عبدالإلاه القصير
مقدمة
شهد مجال الصحة العالمية خلال العقود الأخيرة تطورًا ملحوظًا ارتبط بتنامي الوعي بترابط القضايا الصحية عبر الحدود، وبأهمية التعاون الدولي في مواجهة التحديات الوبائية والإنمائية.
وقد اضطلعت الولايات المتحدة بدور محوري في هذا السياق من خلال دعم مبادرات متعددة الأطراف وبرامج شاملة استهدفت ليس فقط مكافحة الأمراض المعدية، بل أيضًا تعزيز صحة الأم والطفل والصحة الإنجابية باعتبارها ركائز أساسية للتنمية البشرية.
غير أن إطلاق استراتيجية “أمريكا أولًا للصحة العالمية 2025”AMERICA FIRST Global Health Strategy التي صدرت رسميًا في 18 سبتمبر 2025 شكل تحولًا لافتًا في السياسة الصحية الخارجية الأمريكية، حيث أعاد ترتيب الأولويات وفق منطق يرتكز على الأمن الصحي والمصلحة الوطنية.
ويهدف هذا المقال إلى تحليل مضامين هذه الاستراتيجية وتقييم آثارها، مع تركيز خاص على موقع صحة الأم والطفل والصحة الإنجابية داخل هذا التحول.
الإطار العام للاستراتيجية الأمريكية
تنطلق استراتيجية “أمريكا أولًا للصحة العالمية 2025” من تصور يعتبر أن التهديدات الصحية الخارجية تمثل في المقام الأول مخاطر مباشرة على الأمن القومي الأمريكي، وهو ما يبرر إعادة توجيه المساعدات الصحية الخارجية نحو الوقاية المبكرة من الأوبئة وتعزيز أنظمة الترصد والاستجابة السريعة. وضمن هذا المنظور، أعادت الولايات المتحدة صياغة تدخلاتها الصحية الدولية عبر آليات ثنائية مشروطة، تهدف إلى تحسين فعالية الإنفاق العمومي، وضمان تحقيق نتائج قابلة للقياس، ودفع الدول الشريكة نحو تحمل مسؤولية أكبر في تمويل أنظمتها الصحية. كما تعكس الاستراتيجية رغبة واضحة شفي الانتقال من منطق التضامن متعدد الأطراف إلى منطق الشراكات القائمة على تقاسم الأعباء والمصالح.
تستند هده الاسترتيجية على ثلاثة ركائز اساسية هي:
1.جعل أمريكا أكثر أمانًا (Safer)– وذلك بتعزيز رصد الأمراض العالمية، والكشف المبكر عن التفشيات، والاستجابة السريعة لمنع وصول التهديدات المعدية إلى الولايات المتحدة أو تأثيرها على سكانها.
2.جعل أمريكا أقوى (Stronger)– عبر بناء نظم صحية مرنة ومستدامة في الدول الشريكة لتعزيز العلاقات الثنائية، دعم الاعتماد على الذات، وتشجيع تقاسم المسؤولية مع هذه الدول.
3.جعل أمريكا أكثر ازدهارًا(More Prosperious) – بتشجيع مشاركة القطاع الخاص، والابتكار، وتحقيق العوائد الاقتصادية من خلال شراكات قائمة على المساءلة، وربط الاستثمارات في الصحة العالمية بالمصالح الاستراتيجية والاقتصادية الأمريكية
الأولويات الصحية ومبرراتها
يبرز في صلب الاستراتيجية تركيز واضح على عدد محدود من الأمراض المعدية ذات العبء الوبائي المرتفع والتأثير المباشر على الاستقرار الصحي والاقتصادي، مثل فيروس نقص المناعة المكتسب، والملاريا، والسل، وشلل الأطفال، إضافة إلى الاستثمار المكثف في أنظمة الرصد الوبائي. ويُقدَّم هذا التركيز على أنه خيار عقلاني يهدف إلى تعظيم العائد الصحي والاقتصادي للمساعدات، وتحقيق نتائج سريعة ومقيسة، خاصة في الدول ذات الأنظمة الصحية الهشة. غير أن هذا التوجه يعكس في الوقت ذاته انتقالًا نحو مقاربة عمودية ضيقة للصحة، تُجزئ التدخلات بدل إدماجها في رؤية شمولية.
تحدد استراتيجية الولايات المتحدة للصحة العالمية 2025 مشكلات هيكلية واضحة ضمن المساعدات الصحية الخارجية الأمريكية، موثقة بأرقام محددة داخل الوثيقة نفسها. اد تم التوضيح بانه على الرغم من عقود من الاستثمار العالمي في الصحة، لا تتجاوز نسبة التمويل الموجه مباشرة للإمدادات والخدمات الصحية الأساسية 40 %، حيث يخصص حوالي 25 % للمعدات الطبية (مثل أدوات التشخيص، الأدوية، واللقاحات)، فيما يخصص حوالي أكثر من 15 % الى عمال الصفوف الأمامية، بما في ذلك الممرضين والعاملين الصحيين المجتمعيين. أما النسبة المتبقية البالغة 60 % فتُنفق على المساعدة التقنية، وإدارة الجودة، والإشراف على البرامج، والأنشطة الإدارية الأخرى، مما يؤدي إلى كفاءة منخفضة. وتشير الاستراتيجية إلى أن هذا أدى إلى وجود شبكات مشتريات، وسلاسل توريد، وأنظمة بيانات متوازية نادرًا ما تندمج مع النظم الصحية الوطنية، مما يزيد من الأعباء الإدارية ويحد من فرص الاستدامة والتملّك الوطني. بالإضافة إلى ذلك، لاتغطي الحكومات المستفيدة سوى 30–40 % من إجمالي تكاليف الاستجابات الصحية فما يخص 23 برنامجًا صحيًا مدعومًا من الولايات المتحدة، ويمول الباقي من طرف الحكومة الأمريكية، مما يبرز استمرار اعتماد الدول على المساعدات الخارجية بدلاً من الانتقال نحو نظم صحية بقيادة وطنية. وتضع الاستراتيجية هذه المؤشرات والأرقام كأحد التحديات الجوهرية التي يجب معالجتها لإعادة توجيه المساعدات الأمريكية نحو كفاءة أعلى، ومساءلة أفضل، وملكية محلية مستدامة.
كما تم التأكيد في الاستراتيجية على أن التمويل الخارجي طويل الأمد أسهم، في بعض السياقات، في خلق نوع من الاعتماد على المساعدات، مما أضعف تعبئة الموارد الوطنية وقلّص من ملكية الدول لبرامجها الصحية. ويتعزز هذا الاعتماد في ظل غياب استراتيجيات واضحة للاستدامة والانتقال التدريجي، وهو ما يترك الدول المستفيدة غير مهيأة لضمان استمرارية الخدمات عند تقليص أو إعادة توجيه الدعم الأمريكي. وإلى جانب ذلك، تم التنبيه الى ان المساعدات الصحية الخارجية الأمريكية تتسم بحساسية عالية تجاه التقلبات السياسية والأيديولوجية الداخلية، الأمر الذي يفضي إلى عدم استقرار السياسات ويقوض التخطيط طويل الأمد، ويؤثر بشكل خاص على مجالات تثير جدل سياسي، وفي مقدمتها الصحة الإنجابية.
وأخيرًا، تسلط الاستراتيجية الضوء على ضعف مواءمة التدخلات الأمريكية مع الأولويات الصحية الوطنية وخطط التنمية في الدول الشريكة، فضلًا عن محدودية الاستثمار في المقاربات الوقائية والصحة عبر دورة الحياة، رغم ما تؤكده الأدلة العلمية من أن هذه الاستثمارات تحقق عوائد صحية واجتماعية واقتصادية مستدامة وعالية المردودية.
الجوانب الإيجابية والسلبية للاستراتيجية
من الناحية التحليلية، تحمل الاستراتيجية بعض العناصر الإيجابية التي لا يمكن إغفالها، إذ تساهم في تعزيز الأمن الصحي العالمي من خلال دعم قدرات الكشف المبكر عن الأوبئة والحد من انتشارها قبل تحولها إلى أزمات عالمية. كما أن اعتماد الاتفاقيات الثنائية المشروطة يتيح مستوى أعلى من المساءلة وربط التمويل بمؤشرات أداء واضحة، مما قد يُحسن من كفاءة استخدام الموارد ويقلل من الهدر. ويُضاف إلى ذلك سعي الاستراتيجية إلى تشجيع الاعتماد الذاتي للدول الشريكة، عبر تقليص الاعتماد المزمن على المساعدات الخارجية، وتعزيز السيادة الصحية الوطنية على المدى المتوسط والطويل.
تمثل استراتيجية الولايات المتحدة للصحة العالمية 2025، ، تعبيرًا عن تحول بنيوي عميق في تصور الدور الأمريكي في الصحة العالمية، وهو تحول يتجلى بوضوح في عنوانها نفسه: أمريكا أولًا. فاختيار هذا العنوان يعكس إعادة تموضع المصلحة الوطنية الأمريكية كمرجعية عليا في صياغة السياسات الصحية الخارجية، حيث لم تعد الصحة تُقارب باعتبارها مجالًا للتضامن الإنساني أو التزامًا أخلاقيًا جماعيًا، بل كأداة استراتيجية لحماية الأمن القومي والاقتصاد والاستقرار الداخلي. وبهذا المعنى، تُدمج الصحة ضمن تصور موسع للأمن يشمل الأمن الحيوي، لتصبح جزءًا من منظومة إدارة المخاطر الجيوسياسية في عالم يتجه نحو التعددية القطبية وتزايد التنافس الدولي.
ويكشف هذا التوجه عن انتقال واضح من النموذج الليبرالي التقليدي القائم على التعددية ودعم المؤسسات الدولية إلى مقاربة أكثر براغماتية وانتقائية، تُفضل الشراكات الثنائية المشروطة والائتلافات المرنة التي تتيح للولايات المتحدة توجيه الأولويات الصحية وربط التمويل بالعائد الاستراتيجي. وفي هذا الإطار، تُقاس أهمية التدخلات الصحية بقدرتها على منع التهديدات التي قد تمتد إلى الداخل الأمريكي، أكثر من ارتباطها بتقليص عبء المرض أو تعزيز العدالة الصحية في الدول الهشة.
ومن الناحية المفاهيمية، تعاني الاستراتيجية من اختزال لمفهوم الصحة العالمية، إذ تُعرّف التهديدات الصحية أساسًا من زاوية انعكاسها المحتمل على الولايات المتحدة، لا من زاوية الاحتياجات الفعلية للدول منخفضة ومتوسطة الدخل. ويؤدي هذا المنظور إلى تفضيل تدخلات سريعة وقابلة للقياس، مثل مكافحة بعض الأمراض المعدية وتعزيز أنظمة الترصد الوبائي وسلاسل الإمداد الدوائي، على حساب الاستثمارات الهيكلية طويلة الأمد في تقوية النظم الصحية الشاملة والرعاية الصحية الأولية. كما يُعاد إنتاج منطق المقاربة العمودية المجزأة، التي تركز على أمراض بعينها، بدل اعتماد مقاربة أفقية مندمجة تعالج المحددات الاجتماعية للصحة وتضمن الاستدامة.
ويبرز في هذا السياق أثر مباشر لشعار «أمريكا أولًا» على ترتيب الأولويات، حيث يؤدي عمليًا إلى تهميش مجالات حيوية مثل صحة الأم والطفل والصحة الإنجابية، رغم كونها من أكثر الاستثمارات الصحية مردودية وتأثيرًا على الاستقرار الاجتماعي والتنمية البشرية. ويزداد هذا التهميش حدة بفعل الاستقطاب الأيديولوجي الداخلي الأمريكي، خاصة بين الديمقراطيين والجمهوريين، ما يخلق تذبذبًا في الالتزامات التمويلية ويقوض مصداقية الولايات المتحدة كشريك صحي طويل الأمد. كما أن ربط التمويل الصحي الخارجي بشروط سياسية أو أيديولوجية يُسهم في تسييس الصحة ويُضعف بعدها الحقوقي.
ويزيد من تعقيد المشهد انسحاب الولايات المتحدة مؤخرًا من 66 منظمة دولية، بما في ذلك 31 هيئة تابعة للأمم المتحدة و35 منظمة غير تابعة للأمم المتحدة، مثل صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA)، واتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، ومنظمات بيئية وتنموية أخرى، بحجة أنها لم تعد تخدم المصلحة الوطنية الأمريكية. ويُظهر هذا الانسحاب امتدادًا واضحًا لاستراتيجية «أمريكا أولًا» على المستوى المؤسسي الدولي، ويُترجم عمليًا إلى إضعاف التعددية الصحية العالمية وتقليص تأثير الشركاء الدوليين، بما في ذلك المنظمات التي تلعب دورًا محوريًا في دعم صحة الأم والطفل والصحة الإنجابية في الدول النامية.
في المقابل، تثير هذه المقاربة جملة من الانتقادات الجوهرية، أبرزها إضعاف منظومة التعددية الصحية العالمية وتقليص دور المؤسسات الدولية التي لعبت تاريخيًا دورًا تنسيقيًا حاسمًا في مواجهة الأزمات الصحية العابرة للحدود. كما أن التركيز على أمراض محددة وإهمال تقوية النظم الصحية ككل قد يؤدي إلى اختلالات هيكلية داخل الأنظمة الصحية الوطنية، ويحد من قدرتها على الاستجابة لتحديات صحية أخرى لا تقل أهمية. ويُضاف إلى ذلك خطر تسييس الصحة العالمية وربطها باعتبارات جيوسياسية، وهو ما قد يُفرغها من بعدها الإنساني والحقوقي.
الاستثمار الأمريكي التاريخي في صحة الأم والطفل والصحة الإنجابية
شكّل الاستثمار الأمريكي المباشر في برامج صحة الأم والطفل والصحة الإنجابية، على مدى أكثر من ستة عقود، أحد الركائز الأساسية للتحسن الملحوظ في المؤشرات الصحية العالمية، لا سيما في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل. فمنذ ستينيات القرن الماضي، اضطلعت الولايات المتحدة بدور قيادي في دعم برامج تنظيم الأسرة، ورعاية الحمل والولادة الآمنة، وصحة حديثي الولادة، عبر الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية وبشراكات وثيقة مع المنظمات متعددة الأطراف، مثل منظمة الصحة العالمية وصندوق الأمم المتحدة للسكان واليونيسف. وقد ساهم هذا الالتزام طويل الأمد في تسريع الانخفاض العالمي في وفيات الأمهات والأطفال، وتحسين الولوج إلى خدمات الصحة الإنجابية، وتعزيز تمكين النساء والفتيات، وهو ما انعكس إيجابًا على مؤشرات التعليم، والمشاركة الاقتصادية، والاستقرار الاجتماعي في العديد من مناطق العالم (WHO, 2023; UNFPA, 2021; World Bank, 2022). وتشير التقديرات إلى أن الدعم الأمريكي كان من بين العوامل الحاسمة التي أسهمت في خفض وفيات الأطفال دون سن الخامسة بأكثر من النصف عالميًا منذ عام 1990، وفي تحقيق تقدم ملموس نحو تحسين رعاية الحمل والولادة في البلدان الأكثر هشاشة (UNICEF, 2023).
غير أن هذا المسار التاريخي عرف تحولًا بنيويًا في ظل القيادة الأمريكية الجديدة، حيث أُعيدت صياغة السياسة الصحية الخارجية ضمن إطار “أمريكا أولًا”، بما يعكس انتقالًا من مقاربة تنموية شمولية إلى مقاربة أمنية تضع الوقاية من التهديدات الصحية العابرة للحدود وحماية المصالح الوطنية في صدارة الأولويات. ويُعزى هذا التحول إلى تفاعل عدة عوامل، من بينها تصاعد النزعة القومية، والضغوط الداخلية لإعادة تقييم جدوى المساعدات الخارجية، وتنامي المخاوف المرتبطة بالأوبئة العالمية، إضافة إلى الاعتبارات الإيديولوجية المرتبطة بقضايا الصحة الإنجابية وتنظيم الأسرة، والتي أثرت بشكل مباشر على توجهات التمويل والدعم السياسي.
صحة الأم والطفل والصحة الإنجابية في هامش الاستراتيجية الحالية
تشير المعطيات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية والبنك الدولي إلى أن الاستثمار في صحة الأم والطفل والصحة الإنجابية يُعد من أكثر الاستثمارات الصحية مردودية وفعالية. فوفقًا لتقديرات منظمة الصحة العالمية، ما تزال وفيات الأمهات تُناهز 287 ألف حالة سنويًا على المستوى العالمي، في حين يفقد العالم قرابة خمسة ملايين طفل دون سن الخامسة كل عام، معظمهم بسبب أسباب يمكن الوقاية منها بتدخلات صحية بسيطة ومنخفضة الكلفة (WHO, 2023). وتُظهر الدراسات الاقتصادية أن كل دولار يُستثمر في صحة الأم والطفل وتنظيم الأسرة يمكن أن يحقق عائدًا يتراوح بين 3 و9 دولارات من خلال تحسين الإنتاجية، وتقليص النفقات الصحية المستقبلية، ورفع مستوى التعليم والاستقرار الاجتماعي (World Bank, 2022; UNFPA, 2021). ولا يكتسي هذا المجال أهمية صحية فحسب، بل يحتل موقعًا محوريًا ضمن أهداف التنمية المستدامة، ولا سيما الهدف الثالث المتعلق بضمان الصحة الجيدة والرفاه (United Nations, 2015).
رغم كل ذلك فأن استراتيجية “أمريكا أولًا للصحة العالمية 2025” تعلن بطقيقة غيق رسميًة التخلي عن صحة الأم والطفل و الصحة الإنجابية, إن تحليل أولوياتها التمويلية وآليات تنفيذها يكشف عن تهميش عملي واضح لهذه المجالات. لم تُدرج هذه القضايا ضمن الأولويات الجوهرية التي تُبنى عليها الاتفاقيات الثنائية، كما جرى تقليص الموارد المخصصة لها أو ربطها بشروط صارمة، مع نقل عبء استدامتها إلى الدول الشريكة. ويزداد هذا التهميش حدة بفعل طبيعة هذه المجالات التي تتطلب استثمارات طويلة الأمد في الرعاية الصحية الأولية واستمرارية الخدمات، وهو ما يتعارض بنيويًا مع المقاربة المرضية الضيقة التي تتبناها الاستراتيجية.
انعكاسات ملموسة على صحة الأم والطفل والصحة الإنجابية
في ظل استراتيجية الولايات المتحدة للصحة العالمية 2025، من المتوقع أن تواجه برامج صحة الأم والطفل والصحة الإنجابية عدة انعكاسات ملموسة على صعيد التمويل، التخطيط، والتنفيذ. إذ تُركز الاستراتيجية بشكل رئيسي على الأمن الصحي والأمراض المعدية والنتائج القابلة للقياس، ما قد يؤدي إلى إعادة توجيه جزء كبير من التمويل بعيدًا عن الخدمات الأساسية للصحة الإنجابية، أو ربطه بشروط صارمة لتحقيق تأثير سريع، وهو ما يحد من الاستثمار طويل الأمد الضروري لضمان استدامة هذه الخدمات. كما قد تُدرج هذه البرامج ضمن مشاريع عمودية تركز على أمراض محددة مثل فيروس نقص المناعة المكتسب أو الملاريا، بدل أن تُعالج كأولوية شاملة، ما قد يؤدي إلى تفتيت الخدمات وضعف تكامل الرعاية الصحية للأمهات والأطفال. ويُضاف إلى ذلك زيادة العبء الإداري وتعقيد نظم البيانات نتيجة اعتماد مشاريع موازية ومنفصلة عن أنظمة الصحة الوطنية، مما يحد من قدرة الدول على التخطيط المتكامل وتقديم خدمات مستدامة.
من الناحية الصحية، يمكن أن يؤدي تهميش برامج الصحة الإنجابية وصحة الأم والطفل إلى زيادة انتشار أمراض وعوامل خطورة محددة بين النساء والفتيات، مثل فقر الدم المرتبط بسوء التغذية أو الحمل المتكرر، العدوى المنقولة جنسياً (مثل الكلاميديا والسيلان وفيروس الورم الحليمي البشري HPV)، والتهابات الرحم والمهبل المزمنة التي تزيد من مضاعفات الولادة. كما يزداد خطر وفيات الأمهات أثناء الولادة ووفيات الأطفال دون سن الخامسة بسبب نقص الوصول إلى خدمات رعاية ما قبل الولادة، التطعيمات الأساسية، والرعاية الطارئة بعد الولادة. وقد تؤدي هذه الثغرات إلى تفاقم الحمل المبكر بين المراهقات، وزيادة حالات الإجهاض غير الآمن، وانتشار المضاعفات الصحية المزمنة لدى الأمهات، وهو ما يضغط على النظم الصحية الوطنية ويضعف النتائج الصحية على المدى الطويل.
على صعيد الاستدامة الوطنية، يؤدي الاعتماد الكبير على التمويل الأمريكي الخارجي إلى تراجع الحوافز الوطنية للاستثمار في الصحة الإنجابية، ما يضعف القدرة على ضمان استمرار الخدمات في المستقبل. كما تقل فرص الابتكار المحلي والتكامل متعدد القطاعات، حيث يمكن أن تحد مقاييس الأداء الصارمة من تطوير برامج تربط الصحة الإنجابية بالتعليم، وتمكين الفتيات، والتنمية الاقتصادية، وهي عناصر أساسية لتعزيز التأثير الاجتماعي والاقتصادي طويل المدى. علاوة على ذلك، قد تفرض بعض السياسات المرتبطة بمبادئ “أمريكا أولًا” قيودًا على تمويل المنظمات التي تقدم خدمات الإجهاض أو تنظيم الأسرة الكامل، مما يؤثر بشكل مباشر على الوصول الشامل والعادل للنساء والفتيات إلى خدمات الرعاية الصحية الإنجابية، ويطرح تحديات حقوقية وأخلاقية على مستوى الالتزامات الدولية للولايات المتحدة في مجال الصحة والحقوق.
ما المطلوب من الدول النامية فعله في ظل استراتيجية الولايات المتحدة للصحة العالمية 2025 ?
في ظل هاته الاستراتيجية ، تواجه الدول النامية تحديات ملموسة في الحفاظ على برامج صحة الأم والطفل والصحة الإنجابية، خصوصًا مع تركيز الاستراتيجية على الأمن الصحي والأمراض المعدية والنتائج القابلة للقياس. ومن أجل تعزيز القدرة على الصمود وضمان استدامة هذه الخدمات، يجب على هذه الدول :
- تعزيز الملكية الوطنية للبرامج الصحية من خلال تحمل المسؤولية الكاملة عن تخطيط وتنفيذ برامج الصحة الإنجابية وصحة الأم والطفل، بما يقلل الاعتماد على التمويل الخارجي ويضمن استمرارية الخدمات الأساسية. كما ينبغي دمج هذه البرامج ضمن نظم الصحة الوطنية لتعزيز التكامل والكفاءة، بدل الاعتماد على مشاريع عمودية منفصلة تركز على أمراض محددة فقط.
- تطوير قدرات الرصد والمعلومات الصحية عبر إنشاء أنظمة بيانات قوية لرصد مؤشرات صحة الأم والطفل والصحة الإنجابية، مثل معدلات وفيات الأمهات، انتشار وسائل منع الحمل، ومعدلات الحمل المبكر، لتقديم أدلة علمية واضحة على الأثر الصحي، ما يعزز فرص التمويل المستقبلي.
- الابتكار واستغلال الموارد المحلية من خلال برامج التثقيف الصحي المجتمعي، استخدام التكنولوجيا لتسهيل تقديم الخدمات، وربط الصحة الإنجابية بالتنمية الاقتصادية وتمكين المرأة.
- تعزيز التواصل والمناصرة الفعالة مع الشركاء الدوليين لضمان إدراج الصحة الإنجابية ضمن أولويات التمويل، مع إبراز علاقتها بالأمن الصحي العالمي. وفي هذا السياق، يُعتبر تعزيز الشراكة جنوب-جنوب أداة استراتيجية لدعم تبادل الخبرات، الموارد، والحلول المبتكرة بين الدول النامية، بما يقلل الاعتماد على الشريك الأمريكي ويعزز قدرة الدول على مواجهة تحديات الصحة الإنجابية بشكل مستقل.
- وأخيرًا، يعد تنويع مصادر التمويل من القطاع الخاص، المنظمات الإقليمية، والمنظمات غير الحكومية، وتطوير سياسات وطنية متكاملة تربط الصحة الإنجابية بالأمن الغذائي والتعليم وتمكين المرأة، خطوة أساسية لضمان استدامة هذه البرامج وتحقيق الأثر الصحي والاجتماعي المستدام على المدى الطويل.
قائمة المراجع
https://www.state.gov/america-first-global-health-strategy-
United Nations. (2015). Transforming our world: The 2030 agenda for sustainable - development.
World Health Organization. (2023). Maternal mortality: Key facts.-
World Bank. (2022). Investing in maternal and child health.-
United Nations Population Fund. (2021). State of world population 2021.-
UNICEF. (2023). Child survival and development.
عبدالإلاه القصير
أخصائي في تقييم البرامج الاجتماعية وتقنيات الترافع