بنسعيد الركيبي
في الأصل كان الوصف الرياضي فعلا مهنيا بسيطا ينقل ما يجري داخل الملعب بقدر من الحياد والتركيز على الأداء والمهارة والخطة واللحظة. لكن ما نشهده في السنوات الأخيرة يكشف أن بعض الأصوات لم تعد تكتفي بالوصف، ولكنها انزلقت تدريجيا نحو بناء خطاب يتجاوز الرياضة ليصبح حمولا سياسيا مكثفا، مستثمرا حرارة المنافسة وانفعال الجمهور. وفي هذا السياق يبرز نموذج الواصف الرياضي الجزائري "الملقب بالطعراجي" الذي تحول صوته في مناسبات متعددة من أداة شرح رياضي، إلى منصة إسقاطات سياسية مباشرة أو مواربة على دول بعينها.
والمشكل هنا لا يتعلق بحرية الرأي ولا بالموقف السياسي في حد ذاته، فلكل صحفي حقه في التعبير ضمن فضاءاته المشروعة، لكن الإشكال الحقيقي يبدأ حين يتم تهريب هذا الموقف إلى فضاء رياضي، يفترض فيه الجمع لا التفريق والتهدئة لا الشحن والتنافس النزيه لا تصفية الحسابات. فحين يصبح الهدف مجرد مباراة مدخلا لاستحضار التاريخ المؤلم، أو النزاعات السياسية، أو تحميل المنتخبات ما لا تحتمل من رمزية الدولة والهوية، فإننا نكون قد غادرنا الوصف ودخلنا التحريض.
يمتلك الوصف الرياضي سلطة مضاعفة لأنه يتكلم في لحظة انفعال جماهيري قصوى، وصوته يصل إلى ملايين المتابعين دون فلترة أو مسافة نقدية. وهنا تصبح الكلمة خطرة لأن الانزلاق من جملة حماسية إلى موقف عدائي لا يحتاج إلا إيحاء بسيط أو نبرة محسوبة أو مقارنة غير بريئة. وهكذا تتحول الرياضة من مجال للتلاقي، إلى مسرح لإعادة إنتاج الصراع.
وليست المشكلة في ذكر السياق ولا في استحضار البعد التاريخي، حين يكون ضروريا للفهم وإنما في تحويله إلى أداة توجيه عاطفي ضد طرف معين. وفي تعميم خطاب المظلومية أو الاتهام داخل تعليق يفترض فيه التركيز على ما يحدث داخل المستطيل الأخضر فقط. فالدول لا تختصر في مباراة ولا الشعوب تختزل في هدف ولا الخلافات السياسية تحسم عبر ميكروفون رياضي.
إن أخلاقيات المهنة تفرض على الواصف أن يعي حدود صوته، وأن يميز بين التحليل الرياضي المشروع وبين التوظيف السياسي المرفوض. لأن الكلمة حين تخرج في لحظة انفعال، تصبح فعلا لا مجرد رأي.
الرهان اليوم ليس إسكات الأصوات، بقدر ماهو العمل الجاد على إعادة الاعتبار لوظيفة الوصف الرياضي، كجسر بين الشعوب لا كخندق بينها. وكفن مهني يرفع منسوب الوعي لا منسوب الاحتقان. لأن الملعب مهما اشتد صخبه يجب أن يبقى مساحة لعب لا ساحة خطاب سياسي مقنع.