ الأمن والسلم الدولي، الاستناد على تشريعاتها الجنائية الوطنية لتبرير عملية عسكرية ضد دولة أخرى عضو في الأمم المتحدة، خارج الفرضيات والاستثناءات التي أوردها على سبيل الحصر ميثاق الأمم المتحدة وأجاز فيها وأطّر ضوابط وقيود استعمال القوة.
ونعتبر-بالنظر للرجّة السياسية والدبلوماسية والقانونية لتي تسببت فيها هذه العملية ، وفيض ردود الفعل والمواقف والتعاليق والتحليلات التي أثارتها و ما زالت متواصلة من منطلقات وزوايا متباينة – أنه من اللازم، حرصا على إزالة الغموض وتبديد الالتباس الذي قد يشوش على فهم نطاق و حدود التحليلات اللاحقة ، توضيح أن ما نتوخاه في هذا المقال، ليس قطعا التعبير عن موقف متعاطف أو مؤيد أ ومنتقد ومعارض للنظام السياسي القائم في دولة فنزويلا سواء في مرحلة الرئيس "مادورو" أو بعدها ، كما لا يعكس أي موقف مهما كان من شرعية هذا النظام ـوانتهاكات حقوق الإنسان الحريات المنسوبة اليه ، وقمع المعارضة في البلاد والاحتجاز التعسفي والإعدامات خارج نطاق القانون والتعذيب ، وغيرها من الانتهاكات الجسيمة التي وثقتها اللجنة الدولية المستقلة التي أنشأها مجلس حقوق الإنسان في 2019 وعهد اليها مهمة التحري في الانتهاكات المرتكبة منذ 2014.
وثمة وفرة من المواقف السياسية أو ذات المرجعية الأيدولوجية أو المنحى الأخلاقي أو الذرائع والتبريرات الجنائية التي تم الإعلان عنها في سياق التدخل العسكري الأمريكي في فينزويلا، التي لا تبدو لنا ملائمة، ولا تنطوي في نظرنا على قيمة إضافية ذات جدوى في إغناء التحليل القانوني الذي نسعى الى تكثيف عناصره الأساسية، كما أن هذه المواقف لا تؤثر في رأينا على التكييف القانوني للوقائع التي نسعى لتحليلها في نطاق القانون الدولي ومن زاوية مبادئه ومعاييره المستقرة.
ومن جهة أخرى، إن تحليل هذه الواقعة – التي ليست عرضية ولا معزولة بقدر ما تندرج ضمن سلسلة من السوابق العديدة والمتكررة من الانتهاكات الصارخة للنظام القانوني الدولي – ومقاربتها حصرا من وجهة القانون الدولي والمبادئ التي كرسها الميثاق الأممي ، تمليه أيضا، ضرورة الاعتراف بعدم التخصص في العلوم السياسية وعدم تملك أدوات تحليلها للخوض في الأبعاد الاستراتيجية والرهانات الجيوسياسية للتدخل الأمريكي في فينزويلا، ودوافعه وخلفياته وأهدافه المتعلقة بالثروة الطاقية الهائلة لهذا البلد ، وأيضا بنهج الرئيس "ترامب" لسياسة خارجية صدامية من أجل فرض علاقات القوة التي تخدم المصلحة الوطنية لبلاده .
ثانيا – المبادئ الأساسية للقانون الدولي التي انتهكتها الولايات المتحدة الأمريكية
أخذا بالاعتبار ضرورة إجمال القضايا القانونية الغزيرة والمتداخلة التي يطرحها استعمال الولايات المتحدة للقوة ضد دولة "فينزويلا" في 3 يناير 2026، وسعيا قدر المستطاع إلى تبسيط مضمون قواعد القانون الدولي التي خرقتها الولايات المتحدة، وأيضا مراعاة لعدم اتساع المقال للتحليلات المسهبة المعززة بالنصوص والشواهد والقرارات القضائية ذات الصلة، سوف نركز على أربعة معايير أساسية للقانون الدولي هي التي تعرضت على الأقل للخرق والانتهاك الواضح جراء تنفيذ العملية العسكرية ضد فنزويلا.
ويتعين من أجل فهم واستيعاب هذه الحالة والوقائع المتصلة بها من الوجهة القانونية، الإحالة على المادة الثانية بفقراتها السبع من ميثاق الأمم المتحدة التي يمكن اعتبارها بمثابة العمود الفقري للقانون الدولي المعاصر لما بعد 1945. فالمادة الثانية (الفقرة 3) تنص على وجوب أن " يفض جميع أعضاء الهيئة منازعاتهم الدولية بالوسائل السلمية على وجه لا يجعل السلم والأمن والعدل الدولي عرضة للخطر".
ويجب أيضا استحضار المبادئ التي كرستها بشكل صريح المادة 2 في فقرتها 4 والتي تمنع التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة. (عدم الاعتداء على الوحدة الترابية للدول -عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول – حظر اللجوء الى استعمال القوة ضد دولة أخرى). كما يندرج ضمن هذه المبادئ احترام الحصانة المعترف بها لرؤساء الدول وفقا للقانون الدولي العرفي.
إن ثبوت عملية اقتحام القوات العسكرية الأمريكية للمجال الإقليمي الخاضع لسيادة دولة فنزويلا وتوغلها فيه، واقعة لا تحتمل الشك، لأن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية أعلن رسميا عن حصولها وأكدها واعترف في تدوينة له بتنفيذها واعتقال الرئيس "مادورو" وزوجته واقتيادهما خارج بلدهما.
وإذا كان من المعلوم لدى المختصين في القانون الدولي وجود خلاف فقهي بشأن المضمون والنطاق الدقيق لقاعدة عدم جواز اللجوء الى القوة – الأمر الذي لا مجال لإثارته في هذا المقال- فإن مما لا جدال فيه أن الممارسة الدولية كرّست بشكل قاطع اعتراف القانون الاتفاقي والقانون العرفي بوجود هذه القاعدة، بل إن هناك من بين القانونيين البارزين عالميا من ارتقى بمنع اللجوء الى القوة بين الدول الى مرتبة القاعدة الآمرة للقانون الدولي التي لا تحتمل التقييد أو الاستثناء.
ويتعلق أحد أوجه هذا الخلاف الفقهي بتحديد مدى ودرجة الخطورة أو العتبة التي ينبغي أن يبلغها استعمال القوة لكي تنطبق عليه المادة 2/4 من الميثاق، ويصبح بالتالي عملا محظورا بمقتضاها. ومن هذه الزاوية، لا شك أن عمليات القصف الجوي لقواعد عسكرية ومباني مدنية لدولة فنزويلا وتدمير منشآتها وقتل عدد من مواطنيها واختطاف رئيسها من إقامته واقتياده الى مكان مجهول، تتجاوز بكثير عتبة استعمال القوة بشكل مشروع.
ومن جهة أخرى، إن إلقاء وحدة عسكرية خاصة أمريكية القبض على " نيكولاس مادورو" بصفته رئيسا لدولة فنزويلا، يشكل خرقا لا غبار عليه لمبدأ الحصانة الشخصية والوظيفية التي يعترف بها القانون الدولي لرؤساء الدول، وأكّدتها محكمة العدل الدولية بشكل مباشر في قرار صادر في سنة 2002 (الكونغو الديمقراطية ضد بلجيكا) ، وبصورة غير مباشرة في قرارها الصادر في 2012 حول النزاع بين ألمانيا وإيطاليا بشأن الحصانات القضائية للدول أمام القضاء الوطني للدول الأخرى.
فالحصانات المعترف بها لرؤساء الدول تظل مضمونة بموجب القانون الدولي، حتى في الحالات التي تكون فيها شرعية الرئيس موضع نزاع أو طعن أو اعتراض داخلي أو خارجي، فلا يمكن بأي حال اعتقال هذا الرئيس أثناء ولايته الرئاسية من طرف دولة اجنبية وإحالته على المحاكمة أمام القضاء الأجنبي، وذلك مهما كانت الأفعال المنسوبة إليه ومهما كانت خطورتها.
وانطلاقا من مجموعة من العناصر الواقعية المتوفرة حول عملية استعمال الولايات المتحدة للقوة غير المشروعة ضد دولة فنزويلا ورئيسها، يتعين طرح السؤال عن التعليلات والمسوغات المستمدة من مبادئ وقواعد القانون الدولي التي يمكن ان تدلي بها نظريا الولايات المتحدة لتبرير لجوئها للقوة ضد دولة أخرى؟
ومن هذه الناحية، إن الدلائل والحجج التي أعلن عنها عدد من المسؤولين الأمريكيين وارتكزوا عليها لتبرير انتهاك بلادهم للقانون الدولي تبدو معيبة وضعيفة ويطغى عليها قدر كبير من الارتباك والغموض. فقد ارتكز الخطاب الأمريكي التبريري لهذه العملية على ادعاءات بارتكاب الرئيس "مادورو" ونظامه لأفعال يمكن اختزالها في:
- توجيه تهم التهريب الدولي للمخدرات للرئيس "مادورو" وتمويله للإرهاب طبقا للقانون الأمريكي.
- كون العملية التي نفذتها القوات الخاصة تندرج ضمن التدابير الاحترازية ذات الطابع الأمني بالنظر للمدة الزمنية القصيرة التي استغرقها تنفيذها واستهدافها لمواقع محددة بدقة.
- عدم اعتراف الولايات المتحدة ب " مادورو" رئيسا شرعيا لفنزويلا.
- التوفر على معلومات تؤكد ان فنزويلا كانت تستعد لتنفيذ اعتداء على أمن الولايات المتحدة.
ولسنا في حاجة الى ملاحظة الطابع الواهي لهذه التبريرات و"الحجج" وافتقادها جميعها الى الجدية والصلابة اللازمة من وجهة القانون الدولي.
وفي هذا المستوى من التحليل يجدر بنا التذكير – دون تفصيل – بالحالات الاستثنائية المحددة على سبيل الحصر التي يجيز فيها القانون الدولي اللجوء الى استعمال القوة ضد دولة ذات سيادة أو في إقليمها. وتتعلق الفرضية الأولى بموافقة الدولة على التدخل العسكري لدولة أجنبية في أراضيها والقيام بعمليات عسكرية داخلها. أما الفرضية الثانية فهي التي ينص عليها الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي ينظم شروط وتدابير استعمال القوة في حالات تهديد السلم والإخلال به ووقوع العدوان. وتتمثل الحالة الثالثة لجواز استعمال القوة ضد دولة أخرى إما بشكل فردي أو جماعي في حق الدفاع الشرعي الذي تنص عليه المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة. فقد دوّنت هذه المادة القاعدة الدولية العرفية التي تعترف بممارسة حق الدفاع الشرعي ضد العدوان المسلح، حيث يصبح من حق الدولة التي تتعرض للعدوان التصدي له بتنسيق مع مجلس الأمن وبطريقة متناسبة من أجل الدفاع عن أراضيها وحمايتها من عدوان الطرف المعتدي.
ويجدر بنا أيضا لفت انتباه القارئ إلى أن الولايات المتحدة كانت السباقة الى تبني ما يعرف بالدفاع الشرعي" الاستباقي " والترويج له، ومن غير المستبعد أن تبرر عدوانها على "فنزويلا" بتوظيف هذه الفكرة التي يعتبر المؤيدون لها، أنه من حق الدولة اللجوء الى الدفاع الشرعي واستعمال القوة التي يجيزها حتى قبل تعرضها فعليا للعدوان، بمعنى أنه يكفي أن تعتبر الدولة أنها مهددة بعدوان وشيك لكي تستعمل القوة التي تراها ضرورية ومتناسبة مع الوضع.
بيد أن هذه الفكرة لا تحظى حاليا بالاعتراف في القانون الدولي الوضعي، حيث أكّد معهد القانون الدولي في أشغال وتوصيات لجنته الفرعية المتعلقة بالدفاع الشرعي (المشاكل الحالية للجوء الى القوة في القانون الدولي- الدورة المنعقدة بالشيلي 2007)،"إن نظريات الدفاع الشرعي "الوقائي"، في غياب هجوم مسلح يكون قيد التنفيذ أو أقرب ما يكون من التنفيذ بشكل واضح وجليّ، لا تستند على أي أساس في القانون الدولي ".
وبناء على الموقف الذي يتبناه أشهر مجمع لفقه القانون الدولي، يمكن التأكيد أنه حتى مع افتراض وجود تهديد بهجوم مسلح وشيك ومحدق على الولايات المتحدة من قبل فنزويلا – وهو افتراض مشكوك في وقوعه الى حد كبير- فإن حق الدفاع الشرعي لا يمكن ممارسته وفقا للقانون الدولي سوى بطريقة ودرجة متناسبة وبعلاقة وتنسيق مع مجلس الأمن للأمم المتحدة، وهو الشرط الذي تجاهلته كليا الولايات المتحدة. ولعله من اللازم التذكير في هذا الصدد، أن الولايات المتحدة كانت قد صعدت منذ شتنبر 2025 عملياتها العسكرية وكثفت ضرباتها التي استهدفت بواخر وناقلات بحرية صغيرة في مياه بحر الكاريبي المحيطة بدولة فنزويلا، وعلّلت قيامها بهذه العمليات بمكافحة عصابات التهريب الدولي للمخدرات، كما اعتبرت أن هجماتها المسلحة تندرج في إطار نزاع مسلح غير دولي، وتستند على حقها في الدفاع الشرعي طبقا للمادة 51 من الميثاق، بل إنها طلبت عقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن حول توتر الوضع مع فنزويلا. بيد أن المفارقة بهذا الخصوص، تكمن في أن الإدارة الأمريكية لم تعلل الاعتداء المسلح الذي قامت به في 03 يناير على سيادة فنزويلا وسلامة أراضيها بممارسة حقها في الدفاع الشرعي وفقا للقانون الدولي وانسجاما مع مبادئ ومقاصد الميثاق الأممي.
أشرنا سابقا أنه مبدأ احترام حصانات رؤساء الدول قد تعرض للانتهاك من طرف الولايات المتحدة، وهو مبدأ يستمد أساسه من القانون الدولي ولا يمكن استبعاده إلا في الفرضية التي تنص عليها المادة 27 من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (نظام روما المنشئ للمحكمة) التي لا يعتد بموجبها بالصفة الرسمية لإعفاء الشخص من المسؤولية الجنائية عن ارتكاب الجرائم التي تندرج في اختصاص هذه المحكمة.
وما يتأكد من صك الاتهام الموجه الى رئيس دولة فنزويلا أن فرضية المادة 27 المشار إليها لا تنطبق على الأفعال الجرمية المنسوبة اليه من طرف القضاء الأمريكي. فمن جهة، إن التهم الموجهة إليه لا تتضمن أي جريمة دولية من تلك التي ينعقد فيها الاختصاص للمحكمة الجنائية الدولية، ومن جهة أخرى، إن الولايات المتحدة لا تخفي عداءها الصريح لهذه المحكمة الذي بلغ حد اصدار عقوبات انتقامية قاسية ضد عدد من قضاتها والمتعاونين معها.
وأخذا بالاعتبار ما سبق، هل قدمت الولايات المتحدة حججا مقنعة وملموسة مرتكزة على القانون الدولي لتعليل وتبرير استعمالها للقوة ضد فنزويلا واعتقال رئيسها؟
لعل الأخطر في هذه الحالة تحديدا هو عدم اكتراث الولايات المتحدة كلّيا بمبادئ القانون الدولي وعزوفها الواضح عن التماس أي تعليل يتأسس على قواعده. وقد عكس التدخل المقتضب للمندوب الأمريكي في جلسة مجلس الأمن المنعقدة في 5 يناير 2026 تغاضيا كاملا عن الاستدلال بالقانون الدولي، إذ أنه اقتصر على توصيف استعمال القوة ضد فنزويلا ب " عملية جراحية من أجل تطبيق القانون ضد هاربين دوليين "، ومشيرا بطريقة عرضية إلى انتهاكات حقوق الإنسان التي يرتكبها النظام القائم في فنزويلا على نطاق واسع، علما أن إثارة هذا الاتهام بحد ذاته والاستناد إليه، لا يعتبر سببا مشروعا يبرر تدخلا مسلحا خارج إطار الأمم المتحدة وآلياتها المؤسساتية.
وإذا افترضنا أن إثارة دفع حماية حقوق الإنسان في فنزويلا يمكن تأويله بمحاولة تبرير عرضي للعملية المسلحة الأمريكية باستحضار فكرة " التدخل الإنساني و تبلورها الفقهي منذ2005 في صيغة " مسؤولية الحماية "، (Responsabilité de protéger R2P ، فإن هذه النظرية اعتراها ضعف معياري كبير منذ ظهورها ،و سرعان ما أثارت جدلا كبيرا بسبب الانتقائية في التي شابت تطبيقها و توظيفها السياسي في العديد من الأزمات خلال العقدين الماضيين ، الأمر الذي أدى إلى التخلي عنها .فضلا عن كون استعمال القوة بمبرر التدخل في إطار "مسؤولية الحماية "يجب أن يخضع طبقا للقانون الوضعي و في جميع الأحوال – حتى لا يعتبر انتهاكا لسيادة الدول أو عدوانا عليها- لترخيص من مجلس الأمن ولا يمكن اللجوء اليه بقرار أحادي من طرف أي دولة و حسب إرادتها لوحدها .
يتضح إذا أن خطاب لولايات المتحدة بشأن عمليتها المسلحة ضد فنزويلا ينمّ ّعن تجاهل مطبق للقانون الدولي، ويشكل قطيعة صريحة في الممارسة التي استقرت عليها العلاقات الدولية على الأقل منذ سنة 1945. فقد اعتادت الدول –ومنها حتى تلك التي قد تنتهك القواعد الأساسية للقانون الدولي مثل حظر اللجوء الى القوة- على محاولة التماس المبررات القانونية لهذه الانتهاكات. ورغم الطابع الواهي أو الغريب في عدد من الحالات لحجج وتأويلات هذه الدول من وجهة القانون الدولي، فإن موقفها ينطوي على حمولة رمزية تكشف الإرادة في الحفاظ على الحد الأدنى من نظام دولي قائم ولو في الظاهر على القانون.
وتدفع هذه الملاحظة الى القول أن القاعدة القانونية الدولية، بالرغم من الانتهاك التي يطالها من طرف الدول في بعض الحالات والأوضاع من أجل الحفاظ على مصالحها، ظلت تعتبر مرجعية جامعة تستحضرها الدول لتبرير أفعالها مهما كانت متعارضة مع مبادئ القانون الدولي.
ويرجع عدد من كبار أساتذة القانون الدولي، محاولات الدول التذرع والتحجج بالقانون لتعليل مواقفها وتصرفاتها الى سببين على الأقل. الأول منهما، يتمثل في أن جميع الدول كانت الى عهد قريب، تتفق على أن من مصلحتها المشتركة تفرض أن يستمر القانون الدولي الذي يحمي سيادتها في تنظيم العلاقات الدولية. وبالتالي، كانت الدول حريصة على عدم رفض القانون الدولي أو تجاهل معاييره ومبادئه بالمطلق، وذلك على الأقل لعدم تشجيع بعض الدول أيضا على التحرر الكامل من قيوده وضوابطه في علاقاتها مع الدول الأخرى.
ويكمن السبب الثاني في أن بعض الدول القوية التي تنتهك قواعد القانون الدولي وتتبنى تأويلات جديدة لها تتعارض مع الممارسة الدولية المتواترة، تسعى في الحقيقة إلى ابتداع بعض السوابق وإكسابها طابع الشرعية الدولية. وعلى أساس ردود الفعل الدولية أو غيابها تجاه هذه التأويلات، يصبح من الممكن في نظر هذه الدول الاستدلال بهذه السوابق والدلائل عند الاقتضاء أمام هيئة قضائية دولية، والدفع بأن ما كان غير مشروعا في السابق أصبح مشروعا بحكم التطور الذي عرفته قاعدة عرفية معينة أو ربما قاعدة اتفاقية دولية.
ومن أبرز الشواهد التي تؤكد هذا الاتجاه مآل نظرية " الدفاع الشرعي الوقائي أو الاستباقي" التي أشرنا إليها سابقا. فقد تبنت بعض الدول هذه "النظرية" ومنها الولايات المتحدة وإسرائيل تحديدا، ومارستها في حالات متكررة، واستندت عليها بصورة منتظمة لتبرير استعمال القوة بالرغم من افتقادها الى أي أساس في ميثاق الأمم المتحدة، والواقع أن هذه النظرية المزعومة ليست في نظر غالبية الدول ومعظم فقهاء القانون الدولي سوى انتهاكات سافرة للمادة الثانية / فقرة 4 من ميثاق الأمم المتحدة.
ثالثا – خلاصات
يتبين من التحليل السابق لموقف الولايات المتحدة و خطابها حول هجومها المسلح على دولة فنزويلا واعتقال رئيسها وزوجته ،أنها لم تعتبر نفسها ملزمة بتبرير أفعالها العدائية والدفاع عنها بالارتكاز على القانون الدولي ،كما أنها لم تكلف نفسها عناء التدليل على شرعية عمليتها العسكرية ضد دولة ذات سيادة و الاعتداء على سلامة أراضيها أمام مجلس الأمن الدولي .ولا شك أنها بموقفها في هذه الحالة توجه رسالة مقلقة الى حد كبير ، ليس فقط بشأن مستقبل القانون الدولي الذي عرف قطائع عديدة منذ بداية مسار تبلور و إرساء قواعده ، ولكن أيضا لأنها تكشف تهديدا خطيرا بالتراجع عن المكتسبات القانونية التي راكمها وطورها المجتمع الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية على الطريق الصعب للحفاظ على السلم والأمن الدولي طيلة المراحل السابقة.
ولا ريب في أن الرد الحازم على ما أقدمت عليه الولايات المتحدة بات ملزما لكافة دول العالم ومن صميم مسؤوليتها الجماعية في الحفاظ على المبادئ الأساسية للقانون الدولي وحمايتها من الاندثار. وبديهي أن هذا الرد ا لا يقصد به استعمال قوة السلاح، ولا يمكن ان يكون سوى عبر استعمال خطاب ومنطق القانون.
ومن هذا المنطلق، إن الإدانة الواسعة والواضحة من طرف المجتمع الدولي لانتهاكات القانون الدولي التي ارتكبتها الولايات المتحدة يعتبر السبيل الممكن والمفروض للإفصاح عن أن القانون الدولي هو الإطار المرجعي الوحيد المعترف به عالميا والمقبول لتسوية الخلافات وفض النزاعات بين الدول. أما الركون إلى الصمت أو الاختباء خلف ردود فعل محتشمة أو متذبذبة، لن يؤدي في آخر المطاف سوى إلى التطبيع مع وضع غير شرعي والقبول به كسابقة يمكن الاستناد عليها في المستقبل.
ختاما، لنا أن نتساءل، فإذا كانت الولايات المتحدة تمنح نفسها حق استعمال القوة ضد دولة فنزويلا، وشن هجوم مسلح عليها، واعتقال رئيسها والتصريح الرسمي بأنها ستتولى إدارة البلاد لفترة غير محدودة، والتقرير فعليا في من سيخلف الرئيس المعتقل ويتقلد مسؤولية الرئاسة في هذه الدولة، فمن سيمنع فدرالية روسيا من ضم أوكرانيا او دولة مجاورة أخرى؟ ومن سيعارض جمهورية الصين الشعبية إذا ما قررت اكتساح تايوان؟ ومن سيتصدى لكوريا الشمالية إذا ما قررت شن هجوم عسكري على كوريا الجنوبية؟ واللائحة طويلة للحالات المشابهة في مناطق أخرى من العالم. فالقوة لا تمنح الحق ولن تمنحه أبدا.
محمد العمارتي / أستاذ القانون الدولي وحقوق الإنسان بجامعة محمد الأول - وجدة -(سابقا)