أنور الشرقاوي
في بضعة أيام فقط، كشفت لي بلادي المغرب عن ثلاث مشاهد،
ثلاثة أنفاس،.وثلاث نبضات لقلب جماعي واحد.
لحظات متباينة، تبدو أحيانًا متناقضة في ظاهرها، لكنها في العمق موحَّدة بطاقة حياة واحدة،
تسري في العروق كما يسري المعنى في الكلمات الصادقة.
كان المشهد الأول هو كرة القدم.
تأهّل المنتخب الوطني إلى نهائي كأس إفريقيا للأمم 2025–2026 أمام السنغال ، رغم خسارته للكأس.
فرح عفوي، نقي، يكاد يكون طفوليًا. في الشوارع، وعلى الشاشات، وفي المقاهي والبيوت،
مرّت قشعريرة واحدة على جسد الوطن كله.
لم يكن الأمر مجرّد فوز في مباراة،
بل كان تأكيدًا بأن الحلم ما ممكنًا،
وبأن الجهد الجماعي قادر على الانتصار، وبأن الراية ما تزال تجمع،
رغم اختلاف الطبقات والأعمار والجهات.
ثم، دون مقدّمات تقريبًا، انفتح مشهد آخر. سهرة موسيقى ورقص "السوينغ" في مطعم بالرباط. أجساد ترقص، ابتسامات تتبادل،
وخُطى خفيفة تحملها موسيقى جاءت من بعيد لكنها وجدت مكانها هنا، بأناقة وطمأنينة.
هنا، أظهر المغرب وجهًا آخر: وجه الانفتاح، والفضول، ومتعة العيش في اللحظة الراهنة. مغرب حضري، هادئ، واثق بنفسه، قادر على أن يجمع بين الأصالة والحداثة دون أن يفقد روحه. الرقص هنا لم يكن هروبًا ولا استفزازًا، بل كان تنفّسًا،
وقولًا صامتًا إن الفرح هو أيضًا شكل من أشكال المقاومة.
ثم جاء المشهد الثالث. أمسية للإنشاد الديني بمسرح محمد الخامس بالرباط في قاعة مكتظّة عن آخرها، حتى المقاعد الجانبية.
" سهرة شعبانة"، تمهيد روحي لقدوم شهر رمضان المبارك. ارتفعت الأصوات، نقيّة، عميقة، محملة بالذاكرة والإيمان. كان الزمن كأنه يبطئ خطاه. في تلك الأناشيد،
حضرت حكمة الأجداد، وتجلّت تلك القدرة المغربية الفريدة على تحويل الروحانية إلى سكينة جماعية.
لا قطيعة هنا مع العالم، بل دعوة هادئة للعودة إلى الذات، لتطهير الروح كما الجسد، ولتهيئة الداخل قبل الخارج.
كرة قدم.
موسيقى ورقص سوينغ.
إنشاد ديني.
ثلاثة عوالم.
ثلاثة إيقاعات.
ثلاث طرق للسكن في الزمن. ومع ذلك، مغرب واحد. مغرب لا ينقسم بين المقدّس واليومي، ولا يتشقق بين الحماسة الشعبية والرقي الثقافي، ولا يتنازع بين الإيمان والاحتفال.
مغرب يمضي قدمًا، أحيانًا ببطء،
وأحيانًا بقفزات جريئة، لكن دائمًا بقدرة مدهشة على الصمود.
شعب تعلّم أن يحتمل الصدمات،
وأن يحوّل المحن إلى طاقة، وأن يصون الفرح ككنز ثمين.
في مطلع سنة 2026، لا يُروى المغرب بالشعارات. بل يُعاش. يُغنّى، يُرقَص، يُشجَّع في المدرّجات، ويُهمَس به في الدعاء.
هو بلد يشكّ أحيانًا، لكنه ما زال يؤمن. يتألم،.لكنه يبتسم. ينظر إلى الحاضر بلا فزع، وإلى المستقبل بلا غرور، بثقة هادئة ولدت من التجربة ومن الإيمان بعمق جذوره.
بلدي المغرب، في هذه الأيام،
ذكّرني بحقيقة واحدة لا تزول:
ما دام شعبٌ يعرف كيف يفرح معًا،.ويتأمل معًا، ويحلم معًا، فإنه يظل واقفًا.