وهم السحر وأثره السلبي في المجتمعات المسلمة: دراسة نقدية في ضوء النصوص القرآنية والمقاصد الشرعية

وهم السحر وأثره السلبي في المجتمعات المسلمة: دراسة نقدية في ضوء النصوص القرآنية والمقاصد الشرعية وهم السحر في المجتمع والرياضة

إن ما رافق نهائي كأس الأمم الإفريقية بالرباط بين المغرب والسنغال من إيحاءات وممارسات مرتبطة بالسحر، من قبل بعض اللاعبين السنغاليين والمشجعين سواء داخل أجواء المباراة أو في محيطها الشعبي والإعلامي، لا يمكن اعتباره مجرد سلوك عابر أو انفعال رياضي لحظي، بل هو تعبير صريح عن حضور وهم السحر في الوعي الجمعي للمسلمين، واستعداده الدائم للظهور كلما عجز العقل عن تفسير الوقائع تفسيرًا عقلانيًا . فاللجوء إلى تفسيرات غيبية لتبرير الفوز أو الهزيمة يكشف خللًا أعمق في فهم السنن، ويؤكد الحاجة إلى تفكيك هذا الوهم الذي يتناقض مع الخطاب القرآني الحاسم القائل: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾. ومن هذا المنطلق، لا يأتي هذا الموضوع دفاعًا عن نتيجة مباراة أو ردًّا على واقعة رياضية، بل بوصفه قراءة نقدية في ظاهرة فكرية واجتماعية خطيرة، تُعطّل العقل، وتُشرعن الخرافة، وتُفرغ الدين من مقاصده الروحية والأخلاقية، وهو ما يجعل مساءلة وهم السحر ضرورة فكرية ودينية ملحّة، لا ترفًا نظريًا . وفي هذا السياق أقول: لم يعرف الإنسان في تاريخه وهمًا أثقل على عقله ونفسه مثل وهم السحر. فقد تحوّل هذا المفهوم، الذي تسلّل إلى الوعي الديني من بوابة الخوف والجهل، إلى تفسير جاهز لكل فشل، وكل مرض، وكل اضطراب نفسي أو اجتماعي. ومع مرور الزمن، لم يعد السحر مجرد اعتقاد عابر، بل أصبح ثقافة كاملة تُعطّل العقل، وتشلّ الإرادة، وتُسقط المسؤولية عن الإنسان، وتفتح الباب واسعًا أمام الدجل والاستغلال باسم الدين. غير أن القراءة الإسلامية المقاصدية، المتحررة من الرواسب الشعبية، تقودنا إلى حقيقة واضحة: السحر، بوصفه قوة خارقة تؤثر في الإنسان خارج قوانين الله، غير موجود . الموجود فعلًا هو الخوف، والإيحاء، والجهل، والتوظيف السيئ للنصوص .
القرآن الكريم، حين يُقرأ خارج منطق الخرافة، لا يمنح السحر أي سلطة حقيقية على الإنسان أو الكون. بل يكشف آلياته النفسية والاجتماعية، ويفضح طبيعته الوهمية. فالآيات التي ذُكر فيها السحر جاءت في سياق الذم، لا في سياق الإقرار، وفي إطار الحديث عن التضليل لا عن الحقيقة. يقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾، فالسحر هنا تعليم شيطاني، قائم على الخداع، لا علم حقيقي له قوانينه وآثاره الواقعية . ولو كان السحر قوة حقيقية مؤثرة بذاتها، لكان ذلك اعترافًا ضمنيًا بوجود قدرة تنازع قدرة الله، وهو ما يتناقض مع جوهر التوحيد .
وعندما تحدّث القرآن عن سحرة فرعون، لم يقل إنهم غيّروا الواقع، بل قال: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾، أي أنهم أثّروا في الإدراك لا في الحقيقة. فالعصي لم تتحول إلى حيّات فعلًا، وإنما خُيّل للناس ذلك بفعل الإيحاء والخداع البصري. وهذا المعنى بالغ الأهمية؛ لأنه يضع السحر في مجاله الحقيقي: مجال الوهم النفسي، لا التأثير الكوني . ويؤكد القرآن هذا الحسم القاطع بقوله تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾، وهي آية عامة تنفي عن السحر أي فلاح أو نجاح أو أثر ثابت، مهما تغيّر الزمان أو المكان، وتكشف أن حقيقته قائمة على العجز لا على القوة، وعلى الخداع لا على التأثير .
أما الآية التي يستدل بها أنصار السحر لإثبات فعاليته، وهي قوله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾، فهي لا تدل على تأثير غيبي خارق، بل تصف نتيجة اجتماعية نفسية طبيعية. فالفرقة بين الزوجين لا تقع بسبب مادة سحرية خفية، وإنما بسبب الشك، وسوء الظن، والخوف، وتراكم الأوهام. وهذه كلها عوامل نفسية معروفة، لا تحتاج إلى تفسير غيبي.
السنة النبوية بدورها لم تُنشئ ثقافة الرعب من السحر، ولم تجعل المسلم أسيرًا لفكرة أنه مهدد في كل لحظة بقوى خفية. بل على العكس، أسست لمنهج الطمأنينة والثقة بالله وتحمل المسؤولية. يقول النبي ﷺ: «واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك». هذا الحديث يهدم من الأساس فكرة أن إنسانًا ما، أو ساحرًا ما، يمكنه التحكم في مصير غيره. كما أن النبي ﷺ لم يكن يفسّر الأمراض، أو الفقر، أو التعثر بالسحر، بل كان يحث على التداوي، والعمل، والأخذ بالأسباب، ويعتبر أن لكل داء دواء، ولكل مشكلة حلًا في الواقع لا في الغيب .
ومن منظور مقاصدي، فإن الإيمان بالسحر بمعناه الخرافي يتعارض تعارضًا صريحًا مع مقاصد الشريعة الكبرى، وعلى رأسها حفظ العقل. فكيف يُحفظ العقل، بينما يُربّى الإنسان على الخوف من أوهام، وعلى تفسير واقعه بقوى غير مرئية، بدل فهم الأسباب الحقيقية لما يعانيه؟ وكيف تُحفظ النفس، بينما يُترك المريض النفسي أو العضوي فريسة للدجالين، بدل توجيهه إلى العلاج العلمي؟ وكيف تُحفظ الكرامة الإنسانية، بينما يُختزل الإنسان في كائن ضعيف مسلوب الإرادة، تحركه تعويذة أو عقدة؟
العلم الحديث حسم هذه المسألة بوضوح. فكل ما يُنسب إلى السحر ثبت أنه يدخل ضمن تأثير الإيحاء، أو الاضطرابات النفسية، أو القلق، أو الهستيريا الجماعية. فالخوف وحده قادر على إحداث أعراض جسدية حقيقية، والاعتقاد الراسخ بالإصابة قد يشلّ الإنسان تمامًا. وهنا تكمن خطورة وهم السحر: أنه يصبح نبوءة تحقق ذاتها. فالإنسان حين يصدق أنه مسحور، يتصرف كمريض، فيمرض فعلًا، لا بفعل السحر، بل بفعل الاعتقاد.
لقد تحوّل السحر، في كثير من المجتمعات، إلى أداة للهروب من المسؤولية. فالفشل يُنسب إلى السحر، والطلاق إلى السحر، والمرض إلى السحر، وحتى الكسل والعجز يُبرّران بالسحر. وبهذا يُعفى الإنسان من محاسبة نفسه، ومن مراجعة أخطائه، ومن مواجهة واقعه بشجاعة. وهذا أخطر ما في الخرافة؛ أنها لا تكتفي بتزييف الوعي، بل تُعطّل الإصلاح.
كما تحوّل وهم السحر إلى سوق سوداء مربحة، يتغذى عليها المشعوذون باسم الرقية والعلاج الروحي. يُستنزف الناس ماديًا ونفسيًا، ويُقنعون بأن خلاصهم بيد “الراقي” لا بيدهم، وأن شفائهم في تعويذة لا في طبيب، وفي جلسة إخراج الجن لا في علاج علمي. وهذا كله يتناقض مع روح الإسلام، الذي ربط كرامة الإنسان بالعلم والعمل، لا بالخرافة. قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
إن التحرر من وهم السحر لا يعني إنكار الغيب، ولا رفض النصوص، ولا التمرد على الدين، بل يعني إعادة الدين إلى وظيفته الأصلية: تحرير الإنسان لا إخافته، وبناء وعيه لا تخديره. فالإيمان الحق لا يُنتج إنسانًا مرعوبًا من كل شيء، بل إنسانًا مطمئنًا، واثقًا بالله، مدركًا أن هذا الكون يسير وفق سنن ثابتة، لا وفق تعاويذ وأوهام.
إن قراءة القرآن بعقل واعٍ، وبمنهج مقاصدي، تكشف أن السحر ليس قوة، بل حيلة، وليس حقيقة، بل خرافة، وأن أخطر ما فيه ليس وجوده، بل الإيمان به. فالتحرر من هذا الوهم خطوة ضرورية لبناء إنسان مسلم مسؤول، سليم العقل، قوي النفس، قادر على مواجهة مشكلاته بالعلم والعمل، لا بالخوف والتبرير. وهذا بالضبط ما جاء به الإسلام: دين العقل، لا دين الخرافة؛ دين الحياة، لا دين الرعب .

 

                  الصادق العثماني - أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية