فؤاد إبن المير: عندما تتحول الرياضة إلى مرآة للتوترات السياسية.. قراءة سوسيولوجية في استهداف النجاحات المغربية

فؤاد إبن المير: عندما تتحول الرياضة إلى مرآة للتوترات السياسية.. قراءة سوسيولوجية في استهداف النجاحات المغربية فؤاد إبن المير

لم تعد الرياضة، وخصوصاً كرة القدم، مجرد مجال للتنافس الرمزي أو الفرجة الجماعية، بل أضحت في السياق المعاصر فضاءً مكثفاً لإعادة إنتاج الصراعات السياسية والتوترات الجيو-سياسية. وفي هذا الإطار، يبرز المغرب كحالة دالة، حيث تتحول إنجازاته الرياضية إلى موضوع قراءات متوترة، تتجاوز منطق المنافسة الرياضية لتلامس حدود التحفظ السياسي والحساسية الرمزية لدى بعض الفاعلين الإقليميين.

 

الرياضة باعتبارها حقلاً اجتماعياً للصراع الرمزي

من منظور سوسيولوجي، يمكن النظر إلى الرياضة باعتبارها حقلاً اجتماعياً بالمعنى الذي صاغه بيير بورديو، أي فضاءً مستقلاً نسبياً، لكنه شديد التداخل مع حقول السياسة والإعلام والهوية. فالإنجاز الرياضي لا يُستقبل فقط كحدث تقني، بل يُحمَّل دلالات تتصل بصورة الدولة، ونجاعة مؤسساتها، وقدرتها على التخطيط والاستثمار طويل المدى.

وعندما يحقق المغرب نجاحات رياضية متتالية، فإنها تُقرأ في بعض السياقات لا كإنجاز رياضي فحسب، بل كـتراكم لرأسمال رمزي يعزز حضوره الإقليمي والدولي، وهو ما يخلق شعوراً بالاختلال في ميزان المقارنة لدى دول تعاني من تعثرات بنيوية أو انسداد سياسي.

 

من المقارنة إلى التوتر: منطق الحسد السياسي

لا يتعلق الأمر هنا بالحسد بمعناه الأخلاقي المباشر، بل بما يمكن تسميته الحسد السياسي البنيوي، الناتج عن مقارنة غير متكافئة بين نماذج تنموية وسياسية مختلفة. ففي مقابل نموذج اختار الإصلاح التدريجي، والاستثمار في الإنسان والبنية التحتية، تجد بعض الأنظمة نفسها أمام صعوبة تفسير إخفاقاتها الداخلية، فتتجه نحو إعادة تأويل نجاح الآخر بوصفه نتيجة عوامل خارجية أو غير مشروعة.
وتلعب الرياضة، في هذا السياق، دور الوسيط الرمزي الذي يسمح بتفريغ هذا التوتر دون الانخراط في مواجهة سياسية مباشرة، بما تحمله من كلفة دبلوماسية وإعلامية.

 

ازدواج الخطاب وحدود الودّ المعلن

تكشف هذه الدينامية عن شكل من الازدواج الخطابي: خطاب رسمي يتحدث عن التعاون وحسن الجوار، يقابله خطاب إعلامي أو جماهيري، خصوصاً في المجال الرياضي، يتسم بالتشكيك والعدائية. هذا التباين لا يمكن فصله عن منطق ما يُعرف بـ«السياسات العميقة»، حيث يتم توظيف قنوات غير رسمية—كالإعلام الرياضي ومنصات التواصل الاجتماعي—للتأثير في الرأي العام، وتوجيه الانفعالات الجماعية ضد نموذج يُنظر إليه كمصدر إحراج رمزي.

 

كرة القدم كفضاء لتصريف الإحباط الجماعي

من زاوية سوسيولوجية نفسية، تؤدي كرة القدم وظيفة مزدوجة: فهي من جهة مجال للاندماج والفرح الجماعي، ومن جهة أخرى قد تتحول إلى وعاء لتصريف الإحباطات المكبوتة في مجتمعات تعاني من أزمات شرعية أو اختلالات تنموية. وفي هذه الحالات، لا تكون الهزيمة الرياضية مجرد خسارة في مباراة، بل إعادة إحياء لشعور أعمق بعدم القدرة على مجاراة الآخر في مجالات أوسع.

 

المغرب كنموذج مُقلق

يبدو أن خصوصية الحالة المغربية تكمن في كونها تمثل نموذجاً يصعب الطعن فيه مباشرة: استقرار سياسي نسبي، حضور دبلوماسي متنامٍ، واستثمار ممنهج في الرياضة كجزء من سياسة عمومية واضحة. لذلك، يصبح المجال الرياضي أحد المنافذ القليلة المتاحة للتشكيك، أو لتقليص أثر هذا النجاح في الوعي الجماعي الخارجي.

 

خاتمة

إن تحويل الرياضة إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية لا يعكس قوة الخصومة بقدر ما يكشف عن توتر في العلاقة مع الذات قبل الآخر. فالنجاح الرياضي، في جوهره، ليس سوى مؤشر على اختيارات مجتمعية ومؤسساتية أعمق. والتعامل الناضج مع هذا النجاح، سواء بالاعتراف أو بالمنافسة الإيجابية، يظل أحد معايير النضج السياسي والثقافي في العلاقات بين الدول.


الدكتور فؤاد إبن المير، باحث في السوسيولوجيا والقانون الدولي