رشيد بوفوس
ما عشناه مساء أمس في نهائي كأس إفريقيا للأمم سيبقى صفحة حزينة ومخزية في تاريخ كرة القدم الإفريقية. إن تصرّف مدرّب المنتخب السنغالي، حين أصدر أوامره للاعبي بلاده بمغادرة أرضية الملعب بعد أن احتسب الحكم ضربة جزاء لصالح المغرب، تصرّفٌ مشين وغير مقبول على الإطلاق. ولا يقلّ عنه عدمَ قبول سلوكُ بعض الجماهير السنغالية التي اعتدت بعنف على أعوان التنظيم وحاولت تخريب مرافق ملعب مولاي عبد الله.
وعند استئناف المباراة، كان لإبراهيم دياز أرقى تصرّف حين أضاع ضربة جزاء «لا تُضيع عادة»، في محاولة لتهدئة النفوس. كان ذلك ثمنًا لا بدّ من دفعه حتى لا تنفلت الأمور. لم يفز المنتخب السنغالي بروح رياضية، بل عبر خلق الفوضى. وهو سلوك بعيد كل البعد عن روح اللعب النظيف، خاصة عندما رأينا مسؤولين من الفريق نفسه يسكبون سوائل غامضة على أرضية الملعب أو يتجولون بمناشف مبللة بطقوس وتعويذات… وهو دليل واضح على تخلّف في العقليات والسلوكات التي يفترض التحلي بها خلال تظاهرة رياضية.
يجب على المغرب أن يفتخر بما أنجزه خلال هذه الكأس الإفريقية، التي أجمع المعلّقون الأفارقة والأجانب، ولا سيما الأوروبيون، على أنها أفضل تظاهرة كروية نُظّمت في القارة منذ إحداث هذه البطولة. وليس على المنتخب المغربي أن يخجل من حصيلته في هذه الكأس، فقد بلغ النهائي بفضل لاعبين كبار ومدرّب متميّز، وليد الركراكي.
لقد وُجّهت إلى المغرب خلال هذه الكأس كلّ الاتهامات، خاصة من طرف جزائر ضعيفة وحاقدة: قيل إن المغرب اشترى المباريات، والحكّام، والجمهور، وإنه استأجر البنيات التحتية وبنى الملاعب بتقنية ثلاثية الأبعاد…
لكن باختصار، فإن من حضروا المباريات في مختلف ملاعب البلاد رأوا بأعينهم ولا يمكنهم إنكار ما تحقق في زمن قياسي. لقد شاهدوا تنظيمًا احترافيًا، وأمنًا محكمًا، وجودة في الاستقبال، وبنيات تحتية طرقية وسككية وفندقية عالية المستوى…
أما الباقي، فهي مجرد كأس، لا تكمن أهميتها إلا في كل ما أُنجز حولها لإنجاحها. والمغرب نجح في رهانه. وهو مستعد لتنظيم كأس العالم، مع شركائه الإسبان والبرتغاليين أو بدونهم. وفي ذلك بالذات يبقى المغرب الرابح الحقيقي من هذه الكأس. لقد أثبت لكل المترددين في العالم أنه بلد جاد، يستثمر لتحسين أوضاعه والخروج من حالة التخلف التي ما تزال القارة الإفريقية تغرق فيها إلى اليوم، بعد أكثر من ستين سنة على الاستقلالات.
ويحق للمغاربة أن يفخروا بما أنجزوه.
أما السلوك الطفولي للمنتخب السنغالي، فليس جديدًا عليه، إذ اعتاد مثل هذه الممارسات؛ فقد سبق له أن تصرّف بالطريقة نفسها سنة 2004 أمام تونس، حين غادر أرضية الملعب قبل نهاية المباراة…
لقد افتقر حكم مباراة الأمس إلى الصرامة والحزم، وكان عليه إعلان خسارة السنغال بالانسحاب فور خروجها من الملعب. فهذه هي قواعد الفيفا والكاف. لا يجوز ممارسة الضغط على المباراة عندما لا تسير الأمور في صالحنا! فهذا ضد روح اللعبة…!!
ولو أراد المغاربة ذلك، لما خرج أحد سالمًا من المباراة، لكن المغاربة شعب متحضّر، وقد تخلّى منذ زمن عن الهوليغانية كوسيلة للتشجيع. على عكس الجمهور السنغالي الذي يبدو، على ما يبدو، ما يزال مولعًا بأحداث الشغب في الملاعب. وعليه أن يتعلم المزيد من التحضّر. فلا شيء يُنال بالقوة الغاشمة وغير المسؤولة.
فازت السنغال، رغماً عنها، في الخزي. وخسر المغرب في الكرامة.
لكن قبل كل شيء، فاز المنتخب المغربي بقلوب جميع المغاربة!
شكرًا أسود الأطلس، كنتم استثنائيين!
شكرًا إبراهيم دياز على إضاعة ضربة الجزاء والمساهمة في الحفاظ على الهدوء داخل الملعب!
شكرًا للجمهور المغربي، الرائع والمتضامن طوال هذه الكأس الإفريقية!
شكرًا فوزي لقجع وللهيئات المشرفة على كرة القدم المغربية!
شكرًا لمختلف السلطات وقوات الأمن على تأمين وتنظيم هذه البطولة!
شكرًا لجلالتكم على تمكيننا من عيش هذه اللحظات الرائعة في المغرب.
المغرب جزيرة، وفي ذلك تكمن فرادته!